الأحد ٧ تموز (يوليو) ٢٠١٩

رفقة حتى.. الموت

حدريوي مصطفى (العبدي)


مسجى دونما يديه الرفيعتين الممتدتين على جانبيه، صامت بلا حراك؛ عدا زفير خافت بالكاد يلحظ، يتضاءل له الصدر الضاوي البارزة أدق تفاصيله من تحت الغطاء، عيناه الغائرتان بين محجريه النصف مغمضتين لا قرار لهما تسافران جيئة وذهابا كمكوك في أرجاء سقف الغرفة الموصدة عليه.

كان يشكل خياله المشوش جراء مؤثرات داخلية شتى من تموّجات الصِّباغ والشقوق الدقيقة وذُرات الغبار العالقة هنا وهناك، واعتباطية الأنوار والظلال السائبة في الفضاء وجوها عابسة، ضاحكة، مخيفة، وحيوانات سريالية ما رأى لها في حياته مثيلا... وحين يجهده التخيل والتشكيل يلجأ إلى أكواريل جانبه... على نحو غريب يتأملها، يطمع أكثر فيمدد يده نحوها وهي البعيدة؛ فما يطالها؛ لا يستسلم، بل يزحف عليها بعينيه، فيستولد خياله المرهف من رقص الألوان وبهرجتها مساراتِ الفرشاة وانعطافاتِها، يعتليها حتى تصير اللوحة شيئا منه. آنئذ ينهار الزمن ويتلاشى بُعده في قرار الذاكرة، ذاكرته؛ فيرى نفسه منتصبا كشمعدان يمسح يديه بيديه ليزيل الصباغة اللزوج وهي ما زالت نديا، دونما شعور يغمض عينيه! فتجتاح أنفه تلك الرائحة المميزة التي تنبعث من اللوحة قبل جفافها فلا يقاوم سحرها فيه وتاثيرها عليه، بل يشهق ملء رئتيه وكأنه يريد احتواءها خالصة له.

يجول في فضاء الأكواريل ويجول، فلا يستأثر بانتباهه إلا حصانٌ أبلقُ عادٍ خببا، مثيرٌ نقعا على جانبيه، منبثقٌ من أعماق الأفق يشق طريقا له وسط خيول رقطاء وقوفٍ صافنات تلوك عشبا أخضر لمرج أخضر. يأسره بريق عينيه المتقدتين حياة وضبحه الخفي المتماهي مع خلفية من سماء صافية و سهل أخضر مديد، فيسدر محملقا في اللوحة وكأنه يراها لأول مرة، بل كأن شخصا آخر غيره ابتدعها... يظل لحظات على حاله إلى أن تحرره رعشة انتشاء عارمة ترجه رجا آن يستيقن ـ وهو الموقن ـ أنها... من بناته. يغمغم:"أي سانحة مجنونة ذي ركبت صهوتها يا هذا؟ وأي مارد طيب امتشق أناملك لتعبث بالألوان بهذه المهارة، ليت شعري ما يساور الصافنات؟ وأي وُجهة يبتغي الأبلق؟."

طفق ألم يتولد في أعماق بدنه، يطفو مرة وأخرى ينتفي، كان يُجهضه بتجاهله، لكن سرعان ما تفشل استراتجيته أمام حدته المتنامية، يتشتت تركيزه وينهار عالمه ثم... يختفي الأبلق إلا... عينيه اللامعتين كذبالة وسط العتمة وعرفه الأبيض الكريم المتدلي على جانبي العنق الممشوق خلف جدار شفيف من دمع له، كما يتلاشى الضبح بين أنين بالكاد يسمع ما يفتأ أن يتحول هو ذاته حشرجة ـ ما كانت ـ تتردد عند كل زفير وشهيق. يغالب الألم لكنه يغلبه، فيلوذ بالأبلق هروبا من أنيابه ويمسك بالعرف الكريم وينط نطة يرتاح إثرها على الصهوة الباذخة، وقبل ان يستوي يهمز فيتحول الخبب تقريبا، فإرخاء.فيحس عندئذ وكأنه يسوخ في كنف نعومة لا توصيف لها، تحرره من خشونة سرير لا سمح ولا كريم، حفر ـ من طول المقام ـ بين ثنايا جسده المنخور جراحا وكدمات، كثيرا ما قضت مضجعه.

ما اعتلى يوما جوادا أو حتى قاده، وما راوده ذلك قط رغم، حبه العرم للخيل وشغفه بها، ورغم أنها كانت أبدا تتدفق تباعا وتلقاء من أقلامه و صباغه و أزاميله في صور شتى مسرجة ومرسنة أو أعطال، جامحة ثائرة أو راكضة على نحو ما... اليوم، يجد أن لا شيء يضارع الاسترواح على صهواتها وهي تسابق الريح؛ ولا شيء أجمل وأبهى من وجهة الأبلق الخفية حيث الأرض ممتدة بلا انحناءات والسماء غطاء لها صافية بزرقة عذراء داكنة تتراقص أنوارا أشد إشراقا وتلألؤا من أنوار شفق قطبي؛ يستعذب الركوب وتستهويه الأنوار فيحث برفق الأبلق فيستجيب طيعا لا حرون سابحا في الفضاء...

يُفتح باب الغرفة ـ دونما استئذان ـ محدثا صريرا كريها كهسهسة شيطان تفر إثره الملائكة ويخبو الضوء الشفقي ويترجل الفارس...وما يكاد حتى تصُكّ أذنه ضجةٌ من وشوشات وهمهمات لأنفار بالعدد آتية من كل أرجاء البيت تسودها شقشقة جميلة وآخاذة لطائر.. طائرِه، ذاك الحسون الذي أتى به يوما وهو فرخ بالكاد كان قد تعلم آليات الطير والجولان فتعهده حتى بات قفصه معبده: قبلته عند دخوله وخروجه، وخلوته لحظة فراغه ورفيقا له عند انشغاله بأهوائه، وصارت زقزقاته ملاذا يستظل تحت فيئه متى جار الزمان وطمىت صغائره.

كثيرا ما راودته فكرة تحريره غير أنه ما كانت له قدرة وإرادة كافيتان لذلك؛ مرة يستوحش وضعَه بدونه، فيعز عليه تسريحه، وأخرى يكفر بالحرية ولا يجد لها ظلالا...إذ تبدو الآفاق المديدة حوله ما عدا حدودا لمأسره وكبولا حائلا وانطلاقه.

اليوم، يتحسر نادما على عجزه عند الحسم، ويستذنب تبريراته لتسويغ الحفاظ عليه أسيرا؛ قد استوثق، لكن بعد فوات الأوان أن لا شيء أبهى من الانفلات من الارض ومعانقة الغمام وأن الإحساس بالهروب من الأرض وشدها لا مثيل له ولا شيء أثمن منه...

زمنا لم يره، قد افتقده... وافتقد عادات له معه تعودها حتى أصبحت جزْءاَ لا يتجزأ من فسيفساء نشاطاته اليومية. كم تمنى أن يذرع المسافة الفاصل بينهما جريا ويفتح القفص وبرفق لا متناه يخرجه ثم يمسحه بالقبل، في المقابل يغمره هو بتلك الرائحة الوحشية المميزة للطير، التي ما برح يشمئز منها ويعافها إلى |أن صار يستلطفها حبا فيه، ثم يدعكه بحنوه ويفرد له جناحيه كما يفعل ابدا لحظات تحميمه ومن على شرفته يفتح راحتيه ثم يضمهما في امتنان وهويتابعه يختفي نقطة ًفي الأفاق. ويتحرر إذا من قيد طالما تحير في كسره...

ظل مصيخا لتغريد الطير، غارقا في تسبيحاته... مأخوذا بانتظامه ونوتاته التي ألفها له وأخرى غريبة ما عرفها عنه، غير مكترث بيد الزائر الذي يصلح من غطائه المنحسر عن كعبيه إذ يسويه، ولا بيده الدربة ثانية حين تعالج إذ تعالج بلطف جفن العين لتستطلع خبايا جسده من خلال ردود أفعال مقلته...لكنّ يدا أخرى ـ دون يد الزائرـ صغيرة ودافئة وأنعم تربت على ظهر كفه وتخلخل تركيزه. الدفء المنتقل منها إليه حسّسه كم هو خامل و بارد. فشرع في سبر جغرافيتها،وما كاد حتى انفلتتْ جافلة من بين أصابعه.! لعل برودتَه لا تُحتمل أو صورتها الرفيعة العنكبوتية منفرة ومخيفة؛ ما انكسر وما اهتم، بل فتح عينيه ليجد قدامه طفلا بالكاد قامته تجاوز حافة سريره؛ وعلى مقربة منه سحنة امرأة... أخذ يتأملهما، افتر فمه عن بسمة عفوية رد الصبي عليه بمثلها، ثم اختفيا كلاهما في لمح البصر وكأنهما ما كانا.

زاغ بعينيه ذات اليمين والشمال و شد بطرفيه عليهما لعله يبدد من الضباب العائمتين فيه بحثا عنهما لكن لا أثر لهما! فرجّح أن يكون الأمر هلوسة ليس إلا. بيد أنه تراجع و قطع الشك باليقين وهمهم في قراره:"وهل دفء يد الصبي وصوت تردد نفسه المتسارع في صدره المزكوم هلوسة؟ قطعا لا...أف...وما أدراك؟ مرارا وجدت أنت حياتك كلها بما حوت واحتوت ليس إلا هلاوس وسدم من ابتداع فكر! فكيف الآن وأنت...؟"

بسمل وتعوذ ثم تنفس نفسا عميقا ثم زفر ثم شق بصره في السقف وهو يدفع بأطرافه جميعها وجذعه في اتجاه منتهاها أملا في التخلص من الوهن والألم الناخرين بدنه. فأحس إذاً بتحسن ضاف وسكينة شاملة ـ ما أحس بها مذ زمن ـ تغمره كما أحس أيضا بطيف الطفل حياله باق بقاء دفء يده سار في دمه، قد صدق فما هي إلا ثوان حتى عنّ الصبيُّ و المرأة معا قدامه. قد كانا هذه المرة جليين وكأن الضباب الغاشي عينيه زال والنظرة الكليلة استردت عافيتها.غير أنه لم يستطع تحديد هويتهما... قد كانت هالة من نور تحيط بوجههما لا تسمح إلا بتمييز أطراف الوجنتين والشفتين والأهداب...

تململت السيدة جهته وما لبثت أن صارت قاب قوسين وأدنى منه، وبات ـ هو ـ يسمع بجلاء نفسها الهادئ المتردد بين زورها ويسحب أثناء تنفسه عرفا ضائعا حولها، عرفا يضارع نفسا غابويا حابلا بطيب ثرى ندي وفورة نسغ عذري.

هاله صمتها وهدوءها وحتى... شكلها و قدر أن لا تكون والطفل إلا نسج خيال وهلوسة وليدة اضطرابه النفسي والجسدي بل يكون بكل بساطة عالق بين متاهات سكرة موت وشيك ناشر جناحيه عليه استعدادا لضمه...

ما أن ساورتْه فكرةُ الموت حتى انتفض وكأن تيارا بمئات الفولتات اخترقه ورعبا ما وسع ـ يوماـ صدره سكنه، فهم بالهروب وترْك سريره لكن... قواه الخائرة ما سعفته، عندئذ شرّعت المرأة ذراعيها فبدتا بطول بسطة نسر ملكي بالكاد وسعهما عرض البيت. لا ذ بصدرها فضمت يديها عليه وأخذت ـ بلطف سخي ـ تربت نقرا بمقدمات أصابعها على كتفه ثم نبست بصوت خفيت تردد جهيرا داخل رأسه:"لا تجزع يا ولدي فأنا هنا لحماك... نم... ولا تهتم فمن بات ـ يا ولدي ـ على هاوية الزمن لا تدركه الشدة ولا تغسل البتة وجنتيه دموع...! نم، نم"

وجد صوتها دافئا وساحرا، له جرَس ناعم وشجي، أما لكنتها فكانت مؤلوفة لديه تشبه إلى حد ما لكنة أمه الفانية والطفل الصغير لا حظ أنه له مواصافات أخيه الذي قضى وهو صبي بسبب نزلة برد حادة، لم يبال لاكتشافه وإنما ظل صاخيا لصوتها الملائكي"نم...نم.."يتردد رتيبا بين تلافيف دماغه...

حاول أن يرد عليها لكن، هبة وسن اجتاحت بدنه وشلت كل متحرك فيه فلم تصدر عنه إلا همسة واحدة ليس إلا: «أماه » بقى إثرها فمه فاغرا...

بعد دقائق مدت اليد الدربة وسجّت البدن الممدد عامته وخرج صاحبها ناكس الرأس عابسا باسرا.

صمتَ ـ لحظتئذ ـ الطائر المغني وكأنه ما صدح، وساد المكان صمت رهيب كان يمزق بردته بين الحين والآخر نحيب متقطع ووشوشات وآهات...

عند اليوم الموالي، ومنذ الفجر أو قبله بقليل كُوِّم على باب بيته، بل ما كان بيته عدة أشياء تعود إلى ملكيته؛ تخاطفتها السابلة بكل تسامح وحسب السابق لدى شروق الشمس...
الأكواريل لم يهتم بها أحد ظلت على الحائط مسندة قرب ايقونة"لامادون"* متكورة على طفل دامع وظل الأبلق يطالع المارة والصافنات منهمكة في لي العشب الأخضر، فجأة جاء من وجهة ما ـ وكأنه القدرـ ؛ ركل عن قصد أو دونه الأيقونة ثم الأكواريل لتحملا معا بعيدا هناك على جناح ريح هبت على حين غرة، وشرع يتفحص الباقيا من أوراق وكتب وفراشي... لم يستأثر باهتمامه إلا القفص الأخضر، فمد يده الطولى وحمله إلى مستوى نظره وصار يقلبه ثم أدخل يده من بابه الضيق وأخرجها بحسون متعددة الألوان زاهيها.. ميت! ما عراه ذرة اهتمام وإنما رماه وراء كتفه وهو يمشي مشيا حثيثا، ما لبت أن ابتلعه الزحام

*التقريب ـ الخبب سرعتا جري عند الخيل تتفاوت سرعتهما

** السيدة مريم

حدريوي مصطفى (العبدي)

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى