الثلاثاء ١٠ تموز (يوليو) ٢٠٠٧
قصة قصيرة
بقلم نازك ضمرة

آيسكريم وتمر

يستمع محمود إلي ضربات أصابع حفيدته على البيانو وهي تذاكر الدرس الذي تعلمته يومها، ذكريات تتوارد إلي ذهنه، تفاصيل دقيقة الخالدة لا تنمحي، لا يدري كيف عادت له، يتطور اللحن الذي تعزفه حفيدته ياسمين إلى: هابي بيرث دي تو يو .. . سنة حلوة يا جميل. تؤشر أمها متباهية معتزة بابنتها، لا بل تدير وجهها وتبسم علامة رضا، يعود محمود لوعيه ولحاضره، غربة فرضت عليه، يحب محمود الأسفار والتجديد والاكتشاف، حملته الأسفار والطائرات والأهواء إلى كل مكان في العالم، أخيراً يجد نفسه بين ذريته وأحفاده في مغارب الأرض، تصبح وطنا أصيلا وثابتا لهم. تستمر ابنته في تشجيع ياسمين على مواصلة التمرين ثم تسألك:

- هل تشرب شيئا من العصير الطازج أو الكولا يا أبي؟ ثم أي ساعة تريد تناول طعام الغداء هذا اليوم؟ . . . غداؤهم هناك بين الرابعة والثامنة مساء كما جرت العادة، وحسب عودة الوالدين نهائيا في ذلك اليوم للمنزل، ثم تواصل كلامها

- عليّ أن أكون في العمل في تمام الساعة الخامسة والنصف، والغداء يحتاج إلى نصف ساعة، ويلزمني نصف ساعة للراحة بعد الغداء، والطريق إلى العمل تحتاج حوالي نصف الساعة، إذاً فوقت الغداء بين الثالثة والثالثة والنصف هذا اليوم. يرفع أحد الأطفال صوت التلفاز الذي يبث حلقة من مسلسل (زينــة)، المرأة الأمريكية متدفقة الجسم المكتمل، طويلة ذات شهامة وقوة وعضلات، تفتك بالرجال أو تفتنم، بكل تلك الخصال الجميلة يكملها صدر مكوّر نافر، لاتملّ من تأمله، لا يستره إلا شريط رفيع من الجلد يغطي الحلمتين وجزءاً كبيراً من اللون الداكن حولهما، وتنورة جلدية قصيرة تبدي فخذيها الفاتنين المصقولين، كأنها امرأة من غابة برية ذات خصب مترعة بالغذاء والهواء النقي، خارج التاريخ والجغرافيا، أو من عالم آخر لا نعرفه إلا في أمريكا.

تتوقف ياسمين عن العزف، تفوح رائحة البصل أثناء قليه شهياً، يتلوها انبعاث نكهة اللحم الطازج معه، أدعو لك بالسعادة وبالصحة يا ابنتي، كم أحب طعامك الطازج، تسمع ابنتها الثانية نهاد ما همهمت به، تسألك عما همهمت، تجيبها أنك تذكرت شيئاً مهما، تقول نهاد لوالدتها

سنأكل البيتزا يا أمي في طريق عودتنا للبيت بعد درس الرياضة.

لماذا لا نأكل مع جدّو محمود يا نهاد؟

كلا أريد بيتزا مع البيف والفطر وسأضع عليها الكثير من الجبن المبشور والزيتون الأسود.

اشتريت أنت ورفيقك يوسف عشرين حبة تمر لتأكلاها مع الخبز الجاف لوجبة غداء في يوم بارد ، في رام الله عام 1952، يدخل الزوج الشره متفتح الأنفاس، لا يستطيع الصبر حتى يحهز الطبخ، يغرز الشوكة في قطعتي لحم بيف تكساس ويبتلعهما، تمتد يده بعد ذلك إلى الثلاجة فيخرج علبة آيسكريم يتلهى بكيلو غرام كامل من الآيس كريم ومن العلبة مباشرة، ريثما تنتهي زوجته من الطبخ.

شره وسريع الهضم، لا يتضايق من أي طعام، ويأكل بكثرة وتكراراً كل يوم، لا تصدق عينك ما ترى، سوّد الله وجهك يا يوسف، أتسمي هذا تمراً؟ إنه حصى براكين‍، كيف سنمضغه؟ وهل سنقدر على ابتلاعه؟

تتنعّم بالطعام الصحي أمامك، خضار متنوعة، رز سريع التجهيز دون زيوت ولا كولسترول، لحم دجاج أبيض، مقبلات وعصير فواكه طازجة، لا تخشى من دهون أو كولسترول، ثم حاوية تحتوي على مكعبات ثلج لمن أراد أن يزيد من برودة عصيره أو المياه الغازية.

يضحك يوسف من سذاجتك، يقول لك دع هذا الأمر لي، وستأكل أصابعك معه، تهبّ نسمة هواء باردة وأنتما تقفان باب الدكان الذي يزن التمر لكما، تلملم أطراف معطفك القديم بأصابع يديك المتجمدة، انقطعت زران منه وبقي الثالث، تخشى أن يتبع رفاقه هو الآخر، تتمنى كأسا حارة من الشاي لحظتها مع قطعة خبز ولو يابسة، أسنانك قوية وسليمة أيامها، فلاح اعتاد على أكل والدته من اللبن والجبن والحليب والبيض البلدي، وهنا تنقطع معرفته عن ألوان الطعام الأخرى، والأفضل لو كانت قطعة الخبز من الكعك القرشلا.

عندما التم شمل العائلة على طاولة المائدة، يخرج زوج ابنتك نصف دجاجة كاملا من القدر، يضيف فوقه كومة من الرز، بجانب كومة كبرى من الخضار فوق طبق كبير، ثم نصف قارورة من سائل الفلف الأحمر، ينعزل بعيداً، يأكل دون توقف ودون أن يحدث أحداً. يحمي يوسف قليلا من زيت الزيتون على موقد الكاز، يضع التمر الجاف فيه، ثم يغطيه لدقيقتين أو أكثر، يغرف بالملعقة سبع حبات يدفنها في رغيف حتى لا تبرد، ويبدأ بالمضع والبلع، يقول لك هيا تفضل وأطعم نفسك، وطلقات بذور التمر تندفع بقوة متلاحقة من فمه، لايحدث أحدا، يستيقظ غول الجوع جواك وقرص البرد، تفعل كما فعل يوسف، تمتد يدك لإبريق الماء تبرّد حرارة التمر وحلاوته، وتساعد لسانك وأسنانك على المضغ والبلع، ودون أن تحدث أحدا أنت الآخر، وبعد قليل تقول لابنتك ربة البيت، هل لديكم علاج يساعد على الهضم؟ يبدو أنني أكثرت من أكلكم يا ابنتي، لمحتها تنظر بطرف عينها إلى زوجها، تتفقد أكداس الطعام التي تلاشت أمامه قبل ذلك.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى