الأربعاء ١٨ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠١٩
بقلم محمد زكريا توفيق

الرفق بالحيوان


عندما كنت طفلا، كان لدينا معزة، أي والله معزة، لزوم مجزرة العيد الكبير. كنت وأخواتي الصغار نعتبرها فردا من أفراد العائلة. نطعمها بأيدينا ونعتلي ظهرها، ونسحبها من أذنها من غرفة لغرفة. وكانت تأنس لنا ولا تجزع من هزارنا السخيف معها.

في يوم أسود رهيب، صباح يوم عيد الأضحى. وهو العيد الذي نحتفل فيه بذكرى فداء إسماعيل، أو إسحق عند اليهود، بكبش سمين.

هو نفس الكبش الذي قدمه هابيل قربانا للرب، وظل في الجنة يرعى ويمرح أربعون عاما، إلى أن سحبه ملاك الرب من قرنه، ونزل به لزوم الفداء.

في هذا اليوم، نظرت من نافذة البيت، فوجد الجزار يسير في الشارع، قادما إلى بيتنا، بهدومه الملطخة بالدماء، وكل أنواع السكاكين والخناجر والسواطير، تتدلى من حزام جلدي يلتف حول وسطه.

لم يكن من الصعب معرفة ما سيحدث. إذ بي أبكي بكاء لم أبكه في حياتي كلها. ظلت دموعي تنهمر مدرارا، بل تهطل كالمطر الغزير، وازدادت حدة واختلطت بصراخ وبكاء أخواتي، عندما سمعنا الصرخة النهائية لصديقتنا المسكينة، التي وثقت فينا، ولم تكن تدري بأي ذنب ذبحت.

ولا تعلم أن هذا سيكون مصيرها البائس وحظها العاثر في الحياة. فهي لم تقترف ذنبا سوى كونها معزة. وجدت نفسها كده، أو ربما لا تعلم أنها معزة. وليس هذا ذنبها.

في حادثة أخرى مشابهة لازلت أذكرها، كنت شابا أدرس بالجامعة. أحضر والدي لنا أرنبة من النوع الفرنساوي، فروها أبيض ناصع وعيناها حمراوتان. شكلها جميل تحفة. أخذ إخوتي الصغار يلعبون معها. أطلقوها بالشقة التي نسكنها، فكانت تأتي لتناول النباتات الخضراء من أيدينا وهي تغمز بأنفها وتهز شواربها.

كان إخوتي يفردون سجادة الصلاة على الأرض، فتأتي لتركب على السجادة، وهي تعرف أنهم سيقومون بجرها على بلاط الصالة، ومن غرفة لغرفة. كانت تحب هذه اللعبة جدا، وكنا سعداء بهذه المخلوقة البريئة الجميلة، وسعداء بوجودها بيننا سعادة لا توصف.

في يوم أسود رهيب آخر، كنت عائدا من الجامعة. اقتربت من باب الشقة بالدور الرابع. فشممت رائحة ملوخية وطشة الكسبرة بالثوم والسمن، التي لا تخفى على أحد. ضغطت على جرس الباب.

فتح لي أخي الأصغر وهو يبكي. ووجدت باقي إخوتي يجلسون صامتين كأن على رؤوسهم الطير، منكسينها إلى أسفل. كأنهم في صوان عزاء. نظرت أبحث بعيني عن الأرنبة، على أمل أن أجدها كالعادة.

فتحت باقي الغرف أبحث عنها. عندما لم أجد لها أثرا، ارتفع ضغط دمي وزادت نبضات قلبي، وتجرأت لأسل إخوتي: "فين الأرنبة؟". لكن الجواب جاء بالبكاء والعويل والنهنهة: "ماما دبحتها، إهئ إهئ إهئ".

بالطبع كان يوما لا ينسى من عمر البشر. يوم يشيب له الولدان. لمت والدتي وغضبت غضبة مضرية، وأقسمت، أنا وباقي إخوتي، أن لا نذوق الأرانب بعد اليوم. فكيف نأكل أصدقاءنا ومن كنا نعرفهم ونلعب معهم. ومن كانوا يثقون فينا ويضعون مصائرهم بين أيدينا؟

الحكاية الثالثة، حدثت لي هنا في مدينة نيويورك. كنت عائدا إلى البيت، فوجدت مجموعة أطفال أمريكان يتجمعون حول طائر صغير سقط من العش على الرصيف. كانت معي جريدة النيويورك تايمز، فعملت منها شبه قرطاس، ووضعت فيها الطائر.

عندما وصلت البيت، وجدت الطائر الصغير مكسور، لا يقوى على الوقوف. وضعته في صندوق ورق يناسب حجمه، ثم تركت الصندوق في الشرفة الخلفية للبيت. ووضعت أمامه بعض الحبوب والماء. لكنه رفض تناول أي شئ.

إلى هنا والأمور تجري عادية. إلى أن رأته ابنتي الصغيرة. فقالت لا يا دادي، لازلم توديه للدكتور. "دكتور إيه يا بنتي؟ ده جدي عاش ومات ولم ير دكتور في حياته." أجبت بتعجب.

لكنها استمرت في البكاء، وانضمت لها أختها الأصغر منها. وعملوا مناحة على الطائر الجريح. ولازم أوديه للدكتور، وحالا قبل ما تحصل له مضاعفات.

بمناسبة حوادث السقوط والكسر، تذكرت قصة أخرى، عندما كنت أعمل في مصر في أحد المؤسسات الحكومية. كان معنا موظف صغير الدرجة متوسط السن. يسكن في الدور السادس في عمارة ليس بها مصعد بحي شبرا. جاء يوما وهو متربّط ومتجبس، وذراعه اليسري مرفوعة ومربوطة بشاش حول رقبته.

استلم مرتبه، يوم القبض، وقرر أن يفاجئ زوجته وأولاده الخمسة. عطف على الفكهاني بجوار البيت أثناء عودته، وقام بشراء بطيخة كبيرة، تكفي الأفواه الجائعة التي تنتظره في شقته فوق في الدور السادس.

حمل عبد المنعم أفندي البطيخة، وصعد بها سلم العمارة بصعوبة. عندما وصل إلى الدور الخامس، زلت قدمه وسقط هو والبطيخة على السلالم. يقول الأستاذ عبد المنعم والرواية له:

"رحت يا أفندم معبط على البطيخة. ونزلت أتدحرج أنا وهية على السلالم، لغاية ما وصلت للبسطة العريضة. ده كله وأنا مجمد فيها بإيدي وأسناني. قمت أتحسست البطيخة، فوجدتها سليمة. قلت الحمد لله. وبعدين بدأت أتـحسس جسمي اللي ادشدش. موش مهم جسمي يا أفندم. المهم إن البطيخ سليمة".

تذكرت حكاية الأستاذ عبد المنعم والبطيخة، وعدم اهتمامه بكسور جسمه، وأنا استمع لبناتي باستغراب لإصرارهما على إرسال الطائر الجريح للطبيب. لكن تحت الضغوط العائلية، ذهبت إلى دليل التليفون، أبحث عن طبيب للحيوانات بالمنطقة. فوجدت مستشفى مخصوص للحيوانات، على مسافة نصف ساعة بالسيارة.

أخذت المصاب في صندوقه، وأخذت أيضا البنتين أصحاب القلوب الرحيمة، وذهبت إلى المستشفي. استقبلتني غادة في ريعان الشباب، منتى الرقة والجمال، عينان زرقاوتان وشعر أصفر. أخذت مني الطائر الجريح، وسألتني هل هو طائرك أم من الطيور البرية.

قلت لها ما الفرق؟ أجابت بأنه لو كان الطائر ملكي، سأقوم بتسديد فاتورة العلاج. أما إذا كان من الطيور البرية، فسيعالج على حساب الحكومة، ثم يطلق سراحه إلى الفضاء الفسيح عندما يتعافى. وعلمت منها أيضا أن الطائر يمامة صغيرة مكسورة الساق والجناح بسبب سقوطها على الأسفلت.

هذا يا سادة ما يسمى بالرفق بالحيوان، فهل يوجد شئ مماثل يمكن أن نسميه الرفق بالإنسان؟


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى