الأحد ٢٩ أيلول (سبتمبر) ٢٠١٩
بقلم رضا سليمان

عبء الأفكار المتوارثة

غريب هو أمر توارث الأفكار على ما هى عليه بدون دراسة أو تحليل، الفكرة الصائبة فى عصر قد تكون خطأ فى عصر آخر والعكس .. بالطبع ليست كل الأفكار ولكن حديثى عن المؤثر منها. من هذه الأفكار فكرة "الخلافة" التى يطرحها البعض من آن لآخر وينادى بها على أنها جوهر وأصل فى الإسلام، بل ويتمسك بها بعضهم ويستميت من أجل إعادة مجد إمبراطورية أجدادة ويتاجر بالفكرة مستغلًا حالة الخضوع التام عند البعض إذا أُرفِقت كلمة "إسلام" بأى أمر فيخضع فى سكون وبدون أى مناقشة.

سوف نتحدث هنا على أحد الأمثلة للتدليل، لكن هدفنا الأصيل هو دراسة إرثنا الثقافى دراسة كاملة متأنية مع تحليله من حيث زمان كتابته ومدى مطابقة ما فيه لزماننا.
فى عام 1925 أصدر العالم الأزهرى الشيخ على عبدالرازق كتاب بعنوان "الإسلام وأصول الحكم" وكان الجالس على عرش مصر وقتئذ هو الملك أحمد فؤاد.

ذكر المفكر الإسلامى محمد عمارة فى دراسته التى قام بها حول هذا الكتاب أن ضجة عظيمة أُثيرت وقتها حول هذا الكتاب، ترفضه وتتهم كاتبه الأزهرى بالكثير من التهم، ذلك لأن رأيه كان يتنافى مع فكرة "الخلافة" التى يرغب الجالس على العرش تعميمها. الغريب أن تلك الضجة التى وضعت هذا الكتاب فى قائمة الكتب الممنوعة استمرت من جيل إلى جيل حتى وصلت إلى يومنا هذا، فما يزال الحديث عن هذا الكتاب من الأمور (الكريهة) التى لا يجب الخوض فيها، وإن رغبتَ فى توجيه سؤال إلى مَن يرفض عرض هذا الكتاب فى مقال صحفى مثلًا لماذا الرفض يخبرك بأنه كتاب مثير للجدل ولا داعى للتعرض له أو لصاحبه، فإن سألته: هل قرأتَ الكتاب .. سوف يتهرب ويُنهى الحوار بفرض الرأى، ذلك لأنه ببساطة لم يقرأ الكتاب إنما ورث فكرة الرفض.

لكن هذا ليس بالمنهج أو الأسلوب الذى أقتنع به، يجب أن أقرأ الكتاب وأفهم وأفسر، فلن أرث فكرة بدون عرضها على العقل، وهذا ما حدث .. وهذا ما كان السبب الرئيس فى كتابة هذه السطور.

سوف نتعرف على مضمون الكتاب فى عجالة حتى نتبين الأمر، فالكاتب تناول بحث الإمامة والخلافة فى الفكر والتاريخ الإسلامى ثم خلص إلى نتيجة مؤداها أن هذا النظام (نظام الخلافة) غريب عن الإسلام ولا أساس له فى المصادر والأصول المعتمدة عند المسلمين، هذا هو مضمون الكتاب، وقد استخدم أسلوب يخصه ومصطلحات شائعة آنذاك، وقصير النظر من يتوقف أمام ألفاظ ومصطلحات أُستخدمت فى الكتاب وهى واضحة المعنى إلا أن البعض يأخذها على ظاهرها، فمثلا الكاتب حينما يتحدث عن حكومة أبوبكر الصديق والخلفاء الراشدين رضى الله عنهم ويود أن يقول أنها "حكومات سياسية مدنية" .. فيقول "حكومات لا دينية" فمن السذاجة أن نعتقده يقصد أنها حكومات كافرة ..!! الأمر باختصار أنها ألفاظ كانت شائعة وقتئذ وقد غلبه الحماس لفكرته لكن مَن يتصيد الأخطاء سوف يسمى الذهب معدن تصنع منه أدوات للقتل.

ولو أن هذه الرؤية جاءت فى وقت آخر ما أثيرت هذه الضجة حول هذا الكتاب. لكن صدر الكتاب فى وقت كانت فيه قضية الخلافة الإسلامية مُثارة بل هى أهم حدث على الساحة خاصة بعد أن ألغى كمال أتاتورك نظام الخلافة العثمانية نهائيا فى 3 مارس 1924 وخلا العالم الإسلامى لأول مرة فى تاريخه ممن يحمل لقب الخليفة أو لقب سلطان المسلمين، فى هذا الوقت تطلعت قيادات إسلامية إلى حمل لقب "الخليفة" كواجهة يقف خلفها للتصدى للمد الإستعمارى، بينما يسعى خلفها آخرون لكونها لقبًا وأثرًا عزيزًا من أثار تراث عزيز ويراها البعض واجبا دينيًا و أصلا من أصول الحكم.

تطلعت لملء هذا المنصب عروش وأمراء فى مقدمتهم الملك "أحمد فؤاد" ولا نلومه على ذلك فما تزال الفكرة تسطير على عقول البعض حتى اليوم، عموما وضحت رغبة الملك أحمد فؤاد وغيره فظهر هذا الكتاب، وهو بحثًا سياسيًا وليس عملا دينيًا كما تناوله الناس وقتها وتوارثنا الفكرة حتى اليوم.

وقد ساعدت هذه العروش فى عقد مؤتمر بعنوان "المؤتمر الإسلامى العام للخلافة" وحضرته الدول الإسلامية ومَن تعذر مشاركته راسل المؤتمر بمذكرات وتفويضات.

ولك أن تتخيل مدى الصدمة التى كان يعيشها المجتمع آنذاك حينما يخرج عليهم أحد الكُتاب وإن كان أزهريًا ليقول بأن الخلافة والإمامة قضية سياسية وليست من الدين فى شئ .. تتخيل حجم الصدمة حينما تعلم بأن فتوى قد صدرت تقطع بأن صفة الإسلام قد زالت عن المجتمعات الإسلامية وشعوبها بإلغاء منصب الخلافة العثمانية، وأن كل المسلمون آثمون حتى يبايعوا خليفة آخر ، وأن هذه الشعوب قد عادت أمة "جاهلية" بسبب ذهاب منصب الخلافة وأن مَن مات منها مات ميتة "جاهلية"..!!

فى هذه الظروف أصدر الشيخ كتابه لأن هذا الفكر كان يسود و لأن الملك أحمد فؤاد كان يمارس طغيان كبير ضد دستور 1923 وضد حزب الوفد وزعيمه سعد زغلول باشا وضد مجلس النواب المنتخب فى 24 فبراير 1925 وفاز فيه الوفد بأغلبية ساحقة فأصدر الملك قرارا بحله فى 6 مارس 1925 وهو اليوم الذى افتتحه فيه..!!

والغريب أن انجلترا وهى تحتل مصر كانت تؤيد الملك أحمد فؤاد كى يكون خليفة للمسلمين وأعلنت عن استعدادها بأن تأتى بتأييد علماء المسلمين فى البلاد التى تحتلها من الشرق إلى الغرب له، وما فعلت إنجلترا ذلك أو لوحت به إلا لتحكم قبضتها على الجالس على عرش مصر بلد الأزهر فيتبعهم هو ويتبعه العالم الإسلامى بوصفه خليفتهم، وهذا الموقف لم يستوقف الناس بقدر ما استوقفهم كتاب الشيخ على عبدالرازق.

وقد حرك القصر بعض رجالات الأزهر للتصدى لهذا الكتاب، فبدأ بعض مشايخ الأزهر يطالبون بمحاكمة زميلهم الشيخ على عبدالرازق، فقد رفع اثنان وستون من رجال الأزهر إلى شيخ الأزهر وإلى بعض المقامات الرفيعة، رفعوا عريضة يطالبون فيها بمحاكمة الشيخ على عبدالرازق وذلك وفاءًا للملك أحمد فؤاد وإنعاماته المالية على الأزهر.

وزاد أمر التصدى لأن أصدر الشيخ محمد الخضر حسين كتابًا أسماه "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" وكان إهداء الكتاب المكتوب بمداد الذهب يقول فيه (إهداء الكتاب .. إلى خزانة حضرة صاحب الجلالة فؤاد الأول ملك مصر العظيم).

ونجحت الجهود فى إقناع مشيخة الأزهر بالنظر فى كتاب على عبدالرازق كعمل مشين يستوجب الحرمان من الحقوق المدنية، وعليه اجتمعت "هيئة كبار العلماء" لتحاكم الشيخ على عبدالرازق و وجهت إليه سبع تهم استمدوها من رؤيتهم لكتابه وهى:

جعل الشريعة الإسلامية شريعة روحية محضة لا علاقة لها بالحكم والتنفيذ فى أمور الدنيا.
الدين لا يمنع من أن جهاد النبى صلى الله عليه وسلم كان فى سبيل الملك لا فى سبيل الدين، ولا لإبلاغ الدعوة إلى العالمين.

نظام الحكم فى عهد النبى ص كان موضوع غموض أو إبهام أو اضطراب أو نقض وموجبا للحيرة.
مهمة النبى ص كانت بلاغا للشريعة مجردا من الحكم والتنفيذ.

إنكار إجماع الصحابة على وجوب نصب الإمام وعلى أنه لابد للأمة ممن يقوم بأمرها فى الدين والدنيا.

إنكار أن القضاء وظيفة شرعية.

حكومة أبى بكر والخلفاء من بعده كانت لا دينية.

وأعلنت هيئة كبار العلماء الشيخ على عبدالرازق بهذه التهم فى 29 يوليو 1925 وبأنها ستعقد فى صورة "هيئة تأديبية" فى 5 أغسطس 1925 وقد طلب التأجيل لإعداد دفاعة ثم عقدت فى 12 أغسطس برئاسة الشيخ محمد أبو الفضل شيخ الأزهر وحضور 24 شيخًا أزهريا وحضر الشيخ على عبدالرازق وعندما دخل القاعة وألقى على الأعضاء "السلام" ولم يجيبه أحدهم وابتلع الإهانة وبدأ كلماته بأنه لا يعتبر نفسه أمام هيئة تأديبية وإنما حضر بحق الأستاذية الذى لكثير من أعضائها عليه وأنه حضر لتقديم مذكرته المكتوبة لدفع الاتهامات الموجهة إليه وهى غير صحيحة فى مجملها وأنه أتى كى يرد على أى سؤال عن أمر غير واضح، ورفضت الهيئة دفاعه وأصدرت حكمها الذى يقول:

حكمنا نحن شيخ الأزهر بإجماع أربعة وعشرين عالما معنا من هيئة كبار العلماء بإخراج الشيخ على عبدالرازق أحد علماء الجامع الأزهر والقاضى الشرعى بمحكمة المنصورة الابتدائية الشرعية ومؤلف كتاب الإسلام وأصول الحكم من زمرة العلماء.

و وضع هذا الحكم فى يد وزارة حزب الاتحاد وتم عقد "المجلس المخصوص" بوزارة الحقانية برئاسة على ماهر باشا وزير الحقانية بالنيابة فى 17 سبتمبر 1925 وقرر تنفيذ حكم هيئة كبار العلماء حيث إثبات فصل الشيخ على عبدالرازق من وظيفته اعتبارا من يوم 12 أغسطس 1925 مع مراعاة عدم حرمانه من حقه فى المكافأة ..!!

الحقيقة أن الشيخ على عبدالرازق هو تلميذ للشيخ محمد عبده وما نادى به من أفكار استمدها من الشيخ محمد عبده ومن الإمام الغزالى وجمال الدين الأفغانى أستاذ محمد عبده. فقد قال محمد عبده فيما قال "كانت هناك حروب الخوارج (الفتنة الكبرى)وحروب القرامطة وهذه الحروب لم تثار بسبب خلاف فى العقيدة وإنما أشعلتها الأراء السياسية فى طريقة حكم الأمة ولم يقتتل هؤلاء مع الخلفاء لأجل أن ينصروا عقيدة ولكن لأجل أن يغيروا شكل حكومة وما كان من حرب الأمويين والهاشميين فهو حرب على الخلافة وهى بالسياسة أشبه بل هى أصل السياسة"

وقد نجا محمد عبده ولم ينج على عبدالرازق ذلك ببساطة يعود إلى التوقيت .. توقيت نهاية الخلافة العثمانية ورغبة الملك أحمد فؤاد وغيره حمل لقب الخليفة وسوف يستمدون شرعيتهم من كون الخلافة أحد أعمدة الدين الإسلامى كما هو منتشر عنها منذ بداية دولة الخلافة (الأموية ثم العباسية ثم العثمانية) فكيف يأتى على عبدالرازق ويقول بأن الخلافة أمر يختص بالأمور المدنية وهى شأن سياسى صرف..!!

مما عرضناه قد نتقبل الهجوم الشرس ضد الشيخ على عبدالرازق وقتها .. لكن ما نتحدث عنه اليوم .. هو كيف نتوارث فكرة الهجوم على الكتاب حتى اليوم بالرغم من أن العالم الإسلامى نفذ تقريبًا ما هو موجود فى الكتاب حيث انتهت فكرة الخلافة وأصبحت نظرية الشيخ على عبدالرازق متفقة تماما مع أصول الحكم فى القرن العشرين الذى يجعل السيادة للأمة دون سواها من الأفراد مهما كانت ولادتهم أو ميزاتهم الأخرى، و أن كل أمة إسلامية حرة فى انتخاب مَن تريد حاكما عليها، وأما عن الملكية كنظام سياسى حالى فى بعض الدول الإسلامية فهو أيضا فى بريطانيا .. هو نظام سياسى وليس نظامًا دينيًا كما فكرة الخلافة التى تُكفر كل مَن يخرج عليها وتوجب قتله وأنه مات على الجاهلية..!!

انتفت أسباب الهجوم على الشيخ وكتابه بل ورفع عنه الحكم بعد سنوات وعاد إلى العمل فى الأزهر .. بل وانتشرت الفكرة التى نادى بها فى كتابه وهى أن الخلافة فكرة مدنية سياسية وليست دينية .. ومع كل هذا تظل الوصمات الموجهة إلى الكتاب متوارثة حتى اليوم، وأعتقد أنها متوارثة بدون قراءة أو تقصى ..لذا وجب كشف ما هو ملتبس حول هذا الكتاب الذى يجب ألا يُنظر إليه بهذا الشكل، وهو هنا كمثال للتوضيح .. فما ننادى به هو البحث والتقصى خلف ما ورثناه من تراث فكرى وبحث ظروف كتابته ومطابقتها بظروفنا الحالية مع تحليل ما يحتويه من أفكار ودراسة مدى مطابقتها لنا، فمن الأمور التنويرية التى يجب ان يحمل مشاعلها المثقف إعادة طرح مثل تلك الأفكار وتحليلها والأهم هو تبسيطها للوصول بها عبر مصطلحات سهلة إلى المتلقى العادى مع استخدام أمثلة للتوضيح وذلك خلال اللقاءات المباشرة أو الإعلامية.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى