الخميس ٥ تموز (يوليو) ٢٠٠٧
قصة قصيرة
بقلم نازك ضمرة

الخمسون طاروا

حماتي امرأة لم تبلغ سن السبعين بعد، لم تكن المدارس قد وصلت للقرى أيام طفولتها في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، وخاصة لبنات القرى، أما بعض الأولاد فقد تعلموا في الكتاتيب في المساجد وعند المشايخ، بقيت حماتي أمية كغيرها من نساء القرية،. لكن ذكاءها عوضها كثيرا عن خسارتها نعمة التعلم.

مرت خبرات كثيرة على حماتي وعانت من متاعب علمتها حسن الحوار والنطق، نجحت مع زوجها الهادئ جدا في اجتياز السنوات العجاف التي مرت على معظم الناس في الأردن في عقود الخمسينيات والستينيات، أثمرت شطارتها في رعاية أسرة كبيرة وبأطفال ذكور وإناث تسعة، زوّجت أولادها الثلاثة وبناتها الستة في حياتها، لم تفقد حماتي سلطتها على أسرتها حتى بعد تزويج الأولاد والبنات، ظلّت كلمتها هي الأولى، تراقب من تشاء، وتنصح وتوبخ من تشاء، وتصفح عمّن تشاء، وقد تلجأ إلى الضرب أو التعزير لفرض كلمتها، وربما يصل الأمر إلى إذلال من يخطئ من أفراد أسرتها، زوجها عكس طبيعتها تماماً، يتأمل ما تفعل، هادئاً قانعاً مطمئناً لا يرمش له جفن، وقد لا تخرج كلمة من فمه، وإن تحدث أو وافق أو اعترض فبشبه الهمس ، ومع كل ذلك السلطان الذي تتمتع به حماتي تفاجأ بدموعها تجري على وجهها بغزارة بعد عقاب أي فرد من أسرتها، يعلو صياحها وهي تلطم الخدود، وقد تطول نوبة البكاء حتى يعمد الفرد الفريسة المغضوب عليه والمعاقب إلى استرضائها وطلب الصفح، وبعد إلحاح من الولد الشاب أو البنت المراهقة تهدأ دون حراك لدقائق قد تطول أو تقصر، بعدها تبتسم وهي تهمهم كلاماً غير مفهوم، ثم وهي تضحك وبالأصح وهي تقهقه، تعيد توضيح الموقف بتبريره أو للتخفيف من ألمه، مظهرة ندمها عما فعلت، تدعو الله أن يكسر يدها، أو يقطع لسانها، أو يكسحها لأنها أهانت بنتا من بناتها أو لأنها ضرب ولداَ من أبنائها، أو إذا ضايقت زوجها الطيب المسالم النادرفي هذا الزمان، زوجها نادراً ماينطق كلمة في حضرتها، ليس خوفا بلا شك، ولا بد أن نسأله عن ذلك السرّ يوماً ما، أما موضوع قصتنا اليوم فهو حماتي الحميمة العظيمة، وليس حماي الذي له قصة أخرى.

ولأن المتوفى من أقارب زوجتي فلا بد من الذهاب إلى الصوان المنصوب في الشارع للعزاء ، شربنا القهوة المرة ، وكانت فرصة فريدة للقاء المعارف والأصدقاء من أبناء قريتي ، وخاصة أصدقاء الطفولة.سمعت تفصيل موت الشاب من عمّه، مات في اليوم السابق تحت ركام السيول الجارفة والأمطار الغزيرة في إحدى الأودية السحيقة في جنوب الأردن، وفتح بيت العزاء في الشارع العام قرب بيت الميت لثلاثة أيام،

أتوجه إلى منزل حماتي بعد تقديم مراسيم العزاء، حيث سبقتني زوجتي هناك، كنت أحاذر الانزلاق أو الوقوع عن الدرج النازل لمنزلهم في حي أم تينه بمنطقة مثلث الجوفة في عمان، وكنت دائماً أخشى أن يهوي قط على رأسيي، أو أن يفاجئني طفل مختبئ شرير ويصيح في وجهي أو قربي، نسيت الحزن على الشاب القتيل، والخوف من الظلام في النزول حين بدأت مرحلة صعود الأدراج الطويلة، أحسست بالنشاط والقوة وأنا أصعد السلم الصعب مرتفع الدرجات إلى الطابق الرابع، أردت أن أساق ابني الذي يبلغ أحد عشر عاما، منشغلا أفكر في التعبيرات الأولى التي سأقولها لحماتي لدى وصولي.

- أين ذهبت الدرويشة ؟ ناديت فور تخطي عتبة الشقة، أروني الأضحوكة ؟ أو هل قصدت إخراج زكاة أو صدقة؟ (وين الشطارة ) والفصاحة وتجارب السنين الطوال؟ انهالت كلماتي وانهمرت اتهاماتي لحماتي، أعرف أنها تتحمل مزاحي مهما قسوت عليها، متماسكة تضحك وتهتز أعطافها، وأنا ألهث وأحاول إخفاء تعبي من عناء صعود الدرجات الصعبة، تحاول أن تقطع عليّ اتهاماتي المتوالية، أو توقفني عن الهجوم والملام، وما زلت لا أقوى على التقاط أنفاسي.

- (شايف بالله ! شايف!) إنها أول مرة تحدث لي في حياتي، ثم أنا لست الأولى التي يحصل معها مثل هذه المصيبة، ألا تذكر ما حصل مع ( أبو محمود) زوج أختي قبل شهر؟

أحمل فاتورة الهاتف وأسأل موظفة التحصيل، تحيلني إلى غرفة أخرى لمعرفة ما إذا كان علينا مبالغ قديمة غير مسددة، بعد خروجي من الغرفة الأخرى يلاقيني شاب في أواخر العشرينيات من عمرة ثم يسألني

- كم مبلغ فاتورتك يا حجة ؟

ما إن وصلت خيمة العزاء، حتى أتوا للحاضرين في الصيوان بحلوى دسمه، كانت رديئة الصنع، وطعم الزيت فيها قديم، أكلت لقمة من (الوربة) التي قدمت لي ثم لففتها في منديل الورق ووضعتها تحت الكرسي الذي أجلس عليه، وبيت العزاء يبقى مشرعا أياما ثلاثة على الأقل فارغا أو شبه فارغ في النهار، أولاد قله يحرسون الكراسي المستأجرة لهذا الغرض، ثم يبدأ توافد الرجال بعد صلاة العصرحتى بعد صلاة العشاء. ودعت الناس لألتحق بزوجتي عند والدتها.

تجيب حماتي الشاب الشهم الذي أراد مساعدتها في دفع فاتورة الهاتف بسبب الزحام الشديد

- تقول البنت في الغرفة الثانية أن ما يستحق علينا خمسة وثلاثون دينارا.

ثم تكمل كلامها، يتناول الفاتورة مني، يحملها ويعود للجلوس إلى طاولة جانبية في نفس غرفة الموظفة التي تقوم بتسديد الفواتير، كان يرتدي نظارته على عينيه، يسحب قلما من جيبه، يدقق الفاتورة، يؤشر عليها بقلمه ثم يقول:

- صحيح! خمسة وثلاثون

يتناول الخمسين ديناراً مني، يمشي بتثاقل وأنا أمشي بمحاذاته أو أتأخر قليلا، انعطف يسارا فتبعته، توقفت لثانية لأرى ما سيفعله، لكنني تقدمت خطوتين أو ثلاثا فإذا بدرج صاعد للطابق الثاني، نظرت للأعلى لأتبعه فلم أر أحداَ صاعدا، أمسكت بسياج الدرج الحديدي، فإذا بدرج نازل أيضا صوب باب خلفي في (البدروم)، لا أثر لأحد صاعد ولا نازل، أعود مسرعة لغرفة السكرتيرة أسألها

- هل يأخذ تسديد الفاتورة وقتاً طويلاً

- أقل من دقيقة عندما يأتي دورك

- موظف عندكم تبرع بمساعدتي قبل خمس دقائق.

- أهو من أبنائك أو قريبك؟

وبأعصاب باردة ، وضحكة مكتومة طلبت مني أن أذهب للمدير

- إنكم حرمية سارقون !

- ماذا جرى يا حجة ؟ يسألها مديرالقسم

- لقد سرقت! ألا تعلم أنني سرقت؟ ..أنتم حكومة؟ أنتم لصوص! أين ذهب؟ أين طار؟ الله أكبر .. أين اختفى؟ هنا شاهدته يجلس على طاولة، في هذه الغرفة التي فيها موظفة التحصيل وجميع الواقفين لتسديد فواتير هواتفهم ( الله أكبر! أين الشرطة؟ أين الحكومة ؟ أين الأمان ؟ )

حين نجتمع نحن كبار السن في مجالس العزاء أو الفرح، نلتف حول بعضنا، وتبدأ الأحاديث عن الذكريات، وتكثر المعاتبات عن القطيعة والنكات ((مسكين ذلك الذي ارتحل عن هذه الدنيا، ومسكينة أمه حيث لم يبلغ الواحدة والعشرين بعد، ورحم الله أباه الذي توفي بمرض عضال قبل عام)) ، هذا ما قاله أحدهم.

تسأله حماتي بلهفة

- أأنت المدير يا بني؟

- نعم أنا المدير.

- ماذا أفعل يا ربي!.. ساعدني أيها المدير، أخذ الفاتورة مني ليسددها لي، أكد لي أنه موظف عندكم.

- وماذا حصل بعد ذلك؟

- ذاب كالملح ، طارت الخمسون دينارا والفاتورة معه.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى