الأحد ٢٩ أيلول (سبتمبر) ٢٠١٩
رضا بن صالح يقترف الجَهْر
بقلم عبد الله المتقي

في «تقارير تونسية مهربة» لرضا بن صالح


يمثل رضا بن صالح أحد الأصوات المتميزة في المشهد القصصي التونسي، ولعل مجاميعه القصصية الموسومة ب"العابرون"و"بيان العودة إلى أورشليم"ثم أخيرا"تقارير تونسية مهربة"، شاهد إثبات على انتصار هذا المبدع للقصة القصيرة وتحويلها إلى ورشة للتجريب والحكي المتواصل.

ومجموعة"تقارير تونسية مهربة"، جاءت في حلة نضرة، تسع قصص قصيرة، وحصلت على جائزة المعرض الدولي بتونس في نسخته الأخيرة، وبذلك يكون صالح بن رضا محطة هامة ومتجددة ضمن مسار القصة القصيرة التونسية، وعزفا فريدا على أوتارها حتى.

فما الجديد الذي جاءت به ب هذه الباقة القصصية؟ وما الذي تحكيه لنا؟ وبأية لغة وطريقة؟
تناغما مع العنوان المركزي للمجموعة"تقارير تونسية مهربة"، تخرج القصة من السرية إلى العلن، وتتحول إلى كشوفات قصصية ملغومة بالاحتقانات والتفاعلات والمفارقات والفوضى وموت الإنسان في الإنسان، ويكاد المشهد يشبه أسطورة، نقرأ في تصدير للقاص:"تروي الأساطير البابلية أن ذاك الزمن قادم زمن يصير فيه الجميع تجارا، في ذاك الزمن سيعم الظلم وتنتشر الفوضى، وعندها سينبعث، لن تصدقوا ما سترونه، ولكن كونوا مستعدين.. حذرين.."
وعليه، تكون المرحلة حساسة، وتتطلب الحذر والاستعداد والمواجهة، ولنقترب إذن من هذه التقارير السرية والحكائية التي يتغيا رضا بن صالح القصصي تهريبها علانية ودون حسيب ولا حتى رقيب.

في قصة"الحادثة"تحضر الفلسفة بكل ثقلها، حضور يميل إلى الظن بأن الفلسفة ما هي إلا تفاهات بلا فائدة"أماّ قدور منظف المسجد فقذ ذكر أن الأستاذ قد تهجم على المطربة الشعبية وأراد تقبيلها، وزاد قائلا"تعرفون أخلاق أساتذة الفلسفة والعياذ بالله"ص33، ثم حضور كنوع من المعرفة التي تصدر عنها تساؤلات وحقائق حادّة وفاضحة لليقينيات وكل ما نؤمن به"ساعتين شراب بمليون وعشرين سنة تدريسا بمائة دينار"، وهي نفس اللازمة التي ظل يرددها أستاذ الفلسفة تعبيرا منه على خلل وأعطاب دواليب هذا المجتمع الذي يقتات من اللاتكافؤ، وقد يتحول الكشف عن التقارير الغاية في السرية، لن يجد سوى عنفا ماديا:"انهالت عليه الصفعات واللكمات، ثم جلس المحقق إلى مكتبه وأعاد السؤال، كان الدم ينساب من أنف الأستاذ ويداه تحجبان وجهه"ص34

في قصته"سقوط دولة عزازيل"، وفي سياق تهريب التقارير الممنوعة والمسكوت عنها، يكشف القاص اللحظات الحساسة لدى الزعيم – الرئيس عزازيل:

"– الرئيس عزازيل غاضبا: ما فهمته من خلاصة تقاريركم أن الوضع على الأرض خارج السيطرة؟ لكن السؤال من يدير اللعبة؟ من يحرك الخيوط؟ من يقف متواريا خلف الستارة؟"ص50
كما تكشف القصة العلاقات الملتبسة والغامضة، من خيانات ودسائس الحاشية والمقربون منه والحالمين بالزعامة والتفرد بامتصاص الكادح والمقهور:"وفيما الكاتب يدون ملاحظاتها تساءل المنتج وهو يدخن سيجارة محشوة بقليل من الزطلة، عن إمكانية أن يتضمن النص فكرة مشاركة ميطرون في الانقلاب على عزازيل"ص56

ومن ثمة اقتربت القصة أكثر، من أجواء وحساسية النهايات، واختارت شخصياتها وأحداثها من العلب السياسية والسرية جدا:"اقترحت البطلة وهي تدخن سيجارة فاخرة ساحبة خصلات شعرها إلى الخلف بطريقة مثيرة، أن يعدل الكاتب نصه ليكشف جانب الإثارة في شخصية السكرتيرة من خلال ملابس شفافة مثيرة تدفع الى بناء علاقة حميمية بينها وبين رئيسها عزازيل"ص56

هكذا يعري ويسخر القاص من الاختيارات والقرارات والاختيارات العابرة والممزوجة بالعهارة السياسية التي تصبح الهاجس الذي يشغل الرئيس عزازيل.

ومن التقارير القصصية لرضا بن صالح، نقرأ في قصة"شخصيات في انتظار المؤلف"،تقريرا تكتبه القصة عن القصة، تتأمل ذاتها في مرآة تصنعها بذاتها، برصد عوالم الكتابة التي تحيل على أبطالها موضوعا من موضوعاتها.

وعليه، ترتكن القصة إلى خلخلة النسق السردي وترتكز إلى لعبة الاحتمال والافتراض، لتفسح المجال لشخصيات الروائية أن تتخيل الأدوار التي يمكن أن يسندها لها الكاتب الذي لم يلتزم بموعده، وهذا الوعي الذاتي بالكتابة القصصية يتسلل إلى معظم قصص المجموعة، ويظهر في والتعليقات المبثوثة في ثنايا النص تعزيزا لهويتها وانتمائها الميتاقصي، ء بوعي حاد وجمالي.

في قصة"AL MUtanabi- قريبا في القاعات"يتحول المحو إلى طاقة بنائية من الحبر والورق، ذلك أن إنتاج القاص لهذه المشاهد القصصية جاء على أنقاض المحو والمنع الذي تعرض له الفيلم السينمائي المعنون ب"ALMUTANABI RETURNS"، نقرأ من قفل القصة"ّ يندد الكاتب بالاعتداء الذي تعرض له شريط إذ محيت كل آثاره من ذاكرة الوحدات المركزية للحواسيب في ليلة واحدة"

وهكذا يستحضر السرد المرئي في القصة، شخصية المتنبي عبر ملخصات بلغ عددها، لتصوره عين القصة سينمائيا بقعة ضوء في الظلام:"بعد رفع الحصار عن العاصمة بأسابيع أعلن الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية التونسية العثور على جثت عشرات الإرهابيين في جبل سمامة ويؤكد شهود عيان أن الفاعل شخص يرتدي أثواب كتلك التي يرتديها الممثلون في المسلسلات التاريخية العربية"ص95.

والملاحظ أن القاص وظف شخصية المتنبي حيلة فنية بغاية التعبير عن كيانه وهمومه، وصياغة قضايا الإنسان بكل جوانبه محاولا الربط بين الماضي والحاضر، في قمة الإبداع القصصي، و"الإبداع على الدوام، هو صدى السنين الحاكي والباقي"العوفي"

تحكي قصة"تقارير تونسية مهربة"عن رحلة الرحالة الفرنسي"ميغيل فيرمونتي"لتونس والتي تحمل مضامين تجسسية ونوايا ماكرة، وهذا ما تكشف عنه الكلمات المدسوسة في القصة من قبيل:"تقرير، رمز العميل، شيفرة التأكيد، أخبرني، راقبنا، جمعنا التقارير، تدوين ملاحظات"، ثم المعطيات المبسوطة و المرفوعة للجهات العليا بالمؤسسة الاستخباراتية والتي تلتقط كل صغيرة وكبيرة بخصوص الأنسان والمكان.

بيد أن ما يثير الانتباه هو التاريخ الذي ذيلت بع التقارير التي تحيل على المستقبل"2035"، والذي يعني فيما يعنيه، أن لا نزاهة علمية ولا رغبة منزهة عن الأغراض المبيتة للمستعمر، حيث أن الصفة الأولى له هو التجسس ولا شيء يخفف من تهمة الاستخبار، وكل هذا يدخل في حمى الصراع المكشوف والمتواري لافتراس جثتت الدول التي لاحول لها ولا قوة سوى الاستسلام أو التواطؤ في كتابة تقارير سرية على تقارير في الخفاء

هنا نخلص إلى الغرفة الجمالية لقصة رضا بن صالح، وللعلم، فإن بن رضا باحث ومترجم وناقد مهووس بالتجريب وعاشق للمسرح والسينما، وهكذا أتيح له أن يكون كاتبا متعددا وقارئا نهما، هذه الحرفية مكنته من ادخال القصة ورشة التجريب عن خلفية معرفية خصبة تعمل على استقدام أوضاع كتابية، بحيث تصبح الكتابة تفجر شعريات النص.

في قصص"تقارير تونسية مهربة"أصبحت القصة برؤى السينمائيين، إذ لم نعد نكتفي بما يرويه السارد من أحداث وقضايا ومواقف، بل أصبحنا نراها بعين الكاميرا، كما في قصة"AL MUtanabi- قريبا في القاعات"، التي تحول فيها السارد إلى سيناريست، يكتب الحكي المشهدي بالصورة واللقطة، لنكون أمام نص سينمائي تخييلي، تؤثثه ستة عشر مشهدا لها قابلية التحول الى شريط سينمائي قصير، من إنجاز مخرج مبدع،

وفي أفق جمالية النص القصصي تستوعب بعض النصوص القصصية اللسان العامي"وفيما هو يتمايل على ايقاع الالحان، بلغ سمعه صوت أجش مألوف"خويا خلصني باش نسكرو"، امتقع لونه صمت برهة ثم صاح:أشكون حمادي أش تعمل هنا؟ كيفاش دخلت؟"ص12، فضلا عن التوسل باللسان الفرنسي الخالص:"وهذا التعدد اللغوي تعبير عن الامتزاج اللغوي داخل المجتمع التونسي، كما يؤشر على المثاقفة العمودية من منظور الصراع اللغوي – بين العربية والفرنسية، في مقابل المثاقفة الأفقية المتمثلة في الازدواج الحاصل بين لغة مهيمنة سياسيا واقتصاديا ولهجة مقموعة لكنها فاعلة داخل النسق الاجتماعي"حسب الناقد المغربي أحمد فرشوخ.

وخلاصة القول، هذا تمرين نقدي لمجموعة قصصية فتحت شهيتنا لقراءتها حبيا، أولا، لأن قصصها نماذج مغايرة في الكتابة السردية، لأنها تشتغل بذكاء ثاقب، وتؤسس لجمالية قصصية في أبعادها الخلاقة والمثيرة للتأمل والسؤال، وثانيا، لأن رضا بن صالح القصصي، مبدع لا يهادن ولا ينافق، بل يجهر ويعلن،و يسخر حد السواد، وأحيانا يلذع وبلغة حادة في توقيت قصصي


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى