الأربعاء ٢٥ تموز (يوليو) ٢٠٠٧
بقلم جمال القيسي

مسقط القلب

إلى بلال العزب فواز سلامه

السماء غزيرة امطارها . وغزيرةٌ الاشجان بقلبي، الامطار تهطل دونما انقطاع .. كأنها شلالات تتدفق بكل ثقة.. السيارة دافئة وبجسمينا كان الدفء اكثر بسبب الشاي الروسي الذي بقينا نحتسيه من اول الليل ، كنا نضحك ونتبادل الاشعار اقول :
- "وأكلت بسكوتاً وهذا الشعب لا يجد القليّة "
فيرد علي :
- وسكنت (عبدونا) ونحن عشقنا (الدحية ) "
قال :
- " بيروت تفاحة والقلب لا يضحك "
ونضحك .
- أشتهي تفاحة وأنت ؟
- رمانة !
قلتها ساخرا كأني احدث نفسي .
كنا قد اقتربنا من منزله في السلط .
انشدت كما في كل مرة اصل فيها الى هذا الشارع الذي يفتتح المدينة :
- "جآذر السلط أشهى أم روابيها
وحمرة الخد أم دحنون واديها !"
لم يضحك ولم يعلق فهو يعرف اني سأقوله كما كل مرة ندخل فيها المدينة .
اشعل لفافة وأخذ يدندن ويهز برأسه ذات اليمين وذات الشمال : - عيوننا اليك ترحل كل يوم .
ناكفته .غنيت له وبصوت مرتفع :
- عمان بالقلب !
شاركني الاغنية وبصوت مرتفع ايضا وانقطعت انفاسنا من الغناء والضحك الأسود والأبيض واشعلت لفافة.
قلت :
- لا بأس فرقتهما الحدود والاتفاقيات وجمعتهما فيروز.
بدا ان الشاي الروسي اشتعل وتأجج في دمائنا . اتسعت ابتسامته وقال كمن يسأل تلميذا يختبره متأنيا ً في طرح السؤال حتى يفهمه
- الآن احك لي ، الآن هل تعرف عمان جيدا ؟
ابتسمت بخبث، ساخراً وقلت متكلفا التردد ومقطعا حروف الاجابة - تقريبا .
انفجر بركان ضحكنا .
- هل تعرف شارع الرضا اين يقع بالضبط ؟
نترت رأسي بالنفي ..
قال :
- اذن هل ..
استدركت :
- آآه اعرف الدخلة التي فيها مطعم البابا ؟
ضحك طويلاً وقال :
- جميل .
- وعليه هل تعرف مطعم جبري الرئيسي .
ساخراً استفهمته :
- الرئيسي أم المركزي ؟
ضحك .ثم مبتسما ً قال :
- آسف المركزي .
قلت بثقة زائدة :
- اجل، انه يقع في شارع الجاردنز .
قال ساخراً ومتصنعا الغضب :
- اسمع اسمع الجواب ناقص .. أو على الاقل خطأ .
فهمت مراده فضحكت طويلا . اكملت الجواب وقد شاركني الضحك .
قلت :
- الجاردنز سابقاً ، آسف .
- الجواب عفوا خطأ وليس ناقصاً .
ضحكنا .
سألته متكلفا الجدية :
- جوابي أنا خطأ .
قال :
- لا. الدلالة، والوصف خطأ. فهو يخلو من الحدائق والتلال !

الشوارع تنزلق تحت عجلات السيارة بسرعة كبيرة ، طلب ان لا نبطئ السرعة فهو يحب لو نموت في مسقط رأسه ومسقط رأس ابيه ومسقط رأس امه وفي أكناف قبرها الحبيب .
سألني جادا وحزينا:
- هل جميل ان يموت المرء في مسقط رأسه وقرب احبابه !
أم في مسقط ..
وهنا تجشأ وكاد ان يتقيأ فلم يكمل ، وسريعا تناول منديلا ومسح فمه.
فباغته بالجواب :
- في الدوحة ، فالدوحة أجمل من مسقط .
ضحكنا .
اجتاحني حزن قلت :
- اجمل ما يكون ان يسقط قتيل منهم ويرتقي شهيد منا .
وصمتنا برهة .
ابدينا دهشتنا واستمتاعنا بالمطر وبوح الشتاء واسرار الليل ثم اخذنا نترنم بالشعر قلنا معاً بنفس اللحظة تقريبا وبحسرة:
- " صبرا تخاف الليل ".
صمت فجأة وقطب حاجبيه كأنه يقول- انني اتكلم جاداً الآن -وبحزن سألني :
- اي مكان اجمل ان يموت المرء فيه يا صديقي .
حزينا وصادقا ً همست:
- في مسقط قلبه !
صاح فرحاً لروعة التعبير :
- انت رائع .
اعترفت له سريعاً ان التعبير ليس لي وانه على ما اذكر لأحلام مستغانمي .
وضحكنا
- هل تعرف عبدالله غوشة؟
- معرفة شخصية ؟ كلا .
تدمع عيوننا من شدة الضحك.
سألني فجأة وقد اقتربنا كثيرا من منزله . إن كنت احب ان نعود الى عمان لأكل الحلوى من زلاطيمو ؟
قلت بسرعة وكنت اعتذر عن العودة :
- اي فرع ؟ الواقع في شارع عبدالله غوشه؟!

نبهته اننا اقتربنا من الحفرة الكبيرة فيجب ان يبطئ السرعة .. لم تقل السرعة.
- اقتربنا منها كثيراً
أخذ يضحك ويقول :
-  لا عليك .. لا عليك .
-  اقتربنا
-  لا علـ...

سقطنا في الحفرة وارتطم رأسانا بزجاج السيارة رغم حزامي الأمان .
بقينا نضحك ، ونتحسس رأسينا ونتأوه من رضوض في ضلوعنا وعم الضحك.الضحك سيد الموقف لأننا اكتشفنا بعد برهة ومن أثر السقطة وقدوم الفكرة أني أنا الذي كنت اقود السيارة .

إلى بلال العزب فواز سلامه

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى