الأحد ٤ آب (أغسطس) ٢٠١٩
بقلم محمد نجدة شهيد

رحلة إلى المجهول


سار مروان على غير هدى وهو يتطلع إلى قوس قزح مليء بالأسرار. كان يفكر طيلة الوقت بالذئاب المنتشرة على طول الطريق المؤدي إلى أقرب بلدة مجاورة للدير، وخاصة وأنه رأى بعضها تسير على حافة الافق.

وفجأة رأى أمامه في أعلى الطريق عدد من الرجال لم يتبين حقيقتهم بسبب الدخان المتصاعد من حولهم برائحة الشواء. أعتقد مروان للوهلة الأولى أنه على وشك الحصول على وجبة ساخنة مجانية. كانوا حفنة من اللصوص اهتدوا إلى طريقة مبتكرة لاصطياد ضحاياهم. يتوقفون على هيئة مسافرين للراحة وتناول الطعام تحت ظل إحدى الاشجار على تلة صغيرة تشرف على مقبرة مليئة بأرواح الموتى وأنفاسهم قريبة من الطريق المؤدي إلى البلدة. كانت هناك قبور تغطيها بعض الأعشاب والأزهار وأخرى ماتت أزهارها ويبست كأصحابها. كان الأمر في حقيقته أشبه بالكمين.

نادوا عليه ليشاركهم الطعام...يا مسافر وحدك أقبل إلينا! نزل مروان عن حماره على عجل وربطه إلى الشجرة وصعد إليهم بعيون جائعة لم تشبع يوماً ولعابه يسيل. أخذ مروان يتفحص وجوههم المتشابهة. كانت عيناه تطرف دائماً بنظرة الجوع المعتادة حين يرى طعاماً. تأمله أحدهم ملياً وقال له يعابثه بعد أن اقتنع بعلامات البلاهة فوق وجهه، أنت كبيرهم. أليس كذلك؟! أحس مروان بزهو لم يشعر بمثله قط من قبل. ومد يده إلى مروان ببعض التمر الجاف بعد أن رأى تلك النظرة الجائعة في عينيه. أي عذوبة في تلك الحركة لجائع سابق اعتاد وأهله أن يبيتوا وبطونهم خاوية. تناول مروان إحداها ثم لوى وجهه بطريقة ساذجة ليُظهر مدى طيب مذاقها.

أطعموه حتى اتخموه وشغلوه بحديثهم عن تجارة لهم في البلدة ريثما يتمكن أحدهم من تفقد متاعه. فرح مروان بصحبتهم وبالوجبات المجانية التي تنتظره. دفعوا له شيئاً ليتكأ عليه ريثما يُعدّوا الشاي على بقايا النار. استسلم مروان لإغفاءات النعاس من شدة التعب ومن كثرة ما بلع من الشواء. وأخذ كرشه الضخم يعلو ويهبط ككرة من المطاط. وسرعان ما بدأت فرقعة كرشه المنفوخ بفضلات الطعام تملأ المكان. انسحب اللصوص في هدوء وهم يُمسكون أنوفهم بأيديهم. وساقوا أمامهم حمار مروان وهو ينوء بما حمل من مسروقات المخزن الكبير.

غرق مروان في الظلمة بعدما غادر اللصوص المكان. الليل طويل والمقبرة المجاورة ممتلئة بالأدخنة تنبعث منها طوال الوقت، ولم يكن في السماء نجماً يتلألأ. وعندما فتح عينيه المطفئتين في رأسه الأجوف وجد الذئب يحدق فيه بعينين لامعتين، لابد وأنه تحسس وجهه الكئيب بلسانه خلال نومه الطويل. كان لعاب الذئب يغمر وجهه مروان، ورائحته تملأ المكان. غرق على الفور من جديد في سبات عميق من شدة الخوف الذي يستوعب الصدر من الذئب الذي أخذ يبتعد عنه نحو المقبرة المجاورة بسبب هذه الرائحة المبهمة التي تنبعث منه طيلة الوقت.

وخرجت الأرواح في المقبرة من أكفانها وأخذت تهيم حول مروان بعد أن علمت بوجوده...لن نعود إلى أكفاننا، ولن ننتظر. سنخرج ندعو الناس لنملأ الأرض عدلاً بعد أن امتلأت ظلماً وجوراً. ولن يكون بعد اليوم مكان لمروان وأمثاله من اللصوص الطلقاء. إستيقظ مروان وبدأ يسمع طيلة الوقت أصواتاً مبهمة وهو يرقب الفجر بصبر والخوف يملأ صدره.

مسامرة الموتى
كان مروان يتذكر على الدوام الدير حيث قضى مع العجوز الأكرش أيامه الأخيرة، وما زال يظهر له في معظم الأوقات عندما يحل الظلام ولا يكف عن الحديث معه بعد أن يُقبّل يده وهو يتركها له بلا اهتمام.

وفجأة ظهر لمروان العجوز الأكرش وهو يضع يديه على كرشه ويمج سيجارة حمراء طويلة لا تفارق طرف فمه. وجوه تكتسي بمسحة الموت...هبيبي هش هش هشمو شو أخبارك تركتك في الدير شو طالعك يا دب...وبعدين وين الحمار تبعنا مالي شايفه معك؟ شو؟ بس ما تكون عبتسرقني وأنا ميت متل ما كنت عبتسرقني وأنا حي.

اندهش مروان لرؤيته بهذه الحالة شاحباً وهزيلاً. وأدهشته أكثر تلك الابتسامة الخبيثة التي لا تزال ترتسم على وجهه المستدير. تذكر مروان ذات يوم كيف دخل أحد المدراء في المخزن الكبير إلى غرفة المدير العام القصير الأكرش عندما كان يعمل في قسم المخطوطات في قبو المخزن ينسخ منها على أوراق صفراء طوال اليوم ليبيعها في سوق الوراقين. يومها صفعه بالمصباح لأسباب غير مفهومة تماماً لغاية الآن تتعلق بالأصول والسلالات، ليسقط المصباح على صندوق الكتب،وتشتعل النار،ويلهث القصير الأكرش ملتمساً بداية سلم حلزوني إلى الطابق العلوي، وتلاحقه التحذيرات وأدخنة النار والصراخ، وينجو.

سأله كيف يُمضي وقته، فقال زيارات عديدة لا تنقطع من ملائكة العذاب وأسئلة وتعبئة استمارات وايقاظ في الليل في ساعات مختلفة والانتظار لأوقات طويلة والجلد والصفع والركل والبصق في الوجه كلما تلعثم في الاجابة. كان بس بدن يعرفوا كيف صرت أنا وياك من أسياد المال بعد ما كنا منتوفيين. قلتلن أنا ما دخلني اسألوا مروان. فقالوا نعم مروان يُمكن أن يُنقذك في الحياة الدنيا، ولكن هنا في هذا المقام فلا. لن يُقبل منك هذا.. بدك تحكيلنا. وهلق عبستنوني بس أرجع...هيه أنا ما دخلني أنا ما بعرف شوفوا مروان ما ظبطت معي هون. الله يعينك بس تجي لعندي.

نصحه بأن يتريث في دخول البلدة حتى مغيب الشمس حيث ينصرف أهلها إلى بيوتهم وينشغلوا بإعداد طعام العشاء وبذلك لا يشعر بدخوله أحد.

زعفران الفحل
ومع أول ضوء نهض متثاقلاً ليتابع طريقه حيث بدأت الشمس ترسل شعاعها الدافئ. وأخذ يسير يتمايل كالمطعون على غير هدى. اقترب مروان من طرف البلدة. بدأ القمر يدفع ظلمة الليل التي تنام على البلدة والجبل والمسجد، وتناهى إليه نباح الكلاب التي تستعد للسهر. كان الأولاد يلقون عليه نظرات مستطلعة مليئة بالفضول والخوف من ضخامة جثته. دب غريب الشكل يسير بحواس شاردة قامته طويلة مع حدبة متكورة على ظهره من أثر المتاع الذي كان يحمله للناس في أسواق المدينة قبل أن يلتقي بالعجوز الأكرش.

وسرعان ما وجد نفسه يتجه إلى مكان تنبعث منه نار خافتة يتحلق حولها رجال ذوي لحى طويلة تكاد تلامس الأرض يستغلّون الناس ويعرضون عليهم اختصار الطريق إلى الجنة ولقاء حور حسان. كانوا يجثون على ركبهم يرفعون أكف الضراعة إلى الأعلى في ابتهال، ويحرقون دمية دميمة مصنوعة من أكياس الخيش على شكل رجل قصير أكرش غرسوا في طرف فمه الأيسر سيجارة حمراء طويلة وعلى رأسه قرنا شيطان لطرد الأرواح الشريرة من البلدة.

اقترب مروان من أحدهم غائب وسط جلده الداكن وهمس في أذنه قائلاً: أنا خائف لا أعرف ماذا سيحدث لي في الغد. أعيش يوماً بيوم، ولحظة بلحظة. لا يوجد لي مأوى حقيقي، أشعر بأنني مطارد دوماً، حتى الذئاب تطاردني.

أطال زعفران الفحل النظر إلى مروان بعينين لامعتين كأنه وضع فيهما كل ما في جسده من مادة الحياة. وقال له: لا. لا تخف. سننام الليلة سوياً في فراش واحد. هيا..

كان زعفران الفحل نحيف طويل القامة. لم يتعود أن يبدأ يومه باسم الله وذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب.خلف جلده كل شيء أسود، يجري في عروقه دم أسود، وتخفق بداخله روح سوداء، وينتظره في السماء مكان مكسو بالسواد... نار الله الموقدة. كان قد غادر بلدته داكار مع والده في تجارة اخذته إلى بقاع عديدة في بلاد الحجاز والشام إلى أن استقر به المقام في بلدة الخيارة في غوطة دمشق. اتخذ من مسجد البلدة مسكناً له وقام على خدمته ونظافته بشكل يومي.

واعتاد بعض المصلين أن يقدموا له بعض الصدقات التي استخدمها لاحقاً لإنشاء حلقة صغيرة لتحفيظ القرآن الكريم للصغار في قبو المسجد. وسرعان ما بدأت تتعالى حوله ومن داخله صيحات لا يفهمها كمن يُنادى عليه من مكان بعيد منذ أن أخذ يعبث بالصبيان. انكشف أمره بعد ما حكى أحدهم لأهله عن ما يجري في زاوية قبو المسجد حيث يوضع التابوت الفارغ. جاءوا إليه في اليوم التالي وقد تأبطوا له شراً وقاموا بما يلزم.

أحدهم أذاقه ما كان يذيق أبنائهم مستخدماً عصا طرية نزعها من أعلى شجرة رمان في صحن المسجد ليقوموا من بعدها بطرحه على مفرق طريق الخيارة ـ دنون وهو ينزف دماً. كان كثيراً ما يتحدث بحنين ظاهر عن غوطة دمشق أكثر من موطنه داكار وعن تجربته في تعليم صبيان الغوطة، ويُعرب عن رغبته في العودة إليها. ومنذ أن حضر إلى هذه البلدة وعلم أهلها بمحض الصدفة بماضيه الأسود استعملوه في تنظيف زرائب القرية ورعاية ما فيها، وطالبوه بنسف ماضيه وطمس ملامح عالمه الأسود القديم إذا رغب في البقاء. يحس المرء في قسمات وجهه بإحساسات القهر الخفية التي يُعانيها من العمل في مهنة تعطيه عملاً يومياً شاقاً لا يكاد يفي إلا بالقوت الضروري.

سارا معاً إلى ظاهر البلدة حتى بلغا بيتاً صغيراً يضم ثلاثة غرف صغيرة متجاورة، وتحف به الأشجار الكثيفة كأنها توشك أن تخنقه. استكان مروان إلى زعفران واسترخيا في الفراش. وسرعان ما وجد أيدي خشنة في انتظاره، وأن زعفران الفحل له بالفعل من اسمه نصيب. أغمض عينيه من شدة التعب وهو يشعر بتردد أنفاس زعفران على وجهه. كان بحاجة لنوم عميق لم يذق مثله منذ أن بدأ رحلة أشبه بالكابوس مع العجوز الأكرش ماتت خلالها كل الأوهام والأحلام المزيفة.

في هذه اللحظة خرج الشيخ درويش عبد ربه من غرفة مجاورة لقضاء حاجته خلف حائط مجاور. سمع حفيف أنفاس غامضة من داخل غرفة زعفران، وتعويذات غريبة لم يسمعها أحد من قبل. اقترب قليلاً ليتبين حقيقة ما يجري. كانت الساعة الجدارية في الغرفة تدق بلا توقف، وزعفران يلتقط أنفاسه في صعوبة ويردد كلمات غير مفهومة وهو يعتلي مروان. كان وجهه محمراً كأن أوردته على وشك الانفجار. يُسمع صوته وهو يلهث في خفوت، مشهد حيواني لم يراه الشيخ من قبل.

كان الضوء يأتي من خلف الشيخ درويش فبدا وجهه مظلماً، وملامحه غير واضحة، ولكن لهجته كانت حادة، هتف: ماذا يحدث هنا، ولماذا كل هذه الأنفاس الخافتة وهذه التعويذات الغريبة. نهض زعفران على عجل. بلع ريقه في صعوبة وبحث عن صوته قبل أن يهتف بصوت خافت وهو يلتصق بالحائط: مين؟ ظهر الشيخ درويش أمامه وهو يزفر أنفاسه في غيظ ووجهه غاضب من فرط احتقانه أصبح قرمزياً وهوى على وجهه بلطمة قوية ثم التفت إلى مروان وبصق عليه قبل أن يركله وينصرف مسرعاً.

المستخدم مروان الفاضي في سطور:

وشخصية موجودة في كل مخازن المدينة تقريباً ولكن بأسماء مختلفة. وما يُميز مروان هنا عن غيره هو أنه كان يختزن في أعماقه شحنات هائلة من الكراهية والمشاعر الحاقدة، وأصبح لديه الاستعداد لأن يتجاوز حجمه وامكانياته السطحية وليتحول إلى كائن مجرد من الإنسانية.
شاءت الأقدار أن يقابل مدير أكرش في مخزن كبير وسط المدينة أعمته شهوة الانتقام لا يملك أبهة السلطة ولا دلائل العزم، وأن يرتبط مصيرهما معاً. أمضى ثمانية سنوات يركض في المخزن ويغرس أنيابه في أي شيء يقابله ككلب عقور.

تمكن لأسباب أتضحت لاحقاً من الاستحواذ على المدير العام، فقبض على المخزن، ومن ثم قبض على مقدرات جميع من فيه تقريباً ومن ضمنهم كاتب هذه السطور، ولكنه لم يتمكن حتى اليوم، وبعد طرده المهين من المخزن، من التغلب على هواجس ذلك المستخدم الراقد في أعماقه.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى