الأربعاء ٢٧ حزيران (يونيو) ٢٠٠٧
بقلم نازك ضمرة

أم مع طفل

قصة : جوناثان ويلسون

أقود السيارة متجهاً أنا وأمي إلى القدس القديمة عبر طريق بوابة يافا. حصرنا خلف ثلاثة حمير وعربة كعك ، وعلى مسافة قدمين من السيارة كان شاب يقطع البرتقال أنصافا، ويقوم بعصرها بحركات سريعة للأعلى والأسفل بماكينة فضية اللون.
-  أترى ذلك ؟ قالت أمي
لا تنظر للشاب ولكن بعيداً في الشارع ، صوب قوس أثري أرمني جميل معقود عبر السماء بجانب الكنيسة ، أكملت قائلة : "يذكّرني بجسر سكة الحديد المرعب على شارع بارك أفنيو ، معتم ، قذر ومكان مقرف"
-  هذا ليس الجيرة القديمة ، هذا ليس شمال غرب لندن.
-  لا يهمني أين نحن . . . ! أجابت
-  إذاً ما المشكلة؟

بعد نفخات قليلة زائفة ، تحرك نفسها للخروج .

-  ربما قالوا أنني بدوتُ جميلةً
كنا قبل قليل في زيارة راشيل وآرون بيلز ابني عمها ، وقريبيها الوحيدين في إسرائيل ، وعملياً هما أقرباؤها الأحياء الوحيدون على الأرض ، لم يتح لها أن قابلتهما من قبل ، وقبل مغادرتنا المنزل حيث كنت أتناول طعام العشاء في أمسيات أيام الجمعة خلال وجودي هنا في استراحات السبت في الشهور التسعة الماضية – همست بصوت عالٍ:
-  لهجات مرعبة . بولنديون.
وسمعوا ، ثم أكملت : هؤلاء أبناء الزنا الفقراء الذين أمضوا نصف الحرب العالمية الثانية مختبئين في غابة وفي النصف الثاني ظلوا يتضورون جوعا في المخيمات .
هؤلاء النفر المحترم الضياف وكما تراهم والدتي لا يرقون لقائمة "الأشياء التي علينا فعلها ، إذا بقينا أحياء ، حتى لو لم تتيسر الفرصة لنا لخمسين عاما"
- تبلغين من العمر أربعة وسبعون عاماً ، ليس هذا المديح هو ما يخطر بالبال دائما؟
-  حسناً ، وكان لديّ لباس جميل.
تعود ثانية للبكاء ، والحمار الذي أمامنا يقذفف سيلا عريضاً على الطريق ، أنظرُ لوالدتي فيحصل مصادفة قبيحة . إنها العام ذ979 ، أقود سيارتي للمنزل عائداً من الجامعة ، يقطع بعض السكارى المترنحين الطريق ، ينحصر أحدهم تحت أنوار السيارة ويتجمد ، وعندما يتحرك ثانية ليرفع إبهامه طالبا إركابه على طريقة (هيتش هايك) أفتح الباب ، ويسقط في السيارة ، وما إن يريح جلسته تقريبا تفوح رائحة كريهة ، قال
-  آسف حطّمت نفسي
نقطع ثمانية أميال إلى كلاكتون على البحر ويغادر ، على المقعد بقعة صغيرة من سائل بنيّ خفيف لا معة.
تنتقل والدتي لموضوع آخر ، موضوعها المفضل.
-  تحضر هنا إلى أرض يهود ، وتجد (اليوك) الوحيدة في القدس.
-  حَضَرتْ معي ، تققابلنا في لندن ، تعرفين ذلك .
-  وما تزال (يوك)
(يوك) هي لفظة تطلق على الجنس الأنجلو يهودي من الكفار ، وهي أسوأ من (كوي ، أو شيكسا) هذا النوع يعني الفنجور والوحشية والغباء العميق الذي لا رجاء في العوض منه ، ولم تكن أمي قد قابلتها من قبل.
-  وماذا تريد أكثر ّ . . . كلمة (المسيح) حتى في اسمها!
-  اسمها تينا .
-  وماذا تظن؟ هذه الكلمة اختصار ماذا يا عبقري؟*
-  بعدها أقرر أمرين : أن لا أبلغ والدتي أنني وتينا على وشك الانفصال ( لماذا أجعلها سعيدة ؟ ) ، والأمر الثاني إعادة أمي بأسرع ما يمكن لفندقها.ألتفّ بالسيارة ، أدور حول مؤخرة المدينة القديمة ، نازلا منتصف الطريق إلى جبل الزيتون ، تظهر قباب الكنيسة الروسية الأرثوذكسية كرؤوس البصل اللامعة ، بسبب بقع الثلج التي عليها في شمس شهر فبراير ، ودوري الآن أن أقول لها:
-  -ألا ترين ذلك؟!
-  أمي الفرس التي على عينيها الغمّامات ترفض إدارة رأسها تقول :إ
-  نها حياتك !
-  هذا صحيح
-  أنزلني هنا! ، تصيح فجأة : "لا أستطيع احتمال بقائي معك أكثر"
-  انظري!
-  يصدف أن نكون قرب محطة باصات العرب خارج بوابة دمشق حيث أوقفتنا الإشارة الضوئية ، يتدافع الناس بالمناكب لإفساح الطريق ، يندفعون في صفوف عنيفة ، يخرجون من دخان عوادم السيارات البني المندفع بقوة ، تعبر بعدها مظاهرة حول الزاوية ، مئتا رجل من معارضي الرئيس عرفات وهم غير مسرورين من الحكومة الإسرائيلية.
-  يا للقرف! أقول . تتحرك والدتي كأنها تفتح باب السيارة
- تينا يعني أن اسمها كرستينا كريستينا
-  هيا! استمري! ما الذي يبقيك؟!
امرأة تحمل سلة من الخوخ على رأسها ، تنحني لتعرض علينا بضاعتها من الفواكه المجرّحة غير الناضجة ، كل خيبة المكان شعوريا وجنسيا وعنفاً ، خوخ وثلج وصياح الأصوليين ، كل ذلك هو أكثر مما تحتمل والدتي ( وهو أكثر ما يحتمله أي فرد).
-  كلا ! وشكراً ! ، تقول والدتي بصوتها الملوكي الذي تتقن تقليده ، أفكر في إركابها في حافلة مخصصة للتنقل في إحدى مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني في الضفة الغربية ، أريحا مثلا ، مكان يُحتَرَمَ فيه كبار السنّ ، ببساطة بسبب أعمارهم و يتغاضون عن شخص الفرد.
في فندق الملك سليما أتوقف في الطريق المظلّل ، تخرج وتصفق باب السيارة ، لحظتها يبدو رجل كبير السنّ ببزّة بيضاء ، وحسب رأي والدتي فهو يلاحقها وفي نيته اغتصابها ، يخرج من الظلّ ، يشبة جي كاتسبي بوزن زائد.
-  سيدة سامويلز! ها أنت تعودين ! ولا بد أن يكون هذا هو ابنك!؟
-  كان ابني
_ يبدو على كاتسبي الحيرة للحظة ، لكن كلا ، فأجابة والدتي معروفة بعد كل ذلك ، قال لها
_ كل الأولاد يخيبون ظنون الوالدين ! ولكني أستطيع القول من شكل وجهه الجذّاب المكلثم المسمرّ أنه لا يعتقد ذلك ، وببساطة فهو يحاول استرضائ أمّي.
تتجه أمي له (تحدجني) ، تحاول عمل شيء بعينها يدل على التبرّم والضيق ، المرض ، اللغو ، الوحدة ، وعناد البغال التي لا تلين ، شجاع لكنه موقف تمثيلي قاسي الحكم . أبتعد ومن خلال المرآة أرى كاتسبي يلوح ، اختفت أمي مع التفاف الأبواب .
في موقف السيارات خلف الضاحية التي فيها شقتي ، على شارع الملك جورج كان الثلج من الليلة الماضية قد ذاب ، وكان عليّ أن أطرطش عبر بركتين من الماء الثلجي في طريق عبوري ، وبينما أدفع الباب لدخول العمارة تظهر تينا من وراء حافلة كبيرة زرقاء تبدو لحوالي نصف ساعة في انطباع أوفيليا: شعر ميليز ، عينان متوحشتان ، ووجه ممتقع بالدم.
_ لا تستطيع تركي!

ألتفُّ كجبان وأبدأ بالجري عائدا عبر ساحة التوقف ، تتبعني صارخة بي:
_ وماذا عن الأطفال ؟
_ يوقفني سماع ذلك عن الجري
_ ليس عندنا أي أطفال!
_ لكن يمكن
_ غير ممكن إذا استمررت في النوم مع أناس آخرين
_ كانت ليلة واحدة
_ كانت ليالٍ عدة
تزن هذا في عقلها مثل ياسمين ، المرأة التي تبيع الخضار من باب إلى باب ، ومعها ميزان وثلاثة حجارة ، لمعايرة ما تريده مقابل ما تعتقد أنها تستطيع أخذه.
في ذلك الوقت كم يبد عليك الاهتمام! تقول له
_ ما الذي أعطال هذا الانطباع؟
_ لم تتوقف عن النوم معي ؟ هل توقفت ؟
_ ذلك أمر مختلف
ليس لديّ فكرة ، مختلف عن ماذا؟ في الحقيقة أحسّ بالانكشاف ، هي على حقّ ، كانت هناك أوقات في علاقتنا غلبت فيها الشهوة على الغيرة.
_ كيف حال أمك ؟ متى سألتقي بها
أبدأ بصعود المرتفع.
_ أريد الذهاب إلى الصحراء ! تصيح تينا في إثري

في المرة السابقة التي كنا بها في صحراء سيناء ، هدّدت بإغراق نفسها في البحر الأحمر ، شربت من البراندي الرخيص حتى سكرت ، غنّت قصيدة "الساعة البيولوجية" تأليف بوني ريت والتي عنوانها : " نيكولاس الزمان" ، بعدها ركضت بملابسها إلى أمواج البحر ، شاهدت رأسها يظهر على ضوء القمر حتى اختفت ، وحينما رأيتها ثانية ، كانت ممدّدة بوجهها للأرض على الساتر الرملي الغامق ، وعلى بعد مائة ياردة من مكان انطلاقها ، وصلت لها جاريا ، مندهشاً ، مقطوع الأنفاس ، والنجوم محوّمة كنورس مخبول ، قلت :
_ هل أنت بخير ؟!
كان ذلك صحيحاً ، ومن ناحية أخرى ، وكما تعلم هي جيداً ، ولأنه مصدر إزعاج شديد لي ، فإنني لا أستطيع السباحة ، أمي ، بارك الله في قلبها ، أرسلتني لمدرسة البلاغة والإلقاء في الوقت الذي اتجه فيه الأطفال إلى برك السباحة.
أنزل شارع شاتس مهرولاً ، ثم صعودً في شارع الملك جورج حتى أصل موقف الاستقلال ، أشتري جريدة من كشك صغير من رجل لم أره من قبل ، ينظر لي بكراهية ملتهبة ، وآخذ الجريدة داخلاً مقهى روندو.
بينما أشرب قهوتهم الفاترة ، تراودني إحدى الأفكار القديمة الغريبة ، والتي يمكن توضيحها بفعل القوى الكيماوية في الدماغ ، حيث لا سيطرة للفرد عليها . تريد هي لقاء والدتي ، أعتقد ، بعدها لنذهب جميعاً إلى الصحراء.
في اليوم التالي ، تركب والدتي معنا من فندقها في السابعة صباحاً ، ترتدي لباساً قومياً ، أبيض وأزرق ، تسميه بذلة بنطلون ، ستكون ملابسها حارة جداً عليها في الصحراء ، حتى ولو في شهر شباط ، لكننا سنتعامل مع ذلك لاحقاً ، تينا من ناحيتها قررت أن تلعبها مباشرة ، ربطت شعرها وراء رأسها ، ترتدي الجينز وقميصا من ملابس الكاوبوي المطرّزة والذي مكن اعتباره إما لباس محافظين أو هيبيين ، حسب فكرك السياسي.
تصرّ والدتي على الجلوس في المقعد الأمامي بسبب ساقيها ، مع أنها أقصر من ساقي أي شخص آخر ، لكن من الواضح أنهما طويلتان جداً للجلوس في المقعد الخلفي . قالت ل (تينا)
- مرحباً يا عزيزتي
تهاوت أحقادها الدينية بعيداً بشكل إعجازي بحضور شخص ما ربما يكون مسحوراً.
-  مرحبا بالسيدة صاموئيل ، حسن أن ألتقي بك أخيراً
-  أوه – ناديني باسم باربارة ، أجباتها أمي
-  يسرني قول ذلك ! أجبابتها تينا
_ وليام ينوي أخذنا إلى رحلة جيدة بالسيارة
تبتسم تينا ابتسامة صغيرة منضبطة
_ هل سبق لك الذهاب إلى سيناء يا باربارة؟
_ ســـيناء؟ أجابت أمي ، تلفظ المقطع الأول سيناي بدل سايناي ، لمحاولة أن تبدو أنها من طبقة راقية .
_ لا أعتقد أنني سبق وكنت هناك.
_ ألا تعتقدين؟ هذذه هي الإنسان التي ، حتى قبل أسبوع مضى ، اختارت عدم الذهاب لأي مكان آخر ما عدا شمال غرب لندن ، ولمنتجعين قاتلين على الشاطئ الجنوبي بفنادق "يهودية"
-  هذا جميل ! تقول تينا
تجاوبت والدتي معها ، كما لو أن تينا قالت : " أنت جميلة"
_ شكراً لك يا عزيزتي ، كنت دائما فتاة جميلة ، وكما ترين – لمست وجهها- لا تجاعيد!1
_ وكم يبلغ عمرك يا باربارة؟
_ عمرها أربعة وسبعون عاما ، وكان عمرها واحداً وأربعين عاما عندما ولدتني ، تعرفين أنه لا داعي للعجلة.
_ لماذا أفعل أنا ذلك ؟

نأخذ الطريق الجديد نزولاً للبحر الميت ، حتى لا يرجمنا أحد بالحجارة ، تميف أمي إلى اعتبار الفلسطينيين بنفس الطريقة التي عاملت بها كنيسة الروم الأرثوذكس على جبل الزيتون ، نظرياً هي ناوية الاعتراف بوجودهم ، ولكن في الحقيقة تفضل أن لا تنظر لهم . ومن ناحية أخرى فإن تينا تعتقد أنها عالمية الفكر جداً وصديقة للجميع. كمعظم البريطانيين ، هي مدافع قوي عن المحتقرين والمتضررين ، ما لم يكونوا إيرلنديين.
خلال عام من وجودها هنا ، فقد حضرت كل تظاهرة لحركة (السلام الآن) وفي الحقيقة ، وفي أحدى هذه المهرجانات قابلت جويل ليمكووتز ، المراسل الأجنبي لصحيفة نيويوررك كذا أو غيرها ، وهو رجل ذو صفات مؤثرة ، ينادي كما يبدو بعدم حصر وحماية العلاقات الجنسية ، وبإمكانه تكرار ذلك مع صديقات الرجال الآخرين . " عمري خمسة وثلاثون – أريد أن أحمل طفلاً " تئز المروحة المركبة في تابلوه السيارة ، تمسك أمي شعرها كما لون أن شعرها المنفوش جداً سينطلق محلقا بعيدا عن رأسها.
_ أوقفها ! أوقفها! ما الذي تفعله أيها العبيط.؟0
_ أحاول تبريد أعصابك
_ أنا هادئة تماماً
تنظر باتجاه شريط الطريق غير الملتوي ، تلتصق ركبتاها بحزم وحقيبة يدها البيضاء تستقر بتكلفف عليهما ، في المرآة أرى تينا ترفع قميصها الكاوبوي لتريني أنها لا ترتدي تحته حمالات لثدييها.
عند عين بقيق نتوقف ونتجه إلى مقهى الشاطئ ، بجوار مركز أمراض الجلد الصدفية على شاطئ البحر الميت ، يمر بقربنا شخصان طويلان شاحبان ببقع بيضاء ، ويظهر أن الحراشف مكشوفة على جلديهما دون إحساس بالحرج ، يتجهان صوب كومة الطين الطبي الملطف عند طرف الماء.
_ من هؤلاء ؟ تسأل والدتي
_ كيف سأعرف؟ خبير دانمركي مع صديقته طبيبة تقويم أسنان.
_ أيا كانا ، يجب أن لا يسمح لهما بالمشي حولنا مثل ذلك !
_ ولماذا لا 1 هل تسري قوانين نيبرمورغ هنا؟
_ لا تمزح عن ال هولي كوست *1

كانت فكرة ذكية من والدتي ، لتبديل كلمة ( هولو كوست ) إلى نوع من اللفظ على الطريقة الإيرلندية لتصبح ( هولي غوست) *2 . وأغرب شيئ ، بالرغم من شعورها اليهودي المفترض في أعماقها ، لا يوجد شيء تحبه أكثر من أن يقال لها أنها لا يبدو عليها أنها يهودية.
تقول تينا : كنت في ألمانيا مرة ، في طريق عودتي من الدنمرك ، كان لي صديق في كوبنهاجن ، شاعر رائع ، قابلته في نزل الطلاب ، أخذني إلى حدائق تيفولي ، كان اسمه نيلزنوردبراندت.

" الدنمرك " تقول والدتي ، صوتها منخففض مختلج تقليد غنوج فيه إغواء
" كم يعجبني جداً "
تعود تينا للسيارة لتلبس ملابس البحر ، ولشد ما أدهشني أن أمي تقرر أن تدخل الماء هي الأخرى ، أحدد لها غرفة لتبديل الملابس ، تختفي داخلها ثم تظهر بعد عشر دقائق ، تبدو جميلة جداً أعني بهذا أنها تنزل الممر الإسمنتي وبالكعب العالي كمشي قطة . بينما أرفع والدتي لكي تطفو ، صرت كمن يدفع قارب تجديف إلى البحر ، أسمع تينا التي سبق وغطست في الماء تصيح بمرح قائلة : ( دخل الملحق عميقا في مهبلي)
تلوح بيدها مرحة ، بينما مجموعة من السياح الألمان والاسكندنافيين يبدأون بالتوجه بسباق محموم نحوها سابحين ، كما لو أنها أعلنت أن المزلاج مفتوح للشغل ، معظمهم يمسكون ركبهم ويتحركون دائريا في سابق المفك ، لكن أمي لسوء الحظ انقلبت على مقدمتها وساقاها وذراعاها للأعلى على طريقة الراهبة الطائرة ، يظهر أنها تتجه بسرعة كبيرة ، أيها التيار المبارك باتجاه نهر الأردن.
-  أقبلي هنا ! لا يمكن أن تغرقي! . صاحت تينا
ألوّح لها محيياً ، أشير إلى حذائيّ ، إشارة مبهمة ، حيث آمل أنها ستفسرها بطريقة ما لصالحي ، بعد أن اغتسلتا بالماء العذب ، ولبستا وشربتا ، تقول والدتي إنها متعبة ، وترغب العودة لفندقها ، ستدع زيارة سيناء إلى وقت آخر.
في اللحظة التي نبدأ فيها بالتحرك تقريبا ، تغفو والدتي ، أو ربما قد ماتت بهدوء في المقعد الأمامي ، تبدأ تينا برفع قميصها الفلاحي كما فعلت من قبل .
-  أوقف السيارة جانباً ، وتعال هنا في المقعد الخلفي ! تقول تينا ، لن تستيقظ!
-  تينا ! أرجوك!
-  كله من تلك الشمس والرمل
-  والملح
-  أنا في فترة الإباضة ، قستُ حرارتي قبل بدء الرحلة .
أتابع قيادة السيارة لكما لو لم أسمع ، أقرر أنني مقود لليأس بنفس الطريق التي ينجذب بها بعض الرجال للصدور الكبيرة ، لأنني ابن امرأة تتظاهر أنها لن تحتاج شيئا.
هواء بارد يبدأ بضربنا حال بدئنا صعود الجبال ، ووقت وصولنا القدس ترتجف تينا ، وشدة البرد أيقظ والدتي ، في طريق الملك سليمان تتوقف امامنا سيارة إسعاف بشكل مفاجئ ، نخرج من السيارة فنرى فات كاتسبي على نقالة فوق عربة ، كمامة أكسجين كانت على أنفه وفمه ، ولكنه يحاول التلويح لوالدتي بضعف ، بينما تتجهاله كليا ( وقت جنازة زوج أعز صديقاتها ، سألتني
لماذا يتحدث الحاخام عن ألفي كثيراً ؟ إنه ميت
_ وداعاً يا باربارة ! تقول تينا
_ نعم ! تجيب أمي هادفة
في شقتنا بعد وصولنا ، ندخل غرفة النوم تنزع تينا جميع ملابسها ، ثم تبدأ بفك أزرار ملابسي.
_ قم بواجبك ! ثم تكمل عندما نصبح كلانا عراة ( قمعتم النساء لآلاف السنين)
أقترب ، ترجع نصف خطوة للوراء
_ الآن ، ماذا عن هؤلاء الأطفال؟ ( تقصد الثديين – المترجم)
_ تتحرك للأمام ثانية ، تضغط جسدها إلى جسدي ، وتدخل يدها في بدني ، وتكرر السؤال .
في موقف كهذا تكون الخيارات محدودة ، فأقول شيئا غامضا مشجعاً ، ولكن في اللحظة التي أتكلم بها ، يمتلئ هواء الغرفة الدافئة برنين أجراس ، بمنبها ساعة ، بتنهدات ، بنداء المؤذن للصلاة ، ببكاء تلمودي ، بزئير مظاهرة احتجاجية ، وبصيحات اليمين على كتاباتي الناقدة.
_ أيهم لا يمكنه الفشل بملاحظة كراهية نفسي اليهودية ، رفضي النابع من ذاتي للتسهيل لرغبات بسيطة ، تنكيتي على حساب الجنس الآخر – وحقا فيبدو ونحن نهوي على الفراش لا يهم ماذا أقول .

نشرت في مجلة نيويوركر الثقافية الأمريكية في 1996/4/8

قصة : جوناثان ويلسون

كلمة لا بد منها للمترجم :

أمريكا وإسرائيل ، إسرائيل وأمريكا ، هذه القصة يكتبها أديب أمريكي يهودي أو نصف يهودي ، يقيم في إسرائيل ، يمثل الفكر المتنور السائد والمتحكم في إسرائيل ، ولا توجد سلطة حقيقية لشخص ما هناك أفكاره وثقافته ليست أمريكية ، أدعو جميع المثقفين قراءة النفسية الإسرائيلية المتذمرة من كل شيء وحتى من أفراد الأسرة الواحدة والسائدة ، من هذه القصة فهم الكثير ، ونستطيع أن نشكل مفهوماً نؤسس عليه مبادئ تعاملنا مع من تقاطروا من كل أنحاء العالم لإذلالنا ولتشريدنا ولاستنزاف الثروات وكل القوى العربية الاقتصادية والحضارية والمعنوية والعسكرية. وأضيف هنا سطوراً مقتطفة وردت في مجلة نقابة أطباء الأسنان الأردنية صفحة 45 – قضايا عامة – مبتدأ وخبر وتحت عنوان : الولايات المتحدة الأمريكية والتجربة المطلوبة؟!
جاء فيها على لسان المستشار " زبنيو برجنسكي " أحد المفكرين البارزين في لولايات المتحدة ، والذي تخصص في شئون الاتحاد الوفيتي والكتلة الاشتراكية من حيث النشوء والتطور والانهيار والتفكك ، كما انشغل بقضايا الحرب الباردة .. . . ماذا يقول هذا الخبير؟؟ (نعم لقد امتلكت الولايات المتحدة مقومات القوة العالمية الشاملة التي لا تتحقق لقوة غيرها . . . ولكن رسالة أمريكا وصورتها العالمية خالية من المضمون الثقافي ومريضة جداً جراء الفراغ الأخلاقي والروحي. . . إنه وضع متناقض ، وأن هذا التفوق يمثل واقعا ووهما في آن واحد)


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى