الأحد ٢٦ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٦
بقلم محمد عادل عبد العظيم

حالة سلام مرفوعة من الخدمة

- (نعود إليكم بعد الفاصل ونبدأها بعناوين الأخبار ..
- (الإرهاب يضرب شرم الشيخ .. مدينة السلام )
- (الرئيس يتفقد موقع الحادث ويؤكد تصميم مصر على ملاحقة الإرهاب)
- (مقتل 63 وإصابة 110 غالبيتهم من المصريين في 3 انفجارات بسيارتين ملغمتين)
- (أهلا بكم ...

لم أسمع باقي ما قيل على الرغم من أن المذياع موضوع جوار أذني ..
لا أعرف كيف يتمكن شخص من سماع المذياع وسط علبة السردين هذه المسماة (بالحافلة) ..
ربما لم أستمع إلى باقي ما قيل لأن العناوين تكفى .. إنها لمأساة بحق ..
لكن ألا نعيش نحن أيضاً في مأساة ؟؟!! ..

- (إلى الآن لا يجد ابني فرصة عمل مناسبة)
- (يقولون إنهم بذلك يشجعون الشباب على البحث في مجالات أخرى دون الإنتظار للعمل الحكومي)
- (ربما .. لكن ابني قد حزم قراره .. لقد قرر الهجرة ، وعدم العودة إلى هنا ثانية) ..

ربما ..

؟؟؟!!! ..

ربما نعيش في مأساة حقيقية ..

* * *

(المصابون وشهود عيان يروون لحظات الرعب والموت في مواقع الإنفجارات الثلاثة)
منطقة السوق التجارية تحولت إلى بركان من النار وأشلاء الجثث والدماء غطت الأرض من حولها ..
غالبية الخسائر في الأرواح والممتلكات من العمال المصريين وأصحاب المتاجر) ..

إنه مجرد عنوان ..

عنوان يتصدر الصفحة الأولى من جريدة ، يقرأها أحد الرجال أمام دكانه ..
لكن لا وقت لدي كي أُكمل بقية الموضوع ، لأجعل عيني مثبتة على الطريق المحفوف بالمخاطر ، أو بالأصح لأجعل عيني مثبتة على بركة المياه الآسنة التي غطت الطريق ..
لا أريد أن أقع ..
لكن رغم أمنيتي هذه ، فإنني أقع دائما ..

- (ربما يكون الحظ حليفي في تلك المرة) ..

دائماً أقولها لنفسي .. لكني في كل مرة أقع ..أقع دائماً ..
أقع على الرغم من أنني حفظت كل موضع قدم ، وكل شبر يجب أن أتخطاها حتى أصل إلى منزلي بسلام ..
للأسف لا يوجد طريق آخر يوصلني إلى منزلي بعدما قاموا بسد جميع الطرق ، ليتم توسيع الطريق الرئيسي ..
لقد زادت السيارات بمعدل فظيع وهو ما جعلهم ..
آه ..
لقد وقعت ! ..

* * *

- (هل رأيت ما حدث في شرم الشيخ ؟)
- (يقولون أن هذا من فعل الإرهابيين .. لكن .. من هم الإرهابيون ؟)
- (إنهم ......

لقد صمت الشابان حينما رأياني بمنظري هذا .. منظري المقزز .. أو ربما المثير للشفقة ..

- (ماذا حدث يا أبي ؟)
- (هل وقعت مرة أخرى في البركة يا أبي ؟)
- (لم يحدث شئ)

أتركهما .. أسير إلى حيث غرفة نومي الضيقة ..
أعلم أن زوجتي تُجهز المائدة .. حينما تسمع صوتي عائداً من العمل تتجه إلى المطبخ .. دائماً هي تفعل ذلك ..
أدخل إلى الحمام الضيق .. في الحقيقة الشقة كلها ضيقة ..
لم أرها بمثل هذا الضيق إلا اليوم .. ربما لم أكن أراها هكذا في الماضي ..
ربما .. ربما ..
جسمي بالكامل في المياه ..
أُزيل الأوساخ .. ربما أُزيل معها همومي أيضا ..
ربما .. ربما

- (الطعااام جاهز)

أرتدي ملابسي .. أنظر في المرآة ..
ما أقسى التغيرات التي تحدث لأجسادنا ، ولوجووهنا بعد مرور الزمن ..
- (أهذا هو الشاب الفتيّ الذي تزوج من هذه السيدة الجميلة ؟) ..
أقولها لنفسي .. ربما أقولها لزوجتي أيضاً ..
ما أقسى التغيرات التي تطرأ علينا بعد مرور الزمن ..

- (الطعاااااااااااام جاهز)

أنظر إلى الخارج من خلال زجاج النافذة المشروخ ..
لقد غير الزمن الكثير من الأشياء ..
ربما كانت النافذة غير موضحة لحقيقة الصورة ..
الشروخ في كل (سنتيمتر) من زجاج النافذة .. ربما إذا غيرت الزجاج ، سأستطيع رؤية الصورة بشكل أوضح ..
ربما ..
ربما ..

* * *

- (أكد رئيس المجلس المصري للشئون الخارجية أن الأحداث الإجرامية في شرم الشيخ تأتى في سياق مستمر ضد مصر بعد حادث اختطاف وإعدام السفير المصري إيهاب الشريف رئيس بعثة مصر في العراق ، وفى أعقاب أحداث الأزهر وطابا وأضاف في تصريحاته أن تفجيرات شرم الشيخ ...

يتابعون التلفاز ، وهم يأكلون ..
اجلس شارداً ..
لا أستطيع التوقف عن التفكير في المستقبل ..
هل سأستطيع تربية أولادي على الرغم من أن عمي اغتصب أرضي ؟؟!! ..
لا تهمني الأرض في شئ .. كل ما يهمني أولادي ..
ربما لو كان لديّ أي شئ غير هذه الأرض ، لكنت أعطيتها لهم ..
ربما ..

- (سننزل يا أمي .. إلى اللقاء)
- (انتبها على نفسيكما .. أنت لم تمس طعامك ؟!)

أنظر إليها .. لا أعرف ما الواجب عليّ قوله سوى :
- (شبعت)
الصمت .. الوقت يمر ببطء ..
لم نعد أنا وزوجتي نتحدث كما كنا في السابق ..
أصبحنا لا نتحدث سوى عن متطلبات الحياة ..
ربما أصبحنا غرباء داخل منزلنا ..
ربما ؟! ..
لم لا ؟! ..
ربما ..
أغسل يدي .. أعود إلى غرفة نومي .. تنام إلى جواري ..

- (اشتقت إليك كثيرا)

أنظر إليها منهكاً ..
- (وأنت أيضاً)
تداعب شعر صدري .. لا أعرف هل السرير هو الذي يرتعش من النشوة أم أنا ؟! ..
أحتضنها .. أقبلها و ..........
بوووووووووووووووم ..
نقوم مفزوعين ..

- (ما الذي حدث ؟)
- (ربما كان هناك ...
ضربات على الباب تقطع حديثي .. زوجتي تذهب ، لتر من الطارق ..
لن نستطيع العودة إلى ما كنا عليه .. لن نستطيع العودة إلى الحالة التي كنا عليها بعد هذا الفزع ..
أنهض .. أتجه إلى غرفة المعيشة ، لمشاهدة التلفاز ..

- (أعلن مصدر أمني أن حالة الطوارئ قد أعلنت بمطار القاهرة الدولي وتم تشديد الإجراءات الأمنية بجميع المنافذ والمعابر الحدودية المصرية في سيناء وتعزيز خطة تأمين الأفواج السياحية المقبلة وذكر مصدر انه ....

- (هناك حالة طوارئ لدى الجارة التي تسكن فوقنا .. إنها تقوم بعملية كسر وحفر لأشياء قالتها لي لا أدري كنهها .. تعتذر على ما حدث .. لقد قام ......

تركيزي مُنصبّ على صور الضحايا التي يبثها التلفاز ..

- (هذا هو ما حدث .. هل أنت معي ؟)
أنظر إليها بنظرات خاوية .. لا معنى لها .. تنظر بدورها إلى التلفاز ..
- (حادث مؤسف)
- (فعلاً)
ربما أقولها بصدق .. لقد تعودنا على ما هو أكثر .. ربما كان كلامي صادقاً .. ربما

- (في تفكيرك لو كنا مكان هولاء .. ما الذي كان سيحدث وقتها ؟ .. كيف كنا سنتصرف ؟)
- (هذا إذا كانت ظروفنا تسمح لنا بالسفر)
- (..................................)
- (هل تعتقدين أنه من الأفضل الجلوس في البيت خوفاً مما يحدث في الخارج ؟)

لم تعلق .. فقط نظرت لي بخوف .. أنزلت رأسها تحت المقعد الذي تجلس عليه ..
لم أعلق بدوري .. فقط ابتسمت .. ربما كانت دعابة قاسية ..
دعابة ؟! ..
ربما ؟! ..
لم لا ؟! ..
ربما ..
ربما ..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى