الخميس ١٤ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٦
بقلم محمد صباح الحواصلي

شيء في نفسه

واليوم أيضا مر من أمام مكتبات "الحلبوني", ينظر إلى الكتب في الفترينات, يتمعن جيدا في أغلفتها, يدنو منها, يضع يده على خصره فيما هو ينحني لكي يسند جسده المتعب. يدنو على الرغم من الألم الطفيف في الظهر والمفاصل, ثم ببطء يبسط جسده.

الرجلُ عجوزٌ, وخطوه بطيء, وسيره يبدو هادفا وغير هادف في آن معاً. ولكن الذي يراه وهو يمعن النظر بأغلفة الكتب, أو وهو يدخل المكتبات ويقضي وقتا فيها, يسحب الكتب من رفوفها, ويحتويها براحتيه ويقلبها بإهتمام وتعلق, يحسب أنه يبحث عن كتاب نادر.. أو ربما عن شيء في نفسه أضاعه هناك.

يتابع سيره اليوم ولكن على الرصيف المقابل لمحطة الحجاز. يستمر في المشي حتى يصبح قريبا من "مبنى البريد". على الجانب الآخر, يعرف أن مكتبة "دار الفكر" تحتوي على تشكيلة جديدة من كتب عاين أغلفتها يوم أمس, مع ذلك فإن هدفه, اليوم, هو الوصول إلى مكتبة "النوري" عند الناصية. ولكي يصل إليها فهو بحاجة أن يسير مسافة لا بأس بها, ثم يعبر شارع سعد الله الجابري.

في مكتبة النوري يقضي بعض الوقت.. تستأنس نفسه حشد الكتب, بل ورائحتها أيضا, يشمل الكتب التي على مستوى نظره, ويقرفص, بعد لأي, ليتمكن من رؤية الكتب السفلية, المغبرَّة دائما. وهو بالأمس استأذن عامل المكتبة, الذي أصبح يعرفه جيدا, أن يقف على كرسي الخيزران ليتمكن من رؤية الكتب العالية.. وحمل عامل المكتبة الكرسي إليه.. "تفضل يا عم.." على الرغم من أنه حائر من أمر العجوز ويعرف أنه لن يعثر على _ ما يريد, ولن يشتري كتابا.
ولكن هذه المرة قال له الشاب:
"هل تريد أي مساعدة يا عم؟"
أجاب العجوز بصوت ضعيف:
"لا.. أشكرك."

لم يُطل العجوز المكوث في المكتبة اليوم, بل أطال النظر في غلاف كتاب نحيل, من الحجم الوسط, لوحة غلافه للفنان جمال قطب. سار العجوز نحو الطاولة المعروض عليها كتب كثيرة مغطاة بغلاف من النايلون. وضع الكتاب أمام عامل المكتبة الواقف أمام الآلة الحاسبة دون أن يقول شيئا.
لمح الشاب عنوان الكتاب:
"مجموعة قصصية جديدة.."
ه_ ز العجوز رأسه وكأنه يقر بكلامه.
قال الشاب: "سبع ليرات.."
دسَّ العجوز يده في جيب سترته الداخلية, وأخرج عشر ليرات. وأعاد الشاب للعجوز الباقي.
"أتريد كيسا.. يا عم؟"
"لا.. شكرا." وأحتوى الكتاب براحته النحيلة المتغضنة, ذات العروق الظاهرة الزرقاء, وخرج.

سار بطيء الخطا.. صاعدا شارع سعد الله الجابري, نحو محطة الحجاز التي كانت تكبر أمامة كلما تقدمت خطواته المتعبة نحوها. وعندما لاح له باص يخفف من سرعته ثم يقف في غير موقفه ويُنزل راكبا, وجدها فرصة بأن يركب الباص ويوفر على نفسه عناء صعود الشارع الذي ما يزال بعيدا, ممتدا. ولكن عليه أولا أن يسأل إن كان الباص هو باص "ركن الدين" أم لا. فسأل صبياً وهو يشير إلى اللوحة التي تعتلي الباص:
"شو مكتوب على الباص يا ابني؟"

رفع الصبي نظره إلى اللوحة في أعلى مقدمة الباص وقال بصوته النحيل:
"ركن الدين.. حجي."

وأسرع العجوز نحو الباص بخطوه الثقيل ملهوفا, فيما شرع الباص بالسير. تبعه قدر مستطاعة راكضاً وهو يصرخ:
"هوب.. هوب.."

لكن الباص كان يبتعد.. يرحل, ويصير بعيدا, وهو ينفث دخانا أسود.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى