الاثنين ٩ أيلول (سبتمبر) ٢٠١٩

يا عنب الخليل للشاعر عزالدين المناصرة

سعيد السالم


الشهد في عنب الخليل
وربيعة ورد ونيل
الفاتنات على الخيول
يحرسن أبواب الخليل
الشهد في عنب الخليل

لمع في الآونة الأخيرة (النصف الثاني من الستينات)، عدد من الشعراء، أطلق عليهم لقب (جيل الستينات) وهو الجيل الذي يتلو (جيل الرواد) في حركة الشعر العربي الحديث، ومنهم: (محمد عفيفي مطر، عز الدين المناصرة، أمل دنقل، ممدوح عدوان، فواز عيد، حسب الشيخ جعفر، محمد إبراهيم أبو سنة، فايز خضور، علي الجندي، كمال عمار، علي كنعان، وغيرهم). هؤلاء الشعراء يختلفون في أعمارهم، لكنهم جميعاً يندرجون في إطار واحد شعرياً، رغم تنوعهم الشعري.

عزالدين المناصرة واحد من شعرائنا تجاه الذين اثبتوا بشعرهم. صلابة حركة الشعر الجديد بلغته العربية الصافية وعلاقته الحميمة بالتراث العربي الذي يفوح من كل سطر في قصائده.. هذا عن وجود التكنيك الفني الممتاز والحديث جدا. وقد أصدر عزالدين المناصرة مع الشاعرين مهران السيد وحسن توفیق مجموعة شعرية مشتركة باسم «الدم في الحدائق» صدرت في القاهرة.. ولكن مجموعته الشعرية الجديدة"يا عنب الخليل"هي في اعتقادي مجموعته الشعرية الأولى، 1968.

واول ما يلفت النظر هو عنوان المجموعة.. العنوان فلسطيني جدا... ورغم فلسطينية الشاعر في قصائد هذه المجموعة.. فإن قصائده أكثر التصاقا بالعروبة.. بدلیل ارتباطه بالتراث العربي واتجاهه القومي الانساني الواضح. وعنوان المجموعة كما يبدو في قصيدته « یا عنب الخليل » التي تحمل اسم المجموعة

عنوان فلكلوري لأنه مستمد من أغنية شعبية فلسطينية « خلیلی یا عنب »... وليس هذا تركيزا على اقليمية الشاعر ۔ کما کتب بعضهم - لأن لورکا وبدر شاكر السياب يعتبران اقليميين بهذا المعني... كما أن عزالدين المناصرة ليس شاعرا أمميا شيوعيا كما حاول بعضهم أن يفسر تكراره لبعض الصور الإنسانية بأنه شاعر شيوعي. والحقيقة أن الفكر القومي الانساني يمتد على طول مجموعته.. وقد اعتمد بعض من كتبوا عن المجموعة بان تكراره لصفة «الكنعانية» دليل على إقليميته.. والحقيقة أن هذا الخطأ يقع فيه كثير من النقاد... لماذا؟... لأن الكنعانيين عرب ونحن نعترف بهذا – تاريخيا- عندما نحاول أن نثبت أن حق العرب التاريخي في فلسطين حق ثابت بدلیل وجود العرب الكنعانيين. كما أن قوله:

هل أنت تريدين
أن نبقى في الصين
نحن المنفيين!!
أو قوله:
والنقوش الحمر في صدر العلم
منذ أن كنت ربيعا مهملا
علمتني: كيف تقبيل القمم

أو غيرها من الصور المتفرقة.. لا يدل على أنه شاعر ماركسي.

والآن إلى ديوان"ياعنب الخليل"منذ البداية.. في بداية الديوان نجد أن الشاعر قد اختار بعض الأبيات الشعرية من الشعر العربي القديم ليقول لنا: إلى أين يتجه ديوانه فبعد قراءة الأبيات المختارة تشعر أن الاختيار لم يكن عبثاً بل إن كل بيت يدل على تجربة من تجارب الديوان.
القصيدة الأولى في الديوان"ملحوظة أولى"قصيدة مركزة جداً توضح حال الفلسطيني في المنفى بعد الخامس من حزيران:

رسائل تجيئني مختصرة
حروفها معدودة كأنها من ذهب أو ماس
أهكذا يعيش كل الناس!!!
أم وحدنا نموت فوق النطع تحت القاطرة
رسائل ثلجية الأحساس
لكنني نسيت أنها مغامرة
أن تكتبي حرفا به مرارة الشوق
وصدق الذاكرة
نسيت أن كل حرف في الكتابة
قد صممته هيئة الصليب والرقابة
بداية نهاية مكرره
ياحزن قد ذوبتني
رمتني للعتبات المقفرة.

وفي قصيدته الثانية"ناطوران"نرى أثر الأغاني الفلكلورية واضحاً في شعره في المقطع الأول من القصيدة ولكن المقطع الثاني – كما يبدو- مقطع سياسي وأنا اختلف مع الشاعر في تصوره.... ولكني لا أستطيع ان أفرض عليه يجب ما أحب.

أما قصيدته"يا عنب الخليل"فقصيدة رائعة الموسيقى تسلل إلى القلب من خلال النغم والصور الفلكورية الشعبية... (الأعور الدجال – جنية المقابر- خليلي يا عنب).. شعر المناصرة في مثل هاتين القصيدتين"ياعنب الخليل"و"ناطوران شعر فلسطيني بلا جدال":

سمعتك عبر ليل الحزن اغنية خليلية
يرددها الصغار وأنت مرخاة الضفائر
أنت دامية الجبين
ومرمرنا الزمان المر يا"حبرون"
يعز علي أن القاك مسبيه

سمعتك عبر ليل الصيف اغنية خليلية
تقول تقول: يا عنب الخليل الحر.. لا تثمر
وان اثمرت کن سما على الأعداء لا تثمر

ولكن متى تحققت النبوة؟ هذه القصيدة مكتوبة في عام 1966 - كما هو مكتوب في ديوان «في الحدائق ولعلها قصيدته"اغنية كنعانية"المنشورة في الآداب - مایو 1966. نضيف لهذه القصيدة قصيدته الرائعة «زرقاء اليمامة» التي نشرهما في عدد ديسمبر 1966 من الآداب ايضا ثم تبعه الشاعر أمل دنقل وعمق الرمز في قصيدته المشهورة والتي تحمل نفس العنوان، عام 1968.

ولعل الدارس لشعر المناصرة.. لا يمكن أن يخرج من شعره دون أن يلاحظ ملاحظة هامة جدا وهي ارتباط الشاعر بالتراث العربي القديم: التاريخي والادبي.. فأنت تقرا القصائد التالية:"تظاهرة - في الرد على الأحبة - زرقاء اليمامة - قفا نبك - المقهى الرمادي - موسی بن أبي الغسان - ذهب الذين أحبهم - رسالة الى فروتا"وبعض مقاطع قصيدته «من أغاني الكنعانيين لتجد ان ارتباط الشاعر بتراثه العربي ارتباط واضح وقد اصبح ظاهرة بل مميزة من مميزات شعره. ولعل اهم شخصين من تراثنا قيمهما لنا الشاعر عزالدين المناصرة

في اطارهما الرمزي المصري... هما شخصیتا: امرىء القيس - وزرقاء اليمامة» بشكل خاص... أن رائحة امرىء القيس القديم تفوح في شخصية امریء القيس العصري العربي الفلسطيني.. وقد استغلهما الشاعر ببراعة تامة تثبت قدرته اللغوية والموسيقية في دمج التجربة المعاصرة بالرمز القديم... الفلسطيني يحوم في البلاد يبحث عمن يعينه في استرداد أرضه السليبة.. کما حام امرؤ القيس في بلاد الروم باحثا عمن يساعده في استرداد ملکه المغتصب وفي أخذ ثأر والده.. أما النتيجة فهي نفس النتيجة التي انتهى لها امرؤ القيس:

أیها الوادي الخصيب
ربما مرت على القبر هنا يوما حمامه
یا حمامات السهوب
ابلغي عني التحيه
قبل موتي للحبيب
داره السمراء شرقي اليمامه
وأنا اسقط مهزوما الى يوم القيامه

هذه الابيات تمثل رحلة الإنسان الفلسطيني من 48 - 1967. أما بعد ذلك فلم يكتب عنها المناصرة... ولعله يفعل في قصائده الجديدة.. لعل الشاعر ينتقل من الخمر إلى الأمر.. وان كان قد صور مرحلة الخمر السياسية تصويرا جميلا في قصيدتيه «قفا نبك» و"المقهى الرمادي":

ثم يمضي الملك الضليل للمقهى القديم
كللت حيطانه خفر الطحالب
ونسيج العنكبوت
كل ما فيه يموت
ها هنا ادفن رأسي
في كؤوس الشاي حمراء وفي لون الخطب
ها هنا ادفن يأسي
في رمال دنسوها.. لم تكن
غير هذا الكذب... ما ينمو بأعماق الزمن
وأقول: اليوم خمر وغدا ۰۰۰ یاغرباء
اسكتوا ياغرباء
"فوراء الثأر"منا خطباء
ووراء الثأر منا حكماء

وعندما يصل امرؤ القيس إلى قيصر الروم يطلب مساعدته ولكن يبدو ان القيصر قد ماطله، يلقي امرؤ القيس الجديد قصيدته"الظاهرة"امام القيصر الجديد بأسلوبه الساخر:

مولاي قيصر الزمان في بلاد الروم
وقاهر الهكسوس والمناذرة
تعبت يا مولاي من عد النجوم
من المغامرة
تأمرني بان اشد فوق جرحي ۰۰. أن اصوم
تحضني على المكابره
مولاي قيصر الزمان في بلاد الروم
وقاهر الهكسوس والمناذرة
يا من خراج ملکه يضيع في القفار
مولاي يا من ملكه بلا حدود
وجيشه عرمرم
يجتاح بحر قلزم
ويستعيد ملكنا المفقود.

ويستغل الشاعر (اسطورة ايزيس واوزیریس) فيسجل يأسه تحت وطأة الهزيمة منتظرا حوريس البعيد جدا في قصيدته"یا بعيدا"أن الشاعر يقف في نهاية القصيدة يصرخ كما صرخ لحم اوزیریس المتناثر في ارجاء الأرض.. ولعل أهم قصائد هذه المجموعة الشعرية هي: (قفا نبك - المقهى الرمادي - في الرد على الأحبة - زرقاء اليمامة) بشكل خاص... ولعل استغلاله للتراث العربي هو الذي اكسبها متانة لغوية وموسيقى شعرية فحلة فرغم أن الشاعر يتحدث عن خمر ومنفی أمرئ القيس إلا أننا نلمح شاعرا أخر في نفس الفقرة التي توحي بالحديث عن أمرئ القيس.

لو مات فارسك المجيد ومان ناطور الشجر
فادفن عظامي... يا حبيبي
تحت کرمتنا على الجبل العتيق
تتعتق الأيام والأعوام
ويشح في الشام المطر
تنمو وتخضر العظام
فادفن عظامي... وانتظر
يوما من الوادي شروقي
إني لا خشى الموت في المنفى فمن
روي عروقي؟؟

ألا ترى معي رؤيا"ابو محجن الثقفي"حين قال في ابياته أنه يريد الموت تحت شجرة عنب:

ولا تدفنني في الخلاء فإنني
أخاف اذا ما مت إلا أذوقها

وهكذا لم تعد الصورة المستمدة من التراث الشاعر واحد بل تجمع كامل التراث الشعري كله.. وهذه هي براعة الشاعر المعاصر..وقد يظن بعض الشعراء الناشئين أن الارتباط بالتراث ارتباط قسري ولكن العفوية الشعرية التي يتسم بها شعر عزالدين المناصرة تجعل الارتباط بالتراث ليس امرا سهلا كما حاول بعض الناشئين أن يفعل فيطرح الأسم القديم بلا مبرر ولا ذكاء في التناول.. بل نجد الفلكلور الفلسطيني في ثنايا القصيدة التي تتحدث عن شخصية تاريخية... خذ مثلا قصيدة « موسی بن ابي الغسان » ۰۰۰. يقول الشاعر:

أيا طفلة القصر هيا افتحي
فحمحمة الخيل سوف تهيجك
هيا افتحي
تباهين بالكحل في جفنك الجارح
ونحن نباهي بأسيافنا

رغم أن هذه الفقرة تعبر عن تطلعات موسی بن ابي الغسان لأن يجد الجيوش القوية التي تستعيد غرناطة.. فهي مأخوذة - بلا شك - من الأغنية الشعبية الفلسطينية:

يا بنت ياللي ع السطوح
طلي وشوفي خيولنا
أنت غوال كحلکي
وحنا غوانا سيوفنا

ولا يقتصر هذا على معرفة المناصرة بالأغاني الشعبية الفلسطينية بل يثبت لنا أن له معرفة بالأغنية المصرية ففي قصيدته المقهى الرمادي» نجد:

وفي لون البنفسج
أيها الزهر الحزين
رغم هذا أنت تبتهج
فأترك الأحزان يا أزرق دعما للسنين
آه لو تعرف حزن الآخرين
أيها الزهر الحزين

ولعل الشاعر كان ينظر الى اغنية صالح عبدالحي عن البنفسج عندما كتب قصيدته
ليه يابنفسج
بتبهج
ونت زهر حزين...الخ

وبعد فلا أبالغ إذا قلت... أن كل سطر شعري في ديوان"يا عنب الخليل"يستمد إيماءاته من الفلكلور الشعبي العربي ومن التراث الأدبي والتاريخي.. هذان هما الدعامة الأساسية في شعر الشاعر بل لعلهما حبه الوحيد. ولعل كل قصيدة من قصائد المناصرة تثير نقاشاً طويلا ومتعدد الجوانب مهما كانت تبدو بسيطة لديه.. لأن قصيدة المناصرة تحمل في طياتها كثافه وثقافة وبساطة وعفوية فإذا أردت أن تقرأ الشعر للاستمتاع لم تجد أية صعوبة في قراءته، فشعره سهل ينساب إلى النفس انسيابا رقيقاً فيه غضب القوة وحزن التأثر المهزوم وإذا أردت أن تدرس شعره والمؤثرات الثقافية فستجد وراء كل قصيدة عشرات القصص والحكايات الشعبية وعشرات القصائد من التراث العربي تسلل إلى شعره وتتحد معه اتحادا تاماً ويلفت انتباهنا: اللغة العربية الأصلية الشعرية.. والفهم العميق الواعي لمعنى الواقعية في الشعر كما نجد في شعره صورة الإنسان الحقيقي بكل ابعاده: الإقليمي والقومي والإنساني.

الشهد في عنب الخليل
وربيعة ورد ونيل
ثلج على صيف الحقول
الفاتنات على الخيول
يحرسن أبواب الخليل
سعيد السالم، عمان، 1970

* مجلة الآداب، بيروت، العدد السابع، تموز، 1970، كما نشر هذا المقال في أمكنة أخرى، بصيغة أخرى (الأهرام، والمحرر اللبنانية).

سعيد السالم

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى