الاثنين ٦ آب (أغسطس) ٢٠٠٧
بقلم عادل صيام

و ترجل الفارس

اطمة.. فاطمة
انتهت فاطمة من شرهودا علي صوت آية ابنة خالتها تناديها من خلف الباب، قامت و فتحت الباب الصغير المطل علي الحديقة، و أصلت آية كلامها بينما تعد لنفسها مكانا للجلوس أسفل شجرة الزيتون الوحيدة التي بقت في الحديقة
-  تعالي يا فاطمة لك عندي خبر ستسعدين له
-  خيرا يا وجه الخير.. ماذا لديك ؟
-  كم ستدفعين لأخبرك ؟
-  ما تودين سأعطيك إياه.. ماذا حدث ؟
-  أنا أود تلك الحلوي التي كنت تعدينها لي عندما كنت صغيرة
-  و هل أصبحت كبيرة ؟ !
-  ألا ترين أنني أصبحت بالفعل كبيرة ! !
-  ستظلين دوما في عيني صغيرة، أنت مثل ابنتي، و لا تنس أنني أكبر منك بحوالي عشر سنوات.
-  هن سبع سنوات فقط
-  حسنا آيتي ما الخبر الذي لديك ؟
-  سأقول لك و لكن أجلسي إلي جواري، حتى لا تسقطي، من الخبر.
-  جلست.. ماذا لديك ؟
-  أدهم العايد ….. وصل تل الرميلة
-  ماذا قلت !!!
وضعت فاطمة يدها علي وجهها لتداري الرعشة التي ألمت به و الحمرة التي غطته، بينما واصلت آية كلامها كأنها لم تلحظ شئ و محأولة ألا تسبب الحرج لفاطمة
-  أتذكرين عمي العايد يا فاطمة، أنا أكاد لا أذكره، رحمة الله عليه، يقولون كان مقاتلا شديد المراس، و لم يكن ليغلبه أي عدد من الرجال في العراك، تقول أمي أنه رحمه الله ذات يوم كان مارا بمعسكر لذوي الوجوه الحمراء، فأحاط به أكثر من عشرة منهم و معهم عصي غليظة، و أخذوا يضربونه بها، و هو يصد الضربات بزنده العاري، و عندما تمكن أن يقتنص عصاً من أحدهم، فروا جميعاً أمامه كالخراف، عمي العايد رحمه الله من رجل، فاطمة ماذا حدث هل تبكين ؟
-  لا فقط تذكرت عمي العايد رحمة الله عليه، و علي كل الشهداء مثله.
-  عرفين والدتي تقول أن أدهم له نفس وجه أبيه و بنيته الجسدية.. لعله يكون فيه العوض لهذا الوطن، و لنا جميعا.
-  هل تظنين أن من ترك الوطن منذ سنوات سيكون له صفات من ولد و نمي و دفن في أرض الوطن.
-  فاطمة أنت غاضبة من أدهم لأنه سافر، أنت تعرفين أن هذا كان حلم عمي العايد، أن يذهب ليكمل دراسته، و يعود لينفع تل الرميله بعلمه بل ينفع فلسطين كلها، إن شاء الله
-  و قد أنهي دراسته منذ وقت طويل و لم يعد، أظنه نسي فلسطين، و من في فلسطين.
-  ها قد عاد يا فاطمة لا تحزني، و من المؤكد سينفذ الأهل ما سبق أعداده لكما.
-  أنت ما زلت صغيرة، لا تعرفين كيف يتغير البشر، و خاصة في الغربة عن الوطن، و خاصة عن وطن كفلسطين.
-  هل تخشين أن يكون نسي ما رتبه والدك مع عمك من أمر زواجكما ؟ !
-  هذا نصيب لا يعلمه إلا الله تعالي.
-  لكن أنت تحبينه، أنا كنت أراك و أنت تخرجين صورته من أوراقك التي في الصندوق الخشبي، ثم تعيدينها سريعا خشية أن يراها أحد.
-  و هل كان يشعر هو بذلك، لو شعر لما طال به السفر لهذا الحد.
-  ها قد جاء والدك يا فاطمة، أدخلي أنت، و أنا سأعود لمنزلنا.

دخلت فاطمة، و هي تتلهف أن تستشف شيئا من ملامح هذا الرجل الطيب العجوز، الذي طالما سمعته يدعو لها بالستر، مرفقا بالدعاء لعودة أدهم لفلسطين، فالستر لها مربوطا بعودة أدهم لبلده.
-  فاطمة حبيبة أبيك ، لقد مررت قبل مجيئي علي منزل العايد، لقد وصل أدهم يا فاطمة، و الولد قد حدثني مباشرة أنه يريد تنفيذ رغبة والده رحمه الله، و اتمام زفافكما بأسرع وقت، و يقول أنه سيأتي في المساء، و لكن مبدئيا يا فاطمة أعدي نفسك للزفاف الخميس القادم .

كتمت فاطمة صرخة الفرح التي كادت أن تنطلق منها، سعادة بهذا النبأ، فها قد جاء الأدهم ليبدد كل ليالي البعد، و يبدأ عهدا من الفرح لهذا القلب الذي ظن أن لا نصيب له من فرح الدنيا بعد رحيل حبيبه.

لم يكن هناك الكثير لتعده العروس من الأحد إلي الخميس، فكل شئ سيكون بسيط، و ليس المهم ما سيعد، المهم ما سيكون، فلن نؤخر لقاء المحبة بعد ذلك لنعد أي شئ آخر، و قبل الخميس كانت الفتيات يجتمعن يوميا في الحديقة، يغنين و يرقصن و كأنهن يتحدين هذا الواقع، الذي يظن أنه سيفرض عليهم الحزن دوما.

في مساء الخميس علت الزغاريد و الأناشيد، معبرة عن الفرحة و متمنية بأن يأت من الأولاد الكثير و الكثير لكي يرسخوا في تلك الأرض، و يقاموا كل قوة تود إخراجهم منها، و يعملوا دوما علي ازاحة العدو المحتل من مدنهم لينعموا بالحرية.

فجأة نبحت الكلاب كالمعتاد، نظرت فاطمة حولها من المتغيب من رجال العائلة و الجيرة، نعم أنهم أربعة، لا بل ثلاثة فقط هم الذين ذهبوا لمهاجمة مستوطنات اليهود ليقضوا مضجعهم تلك الليلة، و لا يمكن أن يخرج الرابع في تلك الليلة فالليلة ليلة عرسه، هزت فاطمة حاجبيها و هي تقول لداخلها : و ربما لن يخرج لتلك العمليات الفدائية مطلقا، بعد أن بقي خارج فلسطين لسنوات طويلة.

صوت انفجار مكتوم علي البعد، و لكنه واضح، تبعه صوت زخات الرصاص، و الفتيات يزغردن في نشوة و تحدي لصوت تلك المدافع التي تنطلق في جنون و دون هدف محدد، بينما هدأ صوت الكلاب تماما، فكذا الحال دوما، الكلاب تنبح عند خروج الرجال و كأنها تشجعهم، و بعد ذلك تكمن هادئة، كأنها تنتظر النتيجة.

نظرت فاطمة لوالدها، فهم ما تقصد ذهب إلي أحد الرجال اقترب من أذنه و همس فيها ببعض كلمات، خرج بعدها الرجل في هدوء ظنا منه أن لا أحد يلحظه، غاب قليلا، ثم عاد و همس في أذن الأب بكلمات، حأولت فاطمة أن تقرأ تلك الكلمات علي وجه الأب، بينما نظر الأب اليها مشيرا بيده أن تصبر قليلا.

بدا صوت الرصاص يتصارع مع صوت قطرات المطر بينما تتعالي الزغاريد، و كأن كل من الأصوات يحأول أن يثبت أنه الأقوي و الأقدر علي الاستمرار، علت الزغاريد و علت طلقات الرصاص محيية مجيء الفارس، ها قد دخل أدهم إلي الحجرة التي تجلس فيها فاطمة كان شعره مبللا و سترته أيضا، برغم أن الشمسية كانت ما تزال في يده.. مد أدهم يده إلي عروسه قبل أن يجلس.. بينما توجه والدها إليه قائلا أنت مبتل تماما يا بني أخشي إن ظللت هكذا أن تمرض، و أظن من الأفضل أ، نتم الزفاف الآن يا أولاد – ناظرا لابنته التي كانت عينها متعلقة بزوجها – شعر بأن هناك إيماءة رضا عما يقول.

علت الطبول و الزغاريد مختلطة بزخات المطر و الرصاص الذي ينطلق لاسباب مختلفة، و لكن كل هذا لم يكن ليتداري خلفه صوت الفرحة في قلب العروسين حوار جميل بين هذين القلبين دار خلال تلك الخطوات القليلة جدا الطويلة جدا قبل أن يدخلا الغرفة المخصصة لزواجهما :
-  اشتقتك كثيرا يا قلب حبيبي
-  كيف تشتاقني و أنت تقبع في داخلي
-  كنت أخشي أن تنساني، و تلهك منعطفات الحياة.
-  لا تقل هذا لقد غطي حبك كل وجوه بوجه حبيبتي الجميل، هذا الوجه الذي لا يماثله في الجمال غير راية بلادي و هي ترفرف ناعمة بالحرية.
-  فلماذا تأخرت إذن يا حبيبي.
-  كنت استكمل تجهيزي، لأليق بحبك، و حب تلك الأرض.

انغلق باب الحجرة الخاصة بزواجهما و ازداد صوت الطبول و الزغاريد و علا، و علا صوت الرجال بالأناشيد، بينما بدأ دور جديد من الحوار بين العروسين كان قوامه العيون :
-  اشتقت إليك يا عين حبيبتي
-  و أنا اشتقت إليك يا عين حبيبي، كنت دوما أنظر إلي شمسنا، و أدعو الله أن تذكرني كما أذكرك

فجأة بدأ صوت القصف يعلو و يشتد و يقترب من المنطقة، و خفت صوت الرجال بالأناشيد ثم توقف تماما، و علا صوت أحد الرجال من بعيد : أطفئوا النور، و قبل أن يغطي وجه العروس خيبة الأمل و الأسي كان زوجها قد لفها بذراعيه و لفهما سويا الظلام الدامس.
أنة خافتة من فاطمة تختلط فيها كل المشاعر المتضادة الألم و النشوة، و الفرح و الحزن، و الرضا و الشجب، و الخضوع و الثورة.. تصافح رجال العائلة مهنئين والد العروس و انصرفوا تاركين العروسين لبعض الهناء.

قد يكون الليل قد طال بهما، و مع خروج الفجر دوت صرخة أخري، لكن هذا الفجر كان بعد مرور تسعة أشهر كاملة دوت صرخات فاطمة بينما كان والدها يكرر يا لطيف يا لطيف يا لطيف.
-  ماذا حدث يا آية يا بنتي
-  بخير يا عمي بخير
-  يا رب يا بنتي
صرخة أخري، صرخة الإعلان عن الوجود، صرخة تقول أنا هنا نحن هنا جميعا هنا من الأزل و إلي الأبد.
-  آية يا بنتي أذهبي لأدهم عند الغدير إنه يصلي هناك منذ أدرك فاطمة المخاض، رحم الله العايد، كان في نفس المكان ساجدا يوم ولد أدهم

عدي أدهم من حيث الغدير إلي حيث كانت فاطمة تضم المولودة الجديدة، قبل كليهما و جلس بجوار زوجته الحبيبة سألته ماذا أعددت لابنتك كهدية ، ستكون هديتها جاهزة قريبا، فأنا أتمني أن ينمو شجر الزيتون في حديقتنا ثانية و أن تنمو و هي تراه ينمو أمامها، و أن تخرج لتلعب دون أن تخشي من صوت الكلاب

-  ألن تطلعني يا أدهم علي ما تفعله في تلك الحجرة خلف المنزل ؟
-  سأطلعك يا حبيبتي قريبا عندما أصل إلي النتيجة التي أسعي لها، أنا أعرف يا فاطمة أن الكل يلوم علي، و ربما أنت أولهم و لكن تأكدي أنه عم قريب سيكون هناك ما يرضي كل أهلنا، و الآن يجب أن تحصلي علي قسط من الراحة.
خرج أدهم من حجرة فاطمة فوجد أن والدها ينتظره بالخارج و قد أعد الكثير من الكلام ليقوله له، حأول أدهم أن يؤجل الكلام لبعض الوقت بحجة أن لديه ما يعمله لكن الوالد كاد ينفجر و قال له
أسمع يا بني إن المشكلات لا تحل بأن تبقي قابعا في حجرة ضيقة تصلي و تتعبد مختليا بذاتك، لو كانت الصلاة بمفردها تحل المشكلات لما تحرك رسول الله و صحابته خارج المسجد و لما هبوا لمواجهة عدو أو لنصرة مظلوم , هذا خلاصة ما أود قوله لك أنت ابني و ابن أخي و زوج ابنتي و أتمني أن أراك أفضل الرجال.

لم يكن لدي أدهم جواب شافيا لما يريده العم فاعتذر منه و ذهب واعدا بأن يحأول أن يغير من نفسه، في المساء عاد أدهم لينظر زوجته و أبنته و بعد عدة دقائق جاء الوالد ثانية فاستأذن أدهم ليعود إلي خلوته، لم يحأول الأب إخفاء علامات عدم الرضا علي وجهه، بينما خرج أدهم و لم يبد أنه انتبه لذلك.

بعد حوالي نصف ساعة علا صوت الأطفال و هم يجرون يتغنون بهذا الفارس الملثم الذي ظهر معترضا دوريات ذوي الوجوه الحمراء، و رشقهم بحجارة بدت كما القنابل تنفجر بالقرب من سيارتهم و تحرقها، خرج الوالد ليستطلع الأمر، و لكنه لم يجد أكثر مما سمع من الأطفال.

خلال الأيام القلية التالية تكرر هذا الحدث عدة مرات و في مواقع مختلفة جعل الكل يتحدث عن هذا الفارس و ما يفعله دوما و كيف يظهر فجأة كالرمح المسدد و يختفي كالشبح، و الدوريات تجري في كل مكان بحثا عن هذا الفارس، و يقولون أن قنابله لابد أن تكون محلية الصنع، خاصة بعد القبض هذا الضابط الإسرائيلي الذي كان يبيع السلاح للفلسطينيين.

ذات ليلة بينما يجلس الأب في منزله القريب من منزل العايد لمح شبحا يدخل عابرا الحديقة فاقتفي أثره و لكن لم يلحق به أين ذهب هذا الشبح، هل يكون هو ذلك الرجل الذي تتردد عنه الأنباء، من المؤكد أنه هو، بعد قليل دوت الانفجارات فهم الرجل أن هذا الفارس قد يعود ثنية من حيث مر، و لابد أن يلحق به هذه المرة، و لكن حدث ما لم يكن في الحسبان، لقد تم القبض علي والد فاطمة لأنه كان بالخارج بينما الدوريات تبحث عن هذا الشبح، بحجة انه ربما كان يساعد هذا الرجل علي الفرار.

أودع والد فاطمة في أحد الأقسام و في المساء، قام هذا الفارس الملثم بالهجوم علي هذا السجن و تفجيره بحجارته السجيلية، و خلص هذا الرجل و ساعده علي الفرار و بينما هم سويا في طريق الهروب و حيث ظنا أنهما في مبعد عن يد العدو مال كليهما إلي الظل ليلتقط انفاسه، نظر الرجل العجوز هنا و هناك فوجد أنه لا يوجد أحد بالقرب منهم فباغت الفارس الملثم و شد لثامه عن وجهه، و كانت المفاجأة، إنه أدهم.

لم يكد الرجل يصدق عينيه احتضن ابن أخيه و دعا له بالنصرة و سأله لم لم يخبره عما يفعل و تركه يظن به الظنون، فقال له أن هناك سببين الأول أنه ما زال في طور تجريب طريقته لتحضير هذه الحجارة المتفجرة و الثاني أنه يعرف كم تحبه زوجته و كيف ستكون دوما في قلق كلما خرج من المنزل إذا عرفت أنه يفعل ذلك لذا فقد رأي أن يجعلها تظن أنه خاملا عن الأعمال الفدائية و ينام في حجرته الخاصة مختليا عن الناس و متصوفا، أفضل من أن تعيش دوما مترقبة موته أو وقوعه أسيرا لدي العدو.

بعد ذلك قال لعمه أنه لابد أن يعملا سريعا علي نقل كل ما يوجد في الحجرة و القبو مما أعده أدهم إلي مكان آخر فمن الطبيعي أنهم قد يبحثون عن الوالد في منزل ابنته، و في الطريق أخذ أدهم يشرح لعمه فكرة تلك الحجارة السجيلية و كيف قام بإعدادها دون أن يحتاج لأي شئ من خارج تل الرميلة، فالفكرة كلها أنه عرف أن سلطات الاحتلال تفرض الكثير من الرقابة علي المواد القابلة للاحتراق أو الانفجار و يمنعون وصول أقل القليل من تلك المواد، لذا فقد فكر هو منذ وقت طويل في الحصول علي مواد قابلة للانفجار من مصدر يكون بعيد تماما عن فكر العدو و لا يمكنهم منعه عنهم.

ولما كانت المادة المتفجرة تحتاج لبعض المركبات الكيميائية يتم خلطها سويا فقد عمل هو علي الحصول علي تلك المواد من مصادر موجودة في البيئة، فمثلا نحتاج لأحد مركبات النيتروجين و هو ما قام بالحصول عليه من جذور بعض النباتات و من البول الإنساني و الحيواني و الأسمدة إذا توفرت، كما نحتاج أيضا لمادة الجلسرين وقد استعاض عنها يزيت الزيتون، الذي يحصل عليه من الشجرة العتيقة، و من الأشجار المنتشرة في تل الرميلة.

و بعد ذلك يبقي البنزين، و هذا في بعض الأحيان يمكن الحصول عليه أو الاستعاضة عنه بنوع من الكحول الذي قام بإعداده بتخمير بعض النباتات و الألياف و إنتاج الكحول منها، و بهذا يكون لدينا مكونات المواد التي يمكنها إنتاج المتفجرات و علينا أن نخلطها بنسب ما ، و هذه النسب نعرفها بالتجربة لأننا نفتقر إلي التقنية، و بعد ذلك أضع الحجارة في تلك المحاليل فتتشبع بها و تصبح قابلة للانفجار أو علي الأقل محدثة للحريق، و هذا أيضا يا عمي الذي جعلني أقوم بالتجربة بنفسي في البداية و بعد ذلك عندما نحصل علي النسب الدقيقة و الآمنة سأجعل كل الحجارة التي في أيدي صبية فلسطين أحجار سجيلية.

بعد عدة أيام كانت كل الرميلة مليئة بأنباء هذا الشبح الذي ينتقل من شرق المدينة لغربها في سرعة البرق و هناك أنباء أخري تقول أنه ظهر في عدة أماكن في نفس الوقت، و أصبح من الجلي أن هذا الرجل أصبح عدة رجال و ليس رجل واحد.

و في أحد الليالي بينما كانت فاطمة لا تجد للنوم سبيلا جلست في الشرفة، فإذا بها تلمح اربعة اشباح تمر عبر الحديقة عن بعد يبدو أن أحدهم مصاب أصابة بالغة و الآخرين يساعدونه، لكنهم تركوه و عادوا، ظنت فاطمة أن عيني الشبح قد التقت بعينها و أنها رأت ما في عينه من ألم، تمنت أن تتمكن من مساعدته، خرجت من المنزل و بحثت عنه هنا و هناك، لقد اختفي الشبح، ذهبت لزوجها في خلوته، نادته لتسأله إن كان قد سمع شيئا في الحديقة، فأزاح عنه الغطاء وقال لها تعالي يا فاطمة فالباب مفتوح، دخلت لتخبره بأنها رأت هؤلاء الفرسان يعبرون عبر حديقتهم، و لكنها فوجئت بوجود قطرات دم علي الأرض، ما هذا، أنت جريح كشفت الغطاء عن صدره، فوجدت أثر لطلق ناري قد اخترق الصدر، أخبرها أدهم بكل ما قد أعده لأجل الوطن و أنه كان يتمني أن يري يوم الخلاص، و أنه لم يشأ اخبارها بذلك حتى لا تكون دوما في قلق، و أنه و رفاقه قد آلوا علي أنفسهم ألا يجلعوا للعدو لحظة يجد فيها الراحة، و أن ينفذوا دوما العديد من العمليات في مواقع مختلفة، و لكن يبدو أن موقعا ما سيكون خاليا فيما بعد، ضمت فاطمة زوجها و حبيبها إلي صدرها ضمة الوداع و هي تقول، لا يا أدهم لن يكون الموقع خاليا أبدا.

أغلقت فاطمة النافذة وهي تجهش بالبكاء، كانت دموعها تتساقط سيلا منهمرا.. داهمتها ذكريات الأمس القريب حين كانت تجلس معه في الشرفة المطلة علي غابات الزيتون في "تل الرميدة" في مدينة الخليل تصغي بنشوة فائقة إلي ما يفضي به بصوته الهادئ عن أحلامه الوردية محلقا بخياله في فضاء الأمنيات، وكانت طفلتهما (غدير) بضفائرها المستلقية ببراءة علي كتفيها تعبث بلعبتها، تلك العروس الشمعية ذات الشعر الأشقر، سعيدة بما تنطق به آلة التسجيل في داخلها من بكاء طفولي تارة وقهقهة تنم عن فرح بريء تارة أخري.

ولم يكن من الممكن وهي في حالة من الذهول التام أن تصدق أن ما رأته هو نعش زوجها محمولا علي أكف رفاقه في ذلك الموكب المهيب، وهو الذي كان يحلم برؤية الخليل خالية من تلك السحن الغريبة..

كانت الجماهير الغاضبة تنادي بالثأر وتموج بالثورة حين رشقها أصحاب الوجوه المصطبغة بحمرة الشر بزخات من الرصاص، ولكن المسيرة لم تتفرق أو تتوقف في الوقت الذي كان فيه نباح الكلاب يتعالي

صوت فيروز يهدر
الغضب الساطع آت و أنا كلي إيمان
الغضب الساطع آت سأمر علي الأحزان.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى