الأحد ٢٢ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠١٩
مساقات
بقلم عبد الله بن أحمد الفيفي

الحُرِّيَّة المُؤدلَجة

قال (زيد بن عُبيد):

- نحن في كثيرٍ من أمورنا بين مُقيَّدٍ داخل موروثات اجتماعيَّة، ومنبتٍّ، مُقيَّدٍ خارج موروثاته الاجتماعيَّة، أو مُقيَّدٍ داخل موروثات اجتماعيَّة أخرى، غربيَّة، بطبيعة الحال. ذلك أن الموروث الأصيل، السليم، هو هُويَّةٌ وشخصيَّةٌ إنسانيَّة، ينبغي أن نأخذ منه ونَدَع، ونُدَوِّر ونُطَوِّر، لا أن نرميه وراء ظهورنا بدعوَى المعاصرة، وما هي إلَّا تقليدٌ سعدانيٌّ، واعتناقٌ لموروثٍ بديل.
فأجابه (عُبيد بن زيد):

- صدقتَ، وإنْ بالغتَ أحيانًا متحمِّسًا في صدقك. ومِن هؤلاء مَن قد لا يتورَّع عن جرح مشاعر الناس في معتقداتهم وخياراتهم وحرِّيَّاتهم الشخصيَّة، بألوان السُّخريَّة والاستفزاز، منفِّسًا عمَّا يُكِنُّ صدره، لا لشيءٍ إلَّا لأنهم يختلفون معه في التوجُّه والرأي!

- في الوقت الذي ينادي فيه- زورًا وبهتانًا- بالحُريَّة!

- إنَّما يقصد هؤلاء حُريَّتهم هم! حُريَّة لا تستحقُّ لديهم هذا الاسم إلَّا حينما تخدم ميولاتهم وتوجُّهاتهم. وتلك في حقيقتها دعوةٌ مؤدلجةٌ إلى الحُريَّة، لا تحتمل الحُريَّة الحقيقيَّة، وليست مؤهَّلة لمسؤوليَّاتها الحضاريَّة؛ بدليل ما يتميَّز به خطاب أعلامهم من تشنُّج، وإقصاء لمخالفيهم، وتنقُّص لهم، واعتقادٍ أنهم هم وحدهم قد اعتقلوا الحقيقة المطلقة تحت أُهبهم، ساعين إلى فرض نمطٍ معيَّن من الحياة والتفكير، مدَّعين أنه هو سبيل النجاة الأمثل الذي يَجُبُّ ما عداه.

- وهنا نقف على تطرُّفٍ يشكو من تطرُّف، وأصوليَّةٍ تناضل لدحر أصوليَّة، وعصبيَّةٍ تجأر في وجه عصبيَّة، لا تني في مناوأة من تشتمُّ منه انحرافًا عن الخطِّ الذي تسير عليه. متَّخذةً في سبيل ذلك وسائل العنف اللغويِّ والمعنويِّ كافَّة، وأساليب الإرهاب الفكريِّ والدعائيِّ بشتَّى تقنياته. والسبب، ببساطة، أن هؤلاء، كسائر الأطراف الثقافيَّة، أبناء ثقافةٍ واحدةٍ، لا تؤمن بالتعدُّد، ولا بالتعايش؛ لأنها ليست ثقافةً في الأساس، بما تعنيه الثقافة من تنوُّعٍ وحِوارٍ وقبولٍ بأطياف وطوائف أخرى، وإنَّما هي عقيدة.

- إنْ لم تكن معها، فلا شكَّ أنك مصنفٌ ضِدَّها، ومن ثمَّ فأنت عدوٌّ، تتربَّص بك الدوائر!

- صحيح. وفي هذه الحالة يُصبِح أيُّ حِوارٍ أو نقاشٍ مع مَن شَبَّ على هذه العقليَّة مضيعة وقت، وإهدار جهد، وبلبلة عقل، وإيذاء نفس؛ لأنك داخلٌ حينئذٍ في معركة أحزاب، ومقحمٌ ذاتك في مواجهاتٍ جاهليَّه، مع مَن لا يتعامل إلَّا بعقيدة: "يا قاتل يا مقتول"!

- إنك في الوقتِ الذي تؤمن فيه بحقوق المرأة، على سبيل المثال، وبحقِّها الشرعيِّ والقانونيِّ في أن تنال مكانتها المناسبة في مجتمعها، تُصدَم بمَن يصوِّر الأمر بهذه السذاجة: "المرأة لن تنال حقَّها إلَّا إذا التصقت بالرجل، ولم تتلفَّع بأخلاقها"!

- هكذا.. بهذه المعادلة؟!

- هكذا.. بهذه المعادلة "القماشيَّة"، صدِّق أو لا تُصدِّق!

- الحجاب- بضروبه المتباينة- مسألة حُريَّةٍ شخصيَّة، بالبداهة، بكلِّ مقاييس العقل والعدل والحُريَّة.

- هذا رأيك أنت. لكنه، قبل ذلك، ليس باختراعٍ إسلاميٍّ، كما يصوِّره بعضٌ، بل هو تقليدٌ قديمٌ في المجتمعات البشريَّة، توحيديَّة وغير توحيديَّة.

- كيف؟

- كان يُعرَف- مثلًا- في (بلاد الشَّام)، قبل الميلاد بقرون، ويسمُّونه، حسب اللغة الأكديَّة: «كتموم». وهو تعبيرٌ شبيهٌ بكلمة "حجاب" في العربيَّة؛ إذ كان لا يجوز للمرأة المتزوِّجة أن تَخرُج من بيتها دون أن تضع الـ(كتموم) على رأسها، فتُغطِّيه.(1)

- حُلوة "كتموم" هذه!

- وفي الثقافة الإسلاميَّة اختُلِف في حدوده وموجباته، بل اختلفت البلدان الإسلاميَّة في أنماطه، بحسب البيئات والظروف. ومن الجليِّ اليوم أننا أمام ذوقٍ غربيٍّ صِرف، يتبنَّاه خطابٌ، معتقدًا- أو مغالطًا- أنه هو الكفيل بتغيير عقل المرأة العربيَّة، وكأنها ما أن تكشف عن جمجمتها- بحسب التفكير النِّسوي القماشي- حتى تتنزَّل عليها أنوار العقل وإيحاءات المعاصرة! كأنْ ليس هناك أمام المرأة إلَّا ذلك، وإلَّا فهي متخلِّفة لدَى هؤلاء، مهما حملتْ من شهادة وأنجزت من إنجازات.

- عند هذا الفِكر الذي يربط مكانة المرأة الحضاريَّة بمقدار ما ينكشف من جسدها، ويجعل ذلك هو المعيار الأوَّل والمقوِّم الأهم، يَبين أن الهدف ليس بالمرأة ولا عقلها ولا حقوقها. إنَّ الأمر لا يعدو صورةً اجتماعيَّة، قد تكون لها مسوِّغاتها النفسيَّة والاجتماعيَّة، لكنها لا تؤدِّي إلى الهدف المدَّعَى وليست شرطًا للوصول إليه. وتتمثَّل تلك الصورة في أن يصبح نسيج المجتمع، ونُظمه السلوكيَّة، وأعرافه وترتيباته، نسخةً مستنسخةً، وفي مظهرها قبل كلِّ شيء.

- هو ذاك، وإلَّا فلا علاقة بين ما تلبسه المرأة، أو كيفيَّة ما تلبس، أو في أيِّ مكانٍ تجلس، وبين حقيقة دماغها وكيف يعمل، ولا بما يمكن أن تحوزه من مكانة اجتماعيَّة ووطنيَّة وعالميَّة. ولأن الأمر كذلك ما سمعنا قط أحدًا يُلقِي بتبعة تخلُّف العرب على الطاقية والغترة والعقال، أو الثياب والمشالح، وغيرها من أزياء الرجال المتراكمة، مع أنها تغطِّي الجسم والرأس، وربما تُخفي أجزاء من الوجه أكثر أحيانًا ممَّا تفعله بعض طرائق الحجاب!

(1) انظر: عبدالله، فيصل، "المرأة في مملكة حَـلَب (يمحاض) في القرن الثامن عشر قبل الميلاد"، مجلَّة دراسات تاريخيَّة، العدد 17، دمشق، ص111.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى