السبت ٢٧ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٧
بقلم بوراوي سعيدانة

الفيروس الطيّب

جاورنا بالسّكن في حيّنا المعروف بالفتن فيروس أبر وانتهى به المقر وفي قريتنا استقر.. فيروس بلحمه وشحمه نراه ويرانا ونلمسه ويلمسنا وننكحه وينكحنا.. يبدو أنّ قدومه مَشّط الحي وما جاوره من الأحياء الأخرى وشاع خبر قدومه القرى المُجاورة..
قال شيخ القرية:

- هذا هو اليوم المشهود لعلّ الله استجاب لدعائنا فبعث فينا فيروسا يُرشدنا ويهدينا بعد أن زلّت بنا القدم واستخفّ بنا الزّمن..
فرح السكّان بالفيروس العجيب وهيّئوا له المقر خلال نصف يوم أو أقل .. وعلّقوا لافتات التّرحيب وفوانيس الزّينة وأحضروا فرق الموسيقى النحاسيّة والوتريّة والفنون الشّعبية ونظّفوا الشوارع والأزقّة وردموا الثّقب والحفر..
يومها أمر " المتوكّل على غيره" بإعداد حفل ساهر تُحييه المطربات الشهيرات والرّاقصات شبه العاريات في رحبة القرية تنطلق بعد صلاة العشاء وتستمرّ حتّى صلاة الفجر.. ستكون ليلة ليلاء يمرح فيها سكّان البلدة ويهرجون ويمرجون ويأكلون ويشربون ويسكرون..
قال " المتوكّل على غيره":
- شتّان ما بين الأمس واليوم.. بئس أمس لا فيروس فيه ونعم اليوم بفيروسه..
إنّه فيروس مُبعثر القُوام ذو وجه ليس كالوجوه الآدميّة مُنحني الأضلاع كخليّة بكتيريّة.. له يدان طويلتان ككلاّبتين حديديتين تتوسّطهما سهام حادّة وعينان جاحظتان عين في المقدّمة وعين في المؤخّرة يرانا ونراه وقد يرانا ولا نراه..
ِرجلاه لولبيّتان يُقصّرهما ويُطيلهما كما يشاء ومتى شاء.. جسده مُكهرب ومُمغنط ليس له قلب ينبض.. يبتلع ولا يمضغ يفترس ولا يُروّث يُدمّر ولا يُدمّر..

جاورنا الفيروس الكريم ومنحه " المتوكّل على غير الله" دارا فسيحة محروسة وقال للسكّان:
- يا قوم نحن العرب نُكرم الضّيف.. فأكرموا ضيفكم..
في صباح اليوم الثاني افترس الفيروس أحد سكّان الحي فدبّ الفزع في نفوس بقيّة الأجوار وتجمّعوا أمام بناية " المتوكّل على غيره" محتجّين مُندّدين بما قام به الضّيف الثّقيل..
قام " المتوكّل على غير الله " خطيبا في السكّان قال:
- أيّها النّاس .. أليس فيكم إحساس .. نحن قوم عُرفنا بكرمنا فما ضرّكم لو غضضتم الطّرف عن ضيف حلّ بين ظهرانيكم .. ماذا يقول عنّا الأجانب؟
اندهش الجميع وظنّوا أن الأمر لا يعدو أن يكون خطأ أو وشاية مُغرضة قام بها بعض الحاسدين لما نالهم من شرف زيارة الفيروس إيّاهم.. ثمّ تفرّقوا بدون تدخّل الشرطة أو من شابههم في الاسم والمضمون..
وفي صبيحة اليوم الثالث افترس الفيروس المُدلّل الجار الأيمن بعد أن كان قد افترس بالأمس الجار الأيسر..
قال أحد السكّان:
- الأوّل يساري شيوعي افترسه فقلنا لا بأس والثّاني يميني ليبرالي افترسه أيضا فما السّبب؟
تجمّع سكّان البلدة أمام بيت" المتوكّل على غير الله" صارخين غاضبين مُندّدين بالفيروس مطالبين بترحيله في الحال..
خرج " المتوكّل على غيره" من بيته معتمدا على أحد أفراد بطانته دافعا ببطنه جارّا مؤخّرته وقال:
- أيّها النّاس .. ألا حمدتم الله وتوكّلتم عليه.. إنّ ضيافة النبيّ ثلاثة أيّام بالتمام والكمال أفلا صبرتم على ضيفكم يوما وليلة أخرى وكفى المؤمنين شرّ القتال.. أيّها النّاس ما في ذلك بأس..
هدأ السكّان فجأة ولا نعرف كيف تمّ ذلك هل تدخّل أعوان الأمن أو غيرهم أم هل أنّ كلام "المتوكّل على ..." أقنعهم؟ أم هل أنّ مطرا نزلت عليهم؟ المهمّ أنّ الجمع تفرّق ولم يُمنع التجوال يومئذ وبقيت الأمور على حالها.. وأخذ الفيروس الأغر يلتهم كلّ يوم واحدا من السكّان بينما النّاس نيام..

وفي اليوم الرّابع ظلّ السكّان ينتظرون طلوع الشّمس حتّى يرحل الفيروس ويرتاح بالهم وتنتهي مآسيهم ولكنّ الفيروس الذي ازداد حجمه واشتدّ عوده واحتدّت أظافره إلتهم كعادته أحد السكّان من الحارة المجاورة لمقرّ ضيافته ولم يكن من اليساريين أو اليمينيين أو الإرهابيين بل كان محايدا فارتفعت أصوات المحتجّين المتجمّعين أمام دار" المتوكّل على غيره" وبدت الأحوال على أشدّها..
لم يخرج المتوكّل أوّل الأمر من مقرّه حتّى لا يُعرّض وجهه الوضّاح إلى ما قد تُلقيه أيادي الجموع الهادرة ممّا لا يُحمد عقباه.. ثمّ حضر أعوان النّظام العام ففرّقوا الجموع ولم يبق سوى القليل.. عندئذ خرج "المتوكّل على غيره" متوكّلا على أعوان ضبط النّظام وخطب فيمن تبقّى من الناس ملاطفا:
- أيّها الناس..
لكن أحد المُتبقّين من المُحتجّين قاطعه:
- ألم تقل إنّ ضيافة النبيّ ثلاثة أيّام ؟
أجاب " المتوكل.." ممتعضا:
- بلى إنّ هذا اليوم يوم توديع الضّيف ؟ فلماذا الهرج والمرج والضّيف ضيف وإن طالت الضّيافة.. ألا تُحافظوا على سمعتكم وسمعة بلدكم؟
اطمأن من تبقّى من الجمع وظنّ من ظنّ أنّ الفيروس المُتوحّش مُغادر البلاد وإلى بلاده سيشدّ الرّحال وبذلك ترجع الطّمأنينة إلى النّفوس ويرتاح بال النّاس..

في اليوم الخامس إلتهم الفيروس السّمين أحد السكّان المُوالين للمتوكّل على غيره مُتجاوزا موضع إقامته إلى أقصى أطراف البلاد فارتفع عدد المُحتجّين أضعافا وكلّهم من الفيروس البدين غاضبون وحملوا العصيّ والسّكاكين وتجمّعوا أمام مقرّ المتوكّل على غيره ناقمين مردّدين منشدين:
- اللّعنة على الفيروس اللّعين.. اللعنة عليه وعلى مُضيّفييه..
يومئذ لم يخرج لهم " المتوكّل على غيره" وطلب من أحد أعوانه أن يطلب من الجموع المُحتشدة اختيار من ينوبهم للتفاوض معه..
وبعد جدال وتبادل اتّهامات اتّفق الجمع على أحدهم وكان أكبرهم سنّا ومثل أمام المتوكّل على غيره وبادره بالسّؤال:
- ألم تقل إنّ ضيافة النبيّ ثلاثة أيّام ؟ ها أنّنا في اليوم الخامس والفيروس لم يرحل بعد؟
أجابه " المتوكّل على ..." هادئا:
- أيّها الرّجل إنّ ضيافة النبيّ تدوم ثلاثة أيّام ثلاث مرّات ومن زاد على ذلك فلا بأس..
- كيف ذلك ؟ وهو يفترس كلّ يوم واحدا منّا وها هو اليوم قد افترس أحد أتباعك المُقرّبين..
- هذا ليس مهمّا نحن نتبرّع بأتباعنا لضيوفنا واعلم يا رجل أنّ الفيروس لم ينو الإساءة إليكم بل أتى من أجلكم حين علم بكثرتكم وتزايد نسلكم وكثرة خيراتكم فقرّر تخفيف الأعباء عنكم فأراحكم من مشقّة الضّيافة ومختارا نمط ضيافته بنفسه..
تدخّلت قوات أمن عديدة مختلفة الأزياء والمعدّات ففرّقت ما تبقّى من الجمع وملأت السّجون والمُحتشدات والمُعتقلات..

ثمّ توالت الأيّام والفيروس الُمبجّل أصبح يفترس كلّ يوم أحد السكّان صباحا ويتغدّى بآخر ظهرا ويتعشّى بثالث متجاهلا انتماءاتهم متجاوزا الأجوار وكلّ المواثيق الدّولية والإنسانيّة عابثا بالدّيار طامعا في أرجاء البلاد..
احتار السكّان واختلفوا في معالجة الأمر واستحالة القضاء على الفيروس الخطير الذي كان عوده يشتدّ من يوم إلى آخر بينما كان عدد السكّان يتضاءل يوما بعد يوم..

ولمّا بلغ السّيل الزّبى .. تجمّع السكّان في رحبة البلاد وعاثوا فيها فسادا مُحطّمين نافورة مياه تتوسّط السّاحة الكبيرة مُخرّبين قاعدة نصب تذكاري مُكسّرين الفوانيس العموميّة وأغصان الشّجر وأشياء أخرى...
انقسمت الجموع وتداخلت الأمور وخطب " المتوكّل على غيره" في النّاس من وراء حجاب قال:
- أيّها النّاس.. نحن نحن قوم نُكرم الضّيوف ونُبجّلهم ونحترم الكبير منهم والصّغير فيروسا كان أو بيكتيريا نحن مسالمون متسامحون فما الّذي غيّركم وأذهب صوابكم؟
وأضاف الخطيب:
- لقد مضى على الفيروس ردح من الزّمن مذ قدم إلى الوطن وللتّذكير فقد تزوّج ذاك الفيروس منذ اليوم الأوّل لقدومه فيروسة أو عدّة فيروسات ولم يعُد يحيا بمفرده وإنّما تناسلت منه فيروسات عديدة ولذلك كثر افتراسهم للسكّان ولم نعُد قادرين على طرده من البلاد وإن عاث فيها فسادا..
ومن يومها أقسم الفيروس وآله بأغلظ الأيمان أن لا يُغادروا البلاد مهما جرى ومهما قيل ويُقال..
اندهش السكّان لقول" المتوكّّل على غيره" وأيقنوا أنّ ما قاله مجرّد افتراءات وأكاذيب وخدع سينمائيّة هوليوديّة ظاهرها أمن وسلام وباطنها خراب ودمار..

فبصقوا وسط الرّحبة على دُعاة حقوق الإنسان والحيوان والمُبشّرين بالديمقراطيّة والحريّة وانتشروا في البلاد..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى