الأربعاء ١٨ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠١٩
بقلم الحسان عشاق

فلفول والنوخو وفوفو حراس مملكة سدوم


تجلس على الكرسي في الحديقة الكئيبة، ترمق الاشجار الميتة والمورقة الصامدة في وجه الاهمال، النباتات الوحشية تلتف على بعض الازهار الشاحبة، اقفاص الطيور خربت، وقطار الاحجار المتآكل شاهد على العبث والاستهتار برئة المدينة، تراقب الطريق في صمت متقطع بزقزقات عصافير الدوري المعشعشة في اشجار الكاليبتوس ذات الجذوع الضخمة، اشجار عمرت طويلا، يقال انها من مخلفات الاستعمار، في السابق كانت الحديقة سوقا اسبوعيا، تلتقي فيه القبائل المتاخمة للمدينة، تسقط العيون على عشيقين يتأرجحان على حبل
الهوى، يندمجان في قبل مسروقة تحت جذع الشجرة الاملس المليء بأسماء وقلوب تشطرها سهام، تتحرك في الدواخل اللوعة الجامحة تسلخ الجلد، الغصة تكبر ،جراد المتعة يصهل، اللحم المترهل يتنمل، تضمر، تصغر، في لجة التيهان تسقط ويسعل الوقت في الخلايا، الروح تقطر في ثنايا النظرات الظامئة، مفتون بالعضلات والفتوة، الخلاص يدلف في القبضات الشقية والدعك المستمر وسفريات الذهاب والاياب، مند عقود تدبغ المخارج بقسوة الانحناء والامتطاء المذل، في اشتهاء تستقبل كإسفنجة خراطيم تقيئ اللزوجة، لزوجة اشبه بزخات ناعمة في صحراء معدة للرماية، لا ينهزم العطش ولا تأتيه التخمة ولا الغصة من الارتواء، ابدا لا تبتغي الاستراحة من شهيق يلعلع في ثنايا الجثة المتعفنة، الركب تحمل بصمات سنوات التحلل، تتضرع على اسرة تفرغ فيها الوان الفاكهة المحرمة، تتلوى قنابل الشهوة على اجنحة الخيال والهزيمة، حواجز التفتيش تعريها العيون المتفحصة، تكبر مساحات الذهول
رغم اقنعة التبرج مهلهلة المقاسات، تحصد عنف علامات الرسوب، لم تعد مطلوبا كما في السابق، سلعة فاسدة في سوق الرقيق، السلعة الجديدة تطرد القديمة من التداول، تدخل في مخاضات وتجاذبات قانون العرض والطلب، والمرآة لم تكذب لم يبق سوى هاجس من خيال، ضاعت ومضات الرشاقة والروح غيمة هربت عنها الريح، على الوجه يرقص رذاذ الماضي البعيد، تاتي التنهدات والتأوهات المشروخة، في طرقات ملغمة بقنابل الشوق تمشي وتفرد للوجع حضنا، في يم اللهفة تراقص الأشباح خلف عتبات الامل في حفل تنكري من نسج الخيال الجامح، ترمقه قادما بين الاشجار، دبيب الانفاس يصرخ متضرعا في اقفاص الحشرجات، متوسلا تتمرغ لتدفن مخاض الالم النابت في صومعة العروق، مدمن يسرع الى احضان وخز الحقنة اليومية، تبتسم لطيف اطل بين السحاب.

- كيف الحال اسي النوخو

- بخير والحمد لله

- تعطلتي بزاف

- راني خدام على راسي

كلمات تصيب بالارتباك تفقس في الشرايين، تنهمر في حلقات من الاسى والاسف، تقيس الشهوات النامية مند المهد، على حبال المشانق الداخلية تتدلى مترنحا، بسخافة الانتظار تعزي الفؤاد وتبتلع الاهانة، الدودة مدمنة تسقى خلسة من الاحواض الفتية، عبارات مشفرة تنكتب في المهجة، تمعن التحديق في الفراغ، لوليمة المسلخ المزهرة تدعو عابري السبيل، في الحوباء مرارة العطش، بمجاديف مهشمة تطارد ماء يخرج من بين الصلب والترائب، من عرق الفقراء تصنع جواربا لتتدفأ، تقيم سهرات الانتشاء لسكاري يتناوبون على الكأس،والنقطة التي ستفيض الكأس معدومة، الغامض والمجهول ومحطاتِ المنافي الكئيبة تحمل صدى الآهات، ومن خلف الجدران ومن تحت الوسائد تمطرق طبلة الأذن بالقلق الراعف، عمرا نزف على غربال الدهر تنتحب وفي النفس عروق وشرايين متصحرة لن ترتوي ابدا، من قسوة الكلام تحتسي جرعات الضيم والخسارات، والجراحات المتقرحة المتجددة لم تضمد بالطقوس والاسرار، قال له فلفول كبير المفسدين يوما في قمة الانشراح والانخطاف (لنؤسس جمعية للغلمان كما هو الحال في الدول المتقدمة) ما اقبح الفكرة، وما اصعب
التنفيذ. في اوطان امة الاسلام، سماء المنحرفين ملبدة بغيوم الرجم والقمع، الفقيه يتسول التوبة من السماء ليقبض رذاذ الشبق متلبسا في دهاليز الحياء، فيمطر الفاعل والمفعول بوابل اللعنات، مستشهدا بسورة الاعراف، لكن لم تجعلهم اللعنات كعصف مأكول، حشرهم مع الكفار والملاحدة وعبدة الاصنام، نسي الفقيه ان يفرقهما في الدار الاخرى، لا يعرف ان
الانحراف رابض في الهرمونات مقدود من خاصرة الانوثة بمشيئة الله، مترنح يمشي في عرس الغريزة في امكنة مزدحمة بعيون الوشاة، متوجس من صفارت إنذار تعوي من فورة الوجع في تخوم الضياع، ترنو لأناشيد الغزوات وأبطال الفتوحات وقصص الغرام الخالدة، بنبرة الاتقياء تمتشق الكلام المعلب تنثره في سرايا الغواية لتشعل فوانيس منطفئة تلاشت منها إشارات المرور، لترتاح الخلايا من جفاف يعصر الحنجرة، وتنسل الروح من الاقامة الجبرية متألقة، منتشيه، متلألئة، لتقف منتصرا في حروب نكاح الهوى المحرم في دساتير لم تكتب بعد.

- نحن خمسة وستلتحق بنا البقية

- المخزن لن يقبل بجمعية للمنحرفين

- هذا يدخل في حرية التعبير والحقوق الفردية

- حرية التعبير مجرد شعارات للاستهلاك نحن في بلد اسلامي

- هناك جمعيات مناصرة في العالم

- تبحث عن السجن

ملتاعا يطوف حول نفسه كحيوان الساقية، يقيم صلاة الاستسقاء في المخيلة المحنطة بألاف الصور الشقية عن حروب العشق، تحضر صورة الشاب الذي يرتكب جرائم صغيرة ليدخل السجن، يعترف امام القاضي انه مذنب، اكتشف اصحاب الوقت انه منحرف فرموه في بحر الحرية، أصيب بالخيبة والاحباط، يجد في السجن ما لا يجده في الحرية، في صك الاتهام كتب انه منحرف وفي السجن يشعل قناديل النزوات، تسجد للمجهول وترتاح على منصات الرعشة، مفاتيح زاهية ترفض الاستجابة للأقفال الصدأة، تقدم رزمة اوراق للشاب المفتول العضلات، تأخذه بالسيارة الى المسلخ، فوق السرير عش مفروش في انتظار التفريغ، تناشده ان يحفر الاخدود بعنف ليسكت عواء الامعاء، الحذاء مهترئ واسع المقاس، تفر الحشرجات من موسم التخصيب والجرح مفتوح، بمكر تبتسم في رداء لصوص العاطفة، تمسح الوجه بنظرات استجداء ومكانس منمقة، رقصات كسيحة ترقص على منصات الاشتهاء، تقيس المسافة بين المنبت والحشفة، تشعر باللهاث يندلق خارج الغرفة، تجفل حمامات القلب من حقول الضباب الكثيف،
الطلقة الدقيقة المصوبة بإحكام طوق نجاة للسباحة في ظلمة الغيام ليأتي المطر، في الدماغ الملتاع تزدحم تجاعيد الذكريات، مند الطفولة جعلوه ارجوحة للتجريب وقافلة للزغاريد، فتاة تلعب على اوتار الاسترضاء في الدروب الآهلة بآهات البلوغ، لمنع الصفعات الممتدة في الشوارع الى المدرسة والحي المسكون بالخشونة.

تمضي قوافل الساعات و الأيام دون بهاء، سنابل الاحلام تموت واقفة في الحقول المقفرة، النهار معتم وفوق الصدر غشاوة كتبت بالحبر السري تجري في مفاصل العويل، تبكي شطحات العمر المنصهرة في قعر الإدمان، تبتعد مسافات عن ملامسة خفقان الصفاء، كل شيئ تمنيته في الحياة تحقق، الجاه والثروة والمكانة، ما تزال سجينا في قمطر الرياح تناجي بسمة من ضرع الصباح، تسير في الطرقات مشتت التفكير مهرولا خلف الظلال المنكسرة، ترتجف وسط صقيع الهجر المتكرر،اعواد ثقاب تستعمل مرة واحدة وترمى في سلة
المهملات، تمسح بقعة الماء اللزج المحنطة في البدلة الرمادية، منسية ساعة مسامرة اللحظة، تمرق الى الادارة متلفعا بأكاليل الخذلان توزع الابتسامات والثناء المغلف، نصفه اكذوبة والنصف المتبقي روح الشياطين، انتخبوه ممثلا للشعب في سنوات ولادة العبث من رحم المخاضات الكسيحة، تلاحمت التفاهة مع التفاهة في مدينة البؤس والعري، انسحب الضمير والفكر والوعي، الميوعة اصبحت القاعدة والاساس، والرجال في المدينة ينتظرون الانجاب من العقم والجذب لحيا وشوارب وهامات تحديا لقانون الطبيعة.

تفكر في شوارع مزدحمة برائحة الخصوبة، في السابق كنت توزع ادوية التهييج وقناني الخمر وحبوب الهلوسة والواقيات، تنقع المحرم في المحرم، كل شيئ مباح في سبيل ارضاء فراشات القلب، تبحر الخيول في خيالات مرتجفة مذعورة، الوجع الرابض يتخلخل في الحلق يميد املا في الرحيل من رصيف الانتظار، على اوجاع ابي نواس تنام، تفترش بعضا من تفاصيل الايلاج الماثلة في القصائد، وفوفو ونونو خريجا معاهد مملكة سدوم، اصبحا خبيران في تسكين الاورام المتقيحة، يقدمان الدروس في طريقة تنشيط مدافع ترهلت منها العنة، قالا له يوما في قمة الانتشاء في حركات انثوية ظاهرة بحضور قيدوم المنحرفين فلفول هذا الذي يجر سبعة عقود على الظهر ويبلس اقنعة الكواعب.

- انت سكة قديمة

- كيف ذلك...؟

- عليك تطوير وسائل ارضاء الزبون واختياره

- لم افهم...؟

- انت كبير في السن وقديم في الحرفة ولديك امكانيات مادية عليك الدفع
لنيل المراد خذ العبرة من فلفول.

كل مساء تلقي مواعظا كتحية على الوجوه الملساء المضمخة بالمساحيق المسلوخة من شوارب الرجولة والنخوة، تاريخا من اللزوجة والاقتحام اللذيذ تستحضره بفخر واعتزاز، على جلجلة التهيؤات تنام الجرثومة وتتأنق كؤوس النبيذ، تقاوم مرارة البطش من نصال الهجر والتبرم، ترتشف كل ليلة الخيبات وتمتطي جواد الاحلام،تلوك الماضي السحيق على وقع ضجيج البوح، لا تخجل من خلع رداء الوقار عن الكلمات والانحشار في قماط السياسة، بعد عام من التنصيب وجدوه جثة فاسدة على قارعة الضمير، حين تمرس في نثر رزم النصح واستدرج بالابتسامة المغفلين، عرف الجميع انه طاعن في الانحراف غارق فيه حتى ارنبة الانف. في الاجتماعات يميل حيث الاوراق الزرقاء ويرمي في وقاحة بالأمانة على زفير الزكام، يغلق بخبث نافذة المطالب، والصمت الاجرب متراس الخديعة، الفرجة مضمونة في اللقاءات المغشوشة، يختلفون على الحصة من الغنيمة، يتراشقون بالكلمات والتهم، وتعود البهيمة الى الاسطبل لترعى في العليق، يتكرر المشهد، تلعب نفس الادوار على الركح، وخريف المدينة يزحف على كل الفصول.

بنبرة الواثق تمتشق الاحاديث وتمشي على اطراف النقاش المائع، ليسقط المعني على مقاس النبض تعيد صياغة المعنى، في رحم الخطيئة تغرس سيقان ومغارة، تتعطر، تتكحل، في الوان ملابس النسوة تتيه، في مهرجان التلقيح تختار وجها يقي من لهيب الغمز وتمتطي زنادا بحجم قطع النقانق الكبيرة، تنحني وتفرغ امتعة العشق المليئة بجمرات الشبق، لعرس الادمان تقدم ترياقا من جدوة الفتوة لهزم الشيخوخة، تشرع السبورة ليكتب بالطبشور تراتيل على عقود مقايضة الافتراش، لم تترك لا متسولين ولا حشاشين، ولا تلاميذ ولا طلبة وكل من يرتشف من اقداح البؤس، والمومس المحترفة محقة عندما صرخت انهن يعشن الفاقة والفقر والمنحرف قطع عنهن الارزاق، ندبات السقوط يحمل اوشامها الجسد، تسطر الايام بلواعج الانوثة، لتسكن وجعا ليس ككل الأوجاع في طبق النشوة، تسبل الدمع على وجنات الحرمان، باحثا عن الانصبة في صيف الحصاد والدرس، تحضره واقعة الاعتداء الشنيع القديمة قدم عمر قطر على ابواب فوهات البنادق، ضبطوه في حضن المحرم عاريا، المقبرة خالية والفحل يستعجل العزف على المزمار، الضجيج يخترق السواد يغتصب مغص الهدوء، ومصابيح يدوية تقترب، تزلزل قيلولة الآهات، تعتصر شهقات الموعد وتسحل زغاريد الاشلاء، الفحل غارق في السكر، يسحب سكينا ليدافع عن السنمة المرتاحة فوق القبور، تلسع الظهر ضربات الهراوة، ندت عنه صرخة، خر راكعا يبتلع اللسان، افسدوا ليلته، عرفوا انه ولد مخنثا من رحم لحظات النكاح، اقفلوا المغارة بالفلفل السوداني حتى تقتل بالمرة جراثيم تنمو بارتواء الخراطيم، تركوه يتلوى يدخل في نوبات البكاء، لم يحضر مراسم الجلد والتنكيل سوى نحيبه، تهشمت السمعة مند زمان تحت سنابك احصنة الفتح القبيح، رسن الخريف يلتف حول البدن، جالسا يقضم اظافره بمنشار الذل يتبضع اقنعة بمقاسات العصر، يستنطق الاب والام المعابد والاضرحة بحثا عن الخلاص، التمائم والاحجبة بدون قيمة، والمحاليل المطلسمة انهزمت امام قوة الخلايا المصابة، بعد تيهان شقي اكتشفا ان الجرثومة انشبت المخالب في الاخوة الاربعة، متيمون بطقوس مملكة عمورة، حين يجتمعون لا يخجلون من عرض الفتوحات، يتبجحون على شرنقة الرغبات الجامحة المنصهرة في لغز البقاء، ثقوب تفرح، تغتسل، تطرب بذرف المزامير للمخاط.

تستهويه نغمات الطبل و المزمار (الغيطة)، والغيطة الة تنتهي بفتحة دائرية بحجم راس حبة الفطر الاصفر، تحتاج الى قوة نفخ كبيرة لتخرج النغمة منسجمة مع دقات الطبل وحركات الراقص،يراقب بولع عازف الغيطة، تكبر فيه الوجنات تحمر، تكاد تنفجر، تدعك الالة برفق وتلعب الاصابع على الثقوب برشاقة، شاهد مثلها عند مروضي الافاعي في الاسواق الشعبية، الافعى تطرب وتنتصب واقفة، تسحب الغيطة الهواء من الرئة، ترفرف بيارق الغريزة عاليا في السماوات الواسعة، تشتهي العازف والالة، تمعن النظر بحدة في الغيطة، حنطها في المخيلة بضع لحظات، تضيق حدقات الرؤية، تتصلب على لهات قلب يفر من عواء الفراغ، تحولت فجأة الى قطعة لحم تتلوى في الهواء، يتحلب الفم، يبتلع المسيل، ترتخي العضلات في لحظة انبلاج وهبوب نسمات الانصهار، تلتحم مع المشهد تدخل فيه، تصبح جزءا منه، تغوص عميقا، عميقا تسافر الخلايا تضج بالأسماء والسطور، تقرع الاجراس في كنائس الحب، تطلق الابواق وتزف الرغبة الى مستودع الاسرار، بالإزميل تحفر الظلمة لترقص على صفيحة النور وترمق بصفاء الايام الاتية خارجة من قعر القمقم، مغسولة من مضاجعات الخيبة والتدليس، يعود من فوانيس التيهان اللذيذ، حين احتكت به ذراع نافخ الغيطة يمد اليد لينفحه بعضا من المال، داهمته نسمات الصحوة المذمومة، تمتم بصوت مسموع (تغلل الفكرة في الدماغ تخلق قوة مادية) لكنها بدون قيمة فعلية، لا يعرف اين سمع العبارة.

تقتحمه الرجفة في عرض الشارع، تجتاحه نوبات الحنين لمضاجعة الماضي، يحجز تذكرة سفر على جناح الاسى، وجثة الانتظار تتحلل من رحلة إلى أخرى، يدمن اقتحام العلب الليلية، يغرق في الاضواء والغناء والرقص، يفتح زجاجات خمر فاخرة، يحاور يومه المنبوذ على طاولة العزلة، فتيات شبه عاريات تلتف اياديهن حول الاعناق، يطلبن دزينات القناني، وفي المزيد يكمن النصيب، و السكارى يحلمون انهم داخل بستان يسبحون مع الحور العين، والطبال يرقص
رقصة الجنون، في بؤبؤ المكان ينصب الشباك ليصطاد فريسة من مساحات الصخب، الشوق يركب صهوة الليل ويسرح الخيال، تشرب انخابا على شرف الذين ولدوا بالخطأ في توابيت الخصيان، بدون بويضات ولا مهابل ولا مشيمات الانجاب مدمنون مثل النساء نشوة الوطأ، يبتهلون لمداعبة قشعريرة الجرح الظامئ، أصابع الليل تنفت المرح في محبرة الوجود، تستفيق في الصباح بين غريبين في نزل قذر، تسحب اوراق نقدية تضعها فوق الكرسي وتنسحب في هدوء راقصا على شهيق العودة، تلتقي في المساء مع الرفقة، تدخلون في دوامة التراشق بالأخبار والغنائم والهزائم للتفاخر والتباهي والتباكي، فوفو يحمل حقائب من التذمر، كل صباح يقف في طوابير التشكي،يشتم العالم والمدينة الممسوخة المسربلة بالجفاء، ستون عاما يلوك الحروف فوق اسرة الوقت، الوجه الاملط يسافر على سكة التبرج اليومي، وحموت عامل الحمام يرفض ركوب القوارب المهترئة، شتمه ونصحه بأجراء عملية تجميلية للاستمتاع بالسفر على ظهر القوقعة وفك لغز الطلسم المدفون في الطين، والاسود الفاحم بائع السمك يفاوض الثمن قبل حجز تذكرة عبور الى تجاويف اللامعقول، فوفو لم يقترب من الصلاة خوفا من زيادة جرعات المعاصي والذنوب ، يصلي بين الفينة والاخرى حين يرى المنفعة حاضرة في تلابيب الامام الذي يتملق رجل السلطة في الصفوف الامامية، يلتفت يمينا فيسارا ويشهد انه نادم على اقتراف المعاصي والاثم، نادم على تأجير الجسم للعبة اللدغات.

- هل سندخل الجنة ام النار...؟

- ستكون بائعا للفحم والحطب في جهنم

- على الاقل سنكون مجتمعين هناك

- سنحرم من الحور العين والخمور المعتقة

- اوصي اهلك ان يدفنوا معك الة للضخ والنفخ لاستعمالهما عند الضرورة

ترتفع القهقهات في الفيلا الواسعة، اصناف من الخمور والمأكولات ترتاح فوق المائدة، فوفو يرقص متحررا من ورقات التوت على انغام الموسيقى الشعبية (الشليني يا بابا وديرني حداك دابا تحتجني يا سيدي)، الخمرة لعبت في الرؤوس،السكر مطية للهرب من اثقال تخمة جاثمة على اوصال الحرمان، رسن الخريف التف مند سنين حول الاجساد المائعة، نونو يغيب للمرة الثالثة عن الانشطة الليلية، الاصغر سنا فيهم يزحف نحو العقد الرابع، البقية تتدحرج بكره الى القبر، تتشابك الايدي وتمتزج الاجسام، تستعد لطقوس العناق، تنهزم لحظات البوار والكساد في معبد الاوثان خلف ستائر الخمر، ارواح هائمة موضوعة في دكة الاحتياط الدائم كلما فشل الاستدراج، فلفول تستهويه رقصة فوفو تحت عباءة الخمرة، يشتعل التصفيق الداعر، شيطان اللذة يطلق من العقال، فوفو امرأة تستوطن هيكل رجل، علامة داعرة في خاصرة المدينة المومس المليئة بنجوم الانحراف جمعهم المحرم، انتصبوا سفراء في مملكة سدوم، باسم الشعب المهزوم والخانع يحكمون، يشرعون، يبرمجون، يخططون، يجلسون فوق كراسي المسؤولية، عقد فوق صدر عقد تشعل شموع المؤخرات المقدسة في اروقة المؤسسات، هل وضعوا للفرجة...؟ ام انتقاما لموت الرجولة ام انتصارا لهذه الفئة المقموعة...؟ من يزكي هؤلاء ليتكلموا باسمه قطعا من زناة الليل، حموت الكسال كان محقا حين صرخ في ذروة الانتشاء متى كانت المؤخرات تحكم العالم، من لم يصن مؤخرته كيف يصون حقوق الناس، التغيير الوحيد في الوطن العربي ان المنحرفين اصبح لهم صوت ومقاعد في المنتديات والبرلمانات والجماعات ومؤسسات الدولة، لكنه صوت خافت تخنقه الطابوهات، حموت ذاكرة متنقلة يعرف اسماء وعناوين حراس مملكة سدوم والذين خسروا في ساحة الرهان وطواهم الظلام ومن ماتوا بعد الحرث ولم تبق منهم سوى الذكرى.

تشتغل الهواتف ترفرف عصافير التضرع عبر الاثير، يهمس جابي المتعة في صيوان الاذن، ان الدفع مسبقا والقرض ممنوع، يقبل فلفول، ابرمت الصفقة مع التاجر زعزع الخبير في حفر السواقي والابار، لا وقت لاعتقال الفرح، الجار الملتحي لا تعجبه الضوضاء والرجس الممارس سرا وعلانية، يعلن الحرب على مواسم الربيع وعلى الذين يغرفون من قناديل الجحيم حبوب الفاحشة، كل مساء يمدد عينيه على حبال غسيل الجيران، بحثا عن لحظة الانقضاض على الرجس المتمدد والمكتسح للبراءة والعفة والوقار.

في الساعة التاسعة ليلا حضر نونو متورم العيون يداه المجروحة مضمدة، خدوش على صفحات الوجه المرقط كبيض طيور السمان، صمتت الموسيقى واشرأبت الرؤوس، استقبلوه بالذهول والرهبة، ضبط في فراش الزوجية، انهالت عليه الزوجة بالضرب والرفس والركل، استطاع الهرب من قبضتها حين تقيات الغضب على الزوج، ضحكوا كثيرا على السقطة المريعة، سالت الدموع من العيون، تهبط ستائر النسيان على حوادث كثيرة، غبار الفضائح يملأ الشوارع والاحياء برائحة الميوعة، الوقت محمل بمهرجانات ذم السحاق والانحراف، تنام المجموعة على دفة الاحتراس والحذر، لم يتركوا الوصية على قبر لوط لكي تقرأ سورة التوبة بجيوب فارغة للاغتسال من طاغوت الزمان المريب، و لا حرصوا ان يمقت الأطفال في الرياض والمدارس زنادقة الحب المعكوس منعا لانتشار العدوى، وحجز تذاكر مجانية إلى الجحيم، النوخو يقيس المسافات بين اللذة والشبق، الروح تغوص في حطام الاغتراب الداخلي مصابة بالتقيح، بالأعطاب والوعكات، من حلقات الوعظ يهرب خوفا من كدمات اللوعة، يطلق في الهواء غازات الجماع عارضا تجاعيد العنوسة، كما تفعل الكلاب حين تنشر روائح الرصد تخاطب حواس الشم، وبائع مواد التنظيف رفض الاستجابة للطلب الارعن، خاف ان يخسر الدنيا والاخرة، تعوذ بالله وترك الجمل بما حمل، اصحاب اللحي ينظرون اليه شزرا بالعيون الجاحظة،يبصقون عليه في الطريق، يحذرونه من غضب الله، مشروع جهادي في سبيل الله، الجنة اتية في هدر الدم الملوث الحامل لجينات القذارة، هم بحاجة الى فعل للإعلان الوجود، لا تحفل بالتهديد من الذين يجلسون القرفصاء على ناصية الدين و الشرع،ترى انهم شربوا جرعات من تدين مغشوش وايمان ملتبس، معتقلون في قواميس التأويل والتفسير السطحي للآيات والاحاديث، يرن الهاتف يخرجه من التيهان، فلفول قيدوم المنحرفين يدعوه لحفلة المساء، والمساء يحتاج الى رفيق، تطوف في ارجاء المدينة بالسيارة، تخيط الازقة وتمزقها، تركن المركبة على مقربة من حاجز امني، تشرب كاسا كبيرة من فراغ الصمت، يسرج من الصمت فرسا للعربدة، لم يغتسل منذ اخر حقنة تلقيح، اعلن اضرابا عن الاغتسال، يخاف ان يفقد رائحة ومذاق الايلاج في محبرة الاسرار، صوت العضو في المجلس يتردد صداه في المخيلة، (انتم مجموعة عاهرات. و...) انفجرت الاسارير بالضحك، وظل مستشارو المصباح يشيعون الثلاثة الممتقعة سحناتهم البالية، سقطت نظرات الحضور على فلفول والنوخو وفوفو، المدينة تمضغ الخبر مضغا في المقاهي والحانات والمنازل، ام البنات تبكي تلتمس الرحيل الى مدينة اخرى، صور السقطات متناثرة في الدم مثل الركام، في زحمة طلب الطلاق، الطفلة تبكي تلبس جدائل الام، فضلت الهرب الى العاصمة لتطمر القبح المنسكب في البراءة، في الشارع الكبير شاهدت فريقا من الملتحين باللباس الموحد يشبهون اسراب طائر البلشون الابيض، تقتني زجاجات خمر ومكسرات وفواكه ولحم مفروم، زيتون وفلفل سوداني، الفلفل السوداني يعيده الى الماضي السحيق، عاريا يبكي في المقبرة بعد حشو المخرج بالمسحوق الاحمر، تدفع ثمن السجائر الشقراء، في باب الفيلا يستقبله فلفول باسما،
يتباوسان من الفم مثل عشيقين، سهرات اسبوعية معدة لانبلاج قوس قزح من ومضات المحرم.

- اسمع تعالى نتبادل الفحول

- حتى اشبع منه

- ومتى تشبع...؟

- حين امل واجد البديل.

الموسيقى الصاخبة تلوي الرؤوس والاعناق، الجار الملتحي ينشوى على نار ملتهبة، تزاحم في وعيه المخروم عظماء امة الاسلام، خالد بن الوليد، والجراح، عمرو بن العاص... يتحين الفرص لذبح الخطيئة من الوريد الى الوريد، غاب لبضعة لحظات، لحق به جيش من الملتحين الغاضبين، تصرخ الرؤوس الناقمة فوق حناجر التكبير، يمضغون غزوة بدر وبني قينقاع والسويق واحد، يبصقون في الشعارات قذارة الجريمة وتواطؤ الامام، يزفون في الهودج الخطيئة بالنار و يطلبون هدر الدم، على نحر الفاحشة البشعة سيف عنترة مسلول،خيم الظلام والصمت على الفيلا، الرعب يستبد بالجوقة، حفلات السحل والرجم على بعد خطوات، الملتحي يشتهي الاحتفال على منصة الشهادة، يتعقب عن بعد ثوران الكبت والجموح، ليسوق المنحرف إلى حفلة الحرق او الجلد تمجيدا للصحابة، تحضر سيارات الامن والعسكر بكثافة، الاضواء والضوضاء تجدب الحشود الغفيرة، الشعب العربي من طبعه البحث عن الفرجة، اكثر المواضيع اثارة ومتابعة، الخيانات الزوجية، جرائم القتل، الشذوذ الجنسي، زنا المحارم والاغتصاب، جرائم تجد لها طريقا في الاعلام المسموع والمرئي والمقروء، في منصات التواصل الاجتماعي، تجدب فقهاء المضمضة والاستنشاق وغسل الدبر، وعلماء الانظمة الفاسدة والقمعية، الزقاق يغوص بالمتفرجين، تزفر اللعنات وتبح الحناجر، تلعب القبضات في الهواء، ترشق الفيلا بالأحجار، يهشم زجاج النوافذ، والملتحون يصطفون في تناسق وتناغم تنعجن السحنات بالتكبيرات، يحضر اسم الله، تكبر الروايات في عيادات الترميم والحمل الكاذب، والامام مصاب بلوثة التردد، لا حكم على المفعول ولا على الفاعل الا في الكتب المقدسة، تفرغ الفيلا من جوفها الكائنات المذمومة، في حراسة مشددة يخرجون مرعوبين، يحتمون بالواقيات الشفافة لرجالات الامن، يلسعهم الكلام النابي، يدلفون الى السيارات الخاصة، يغوصون في الظلام في حماية الموكب الامني...ارسلت تكبيرات الى السماء...تفرقت الجموع وعاد الهدوء الى الزقاق...بعد اشهر من الحادث المريب في فيلا فلفول، اغار الملتحون على حمام شعبي اجره المنحرفون لممارسة طقوس الاستسقاء الجماعي وتكرر نفس المشهد...؟


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى