الخميس ٢ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٦
دراسة أدبية فى
بقلم حسن غريب أحمد

رواية ( الظاهر )

الطابع السيري فى مغامرة باولو كويلو

لابد قبل الولوج فى رواية " الظاهر " من العودة إلى العنوان الإشكالي الذى لم يختره كويلو صدفة بل اختاره عمداً . و قد عاد فى مقدمة روايته إلى قول للكاتب خورخيه لويس بورخيس يوضح فيه التباس العنوان و هو يعنى مرأى الأخير " الظاهر او الحاضر ، الذى لا يمر مراً سريعاً " و يضيف بورخيس قائلاً : " إنه شئ أو شخص ، ما إن يحدث لقاء بينه و بين الإنسان حتى يستحوذ شيئاً فشيئاً على فكره حتى يتملكه ، و يمكن أن يعنى القدسية أو الجنون "
و يشير بورخيس إلى أن هذه الفكرة ظهرت فى العالم العربي فى القرن الثامن عشر لكن " محيط المحيط " يوضح أن كلمة " الظاهر ، هى الأنسب لترجمة هذه المفردة ، Le Zahir بالفرنسية أو The Zahir بالإنجليزية . فكلمة " الزَّهيز ( بضم الزاي ) هى تصغير " الأزهر " و هو " القمر و يوم الجمعة و الثور الوحشى و الأسد الأبيض اللون و النيرّ و المشرق الوجه و زهر السراج و الوجه و القمر تلألأ------ "

أما مفردة " الظاهر " فهى الأقرب إلى المعنى الذى افترضه بورخيس و هو " اسم فاعل و خلاف الباطن " بحسب " لسان العرب " و " الظاهر " هو " إشارة إلى معرفتنا البديهية ، فإن الفطرة تقضى فى كل ما نظر إليه الإنسان أنه تعالى موجود " و يضيف " لسان العرب " : " الظاهر هو اسم لكلام ظهر المراد منه للسامع بالصيغة نفسها و يكون محتملاً للتأويل و التخصيص " أن ترجمة العنوان إلى العربية تظل مشرعة على احتمالات عدة : الزهر ، الزَّهر ، الظاهر ، الظاهر ، الظهير – و قد تعبر كل مفردة عن أحد المعانى المتعددة للكلمة الفرنسية أو الإنجليزية .

الميتولوجيا الإغريقية

يختار باولو كويلو قصيدة " إيثاكا " للشاعر اليونانى قسطنطنين كفافيس مدخلاً إلى روايته . و القصيدة هذه تستعيد حكاية عودة عوليس فى الميتولوجيا الإغريقية إلى مدينته " إيثاكا " بعد ما طوف فى أنحاء الأرض مواجها المشقات و الأخطار و المآسى . فبطل الرواية و هو الراوى الذى يرتدى " وجه " أو ربما " قناع " المؤلف هو أشبه بـــ " عوليس " لكن تطوافه يجرى فى أفق ماضيه الشخصى و حياته التى أضحت وراءه . علاوة على مضيه فى البحث عن زوجته أستير التى اختفت فى ظروف غامضة . أما الزوجة أستير فهى تحمل بدورها بعض الملامح " العويسية " كونها سافرت إلى أقصى آسيا بالغة بلاد كازاخستان بحثا عن مغامرات تساعدها على تخطى رتابة حياتها الزوجية فى باريس .
هكذا تجرى أحداث الرواية بين قطبين أوربا التى تمثلها باريس و آسيا التى تمثلها كازاخستان . لكن الكاتب – الراوى سيعمد إلى استعادة سيرته بين هذين القطبين ، بين إقامته فى باريس و رحلته إلى كازاخستان بحثا عن زوجته ، و السيرة هنا ستكون ذاتية . و أدبية فى الحين نفسه ، مما يؤكد ان باولو كويلو يعد على كتابة سيرته فى طريقة " مواربة " جاعلاً من نفسه البطل – الراوى لكن السيرة الذاتية لن تكون حقيقية تماماً سيعتريها الكثير من التخييل و التحريف و الحذف و الإضافة .

عودة الراوى إلى ذاته

تبدأ الرواية بداية شبه بوليسية : اختفاء أستير الزوجة الشابة ( فى الثلاثين من عمرها ) بعد عودتها من العراق عشية الاجتياح الامريكى يحمل الشرطة الفرنسية على توقيف زوجها " الراوى – الكاتب " لاستجوابه و التحقيق معه .
أستير صحافية فى ميدان " تغطية الحروب " كما سنعلم لاحقا و قد غطت حروبا عدة فى الشرقين الأوسط و الأقصى .

إلا أن اختفاءها يثير حفيظة زوجها ، هل خطفت من اجل فدية ما ، هل قتلت لأجل معلومات تملكها أم أنها شاءت ان تهجر زوجها و حياتها الزوجية هرباً مع رجل آخر ، كان الزوج يعلم أن زوجته ارتبطت ببعض الخلايا الإرهابية كصحافية طبعا، كأنها اتخذت مرافقا لها و مترجما فى مقتبل عمره يكنى بــ" ميخائيل " شاب داكن البشرة ، منغولى الملامح يستتر تحت هذا الاسم غير الحقيقي . وعندما يطلق شرطى السجن الزوج – الراوى من الأسر يقول له : " أنت حر الآن " لكن الزوج سيقول فى نفسه " فى السجن كنت حراً أيضا ، لأن الحرية هى كنزى الأثمن فى العالم " هكذا يعود الراوى إلى عالمه و إلى " ذاته " و لكن من غير ان يهجره لحظة هاجس اختفاء الزوجة إنه الآن فى باريس وحيداً ، يستعيد تفاصيل ماضيه القريب مع استير التى اختارت أصعب المهن و أخطرها ، و فى يقينه أن الرجل لا يكتشف حبه لزوجته إلا عندما يفقدها . هكذا تحضر باريس فى الجزء الأول من الرواية ، مثلما ستحضر كازاخستان فى الجزء الثانى .

باريس " قوس النصر " و الشانزليزليه " و " برج ايفل " ، باريس الأحياء و المارة باريس مترو الأنفاق ، باريس المدينة " الكوسموبوليتية " --- و بعد يقول له محاميه أنه اتصل بدائرة المستشفيات و أمكنة حفظ الجثث و لم يجد اسم أستير.
يبدأ فى وضع خطة للبحث عنها قائلاً لنفسه إن عليه أن يكون عمليا و أن يدرس الخيارات و يدع مشاعره جانبا ، أما الخطة فارتآها فى ثلاثة احتمالات :
التوقف عند احتمال ان أستير خطفت فعلاً ، مما يعنى ان حياتها فى خطر ، و أن عليه بالتالى ، بصفته زوجها و رفيقها ، أن يجوب الدنيا بحثا عنها ، إلا أن أمرا ساوره هنا : الزوجة تحمل جواز سفرها و قد اختارت حاجات شخصية عدة و سحبت مالاً من حسابها المصرفى و يستنتج أنها كانت تتهيأ للرحيل.
و يتخوف من الاحتمال الثانى من أن يكون صدقت وعداً قطعه لها احد ما و تبين أنه فخ نصب لها . لكن أستير اعتادت مثل هذه الأوضاع الخطرة .

أما الاحتمال الثالث فهو التقاءها رجلاً آخر ، و هذا الاحتمال فى نظره منطقى لكنه يصعب عليه أن يتقبله .
و يقول : " لا أقبل أن تكون قد رحلت هكذا ، من غير سبب ، فكلانا ، أنا و استير ، اعتددنا بأنفسنا دائما فى مواجهة مصاعب الحياة معاً ، تعذبنا و لكن لم يكذب واحدنا على الآخر يوما " و يضيف : " كنت مدركا إنها تغيرت كثيرا منذ أن التقت الشاب الذى يدعى ميخائيل ، و لكن هل يبرر ذلك نهاية زواج دام سنين عشر ؟ " و على رغم الشك الذى يساوره لم يستطيع ان يخلص من هاجس أستير فها هو يحاول تبرير ما حصل ، تقضى أياما و ليالى يسترجع كل لحظة عاشها فى قربها ، و يستنتج أنها كانت امرأة صعبة و يقول : " من الأفضل أن ألعق جروحى ببساطة كما لعقتها فى الماضى ... سأذوق المر و سيمل منى أصدقائى لأن كل ما أتحدث عنه هو هجر زوجتى لى "
و عندما سأمشى فى الشارع ، سأظل أرى طيفها فى نسوة أخريات سأعانى ليل نهار و نهار ليل و قد يستغرق هذا أسابيع ، أشهراً ربما سنة و أكثر "
و يبلغ به هاجس استير مبلغاً حتى انه ليتخيلها على وشك الدخول من باب منزله تخطو نحوه و هى تطأ السجاد العجمى و تجلس إلى جانبه من دون أن تنبس بأية كلمة تدخن سيجارة ...

كان لابد للراوى فى هذه الفترة من الحيرة و العزلة و الهجس من أن يستعيد سيرته المزدوجة ، سيرته كشخص تمرد باكراً على سلطة العائلة و راح يعيش حياته بحرية ، و سيرته ككاتب لن يلبث ان يصبح مشهورا و ثريا و من يدرك بعض النواحى فى حياة باولو كويلو يعلم على الفور أن الراوى هو وجهه الآخر أو لنقل " قرينه " الذى يشبهه بمقدار ما يختلف عنه .
و قد أجاد كويلو فى لعبة " المرآة " هنا جاعلاً من سيرته الذاتية سيرة روايته لبطل هو نفسه و سواه فى آن واحد .
يستعيد كويلو إذا صورة ذلك الشاب الذى حلم أن يصبح كاتبا مشهورا ، و أدرك فجأة أن الحقيقة مختلفة تماما. إنه يكتب بلغة يكاد لا يقرأها أحد فى بلد يقال فيه ليس للمطالعة جمهور تقريبا .
" شاب تجبره عائلته على ارتياد الجامعة " و يقول له والده : " أية جامعة ستفى بالمطلوب يا بنى مادمت ستحصل على شهادة و إلا فأنت نكرة ... "
لكن الشاب يثور ، و يجول العالم خلال الحقبة التى صعدت فيها موجة الهبيين ، يلتقى مغنيا و يكتب له أغنيات ، و إذا به فجأة يجنى مالا يفوق ما تجنيه أخته التى عملت بنصيحة الوالدين و قررت ان تصبح مهندسة كيمائية ...

و لا تخلو كتابة السيرة من بعض " الاعتراف " الهادئ الذى يسترجع بعض فصول ماضيه و مراهقته كان يقول : " منذ صغرى كافحت لأجعل الحرية أثمن مقتنياتى – خضت صراعا مع والدى ، اللذين أرادا أكون مهندسا كى تحصل على وظيفة يدعم بها نفسه ، فعمل فى مهن صغيرة لم يخجل منها و يعترف أيضا بأنه خاض صراعا مع عالم الصحافة " العدائى " و أنه صارع بشجاعة ليترك الصحافة و يخوض مغامرة تأليف كتاب و هو على يقين بأن لا أحد فى بلاده يمكنه كسب عيشة من مهنة الأدب .
أما سيرته الأدبية فتدل عليه " و تفضح " بعض أسراره و " المتاعب " التى واجهها ، لاسيما فى بدء مسيرته .
فالكتاب الأول الذى أصدره " و هو ليس الخيميائي " لم تكتب عنه كلمة فى الصحافة و لم يبع إلا القليل فى البداية ، لكن الذين قرأوه أوصوا آخرين بقراءته و إذا الطبعة الأولى تنفد بعد ستة اشهر.

و بعد سنة صدرت من الكتاب نفسه " لا يبوح بعنوانه " ثلاث طبعات و راح يكسب المال و كأنه لا يصدق أن الأدب يدر مالا ، و يقول هنا : " لا أدرى كم من الوقت سيدوم الحلم ، لكننى أقرر أن أعيش كل لحظة كما لو كانت الأخيرة أرى أن هذا النجاح يفتح الباب الذى لطالما سعيت إلى فتحه ، و هاجم ناشرون آخرون يبغون نشر كتابي التالى " و يعترف بالأثر الذى تركه فيه و فى أدبه كتاب " ألف ليلة و ليلة " الذى وقع ذات مساء على إحدى قصصه المشوقة و قد جاء فيها " رمز " سبيله الخاص و شيئا يساعده على فهم كيانه و إذا به يستخدم تلك القصة أساسا لقصة اخرى عن راعى ينطلق سعيا وراء حلمه و هو عبارة عن كنز مخبأ فى اهرامات مصر و ما يعنيه هنا هو رواية " الخيميائي " التى كانت فاتحة نجاحه الكبير و شهرته الواسعة ، يقول " لم أبق شخصا يحلم فى ان يصبح شيئا ، أنا كيان . أنا الراعى الذى يختار الصحراء و لكن أين " الخيميائي " الذى يعينه على المضئ ؟

و يعترف : " عندما انتهيت من هذه الرواية / لم أفهم تماما ما كتبت : إنها بمثابة قصة خيالية للراشدين .. ومع ذلك قبلها الناشر نشر الكتاب و إذا بقرائى يدرجونه على لوائح الكتب الأكثر مبيعا "
إلا أنه لا يخفى أنه فيما أحبه القراء كثيرا كرهه النقاد ، هؤلاء الذين ظلوا يرحبون به الى ان بلغت مبيعات كتابه المئة ألف الأولى ، فإذا به يكف عن أن يكون عبقريا يساء فهمه " و مشكلة باولو كويلو مع النقد الادبى مازالت قائمة و ما برح النقاد يمعنون فى نقده رغم شهرته الكبيرة ، آخذين عليه تنازله عن العمق ، و المضمون الانسانى و البعد الفلسفى الحقيقي ، وجعله الأدب مادة للإغراء الشعبي و الرواج و الكسب المادى و يرفض معظم النقاد العالميين إدراج اسمه ضمن روائيى أمريكا اللاتينية الذين أحدثوا ثورة فى رواية القرن العشرين .

يبدو من الواضح ان باولو كويلو اختلق قصة اختفاء " استير " ليعيد قراءة نفسه و ماضيه و لكتابة سيرته الشخصية و الأدبية بقلمه . و قد نجح فعلا فى كتابة هذه السيرة المزدوجة مثلما نجح الراوى فى إيجاد الزوجة الشابة استير فى كازاخستان و كانت مستسلمة لنوع من الحياة الطبيعية و العفوية ، وقد امتهنت حرفة حياكة السجاد ، علاوة على تعلمها اللغة الفرنسية فى بعض المدارس الفقيرة إنها الحياة التى أغرتها فاكتشفت صورة أخرى للعالم لا تشبه أبدا صورته المعممة فى العالم الحديث .. أخيرا التقى الراوى و الزوجة و سرعان ما استعادا حياتهما السابقة . لعل الجديد الذى حملته رواية " الظاهر " أو " الزهير " هو الطابع السيرى الذى استطاع باولو كويلو من خلاله ان يماهى بينه و بين الراوى فى لعبة " مرآوية " تختلط فيها الملامح الحقيقية للكاتب بالملامح المتخيلة للراوى .

الطابع السيري فى مغامرة باولو كويلو

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى