الثلاثاء ٣٠ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١٠
بقلم محمد رشد

رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح

ميلاد فنان:

" لم أصدق عيني وأنا ألتهم سطور هذه الرواية وأتنقل بين شخصياتها النارية العنيفة النابضة بالحياة، وأتابع مواقفها الحارة المتفجرة، وبناءها الفني الأصيل الجديد على الرواية العربية.. لم أتصور أنني أقرأ رواية كتبها فنان عربي شاب، ولم أتصور أن هذه الرواية الناضجة الفذة – فكراً وفناً – هي عمله الأول."

رجاء النقاش.

على سبيل التقديم:

حظيت رواية الطيب صالح هاته بأهمية بالغة، لازمتها منذ نشرت كاملة بالعدد الأول من مجلة" حوار" لصاحبها الشاعر الفلسطيني، وصديق الطيب صالح توفيق صايغ. و قد تناولتها دراسات متعددة من جوانب مختلفة، انطلاقا من غناها الموضوعاتي و الدلالي و السياسي و الفني، الذي لا يختلف عليه دارسان، و إن اختلفا حول مدى جرأتها أو تجرئها.

على سبيل التوضيح:

قبل الشروع في مقاربة هذا العمل، أرى واجبا أن أبين بعض النقاط المنهجية، و منها:

هذه الدراسة فصل من بحث لنيل شهادة الإجازة في الأدب العربي، برسم السنة الجامعية 1981/1982

إن الإيمان بوجود قراءات متعددة لأي نص إبداعي يدفعني إلى الإشارة إلى أن هذه المقاربة لن تنصب إلا على جانب واحد هو علاقة الأنا / الآخر في هذه الرواية.
إن أي تناول لهذا العمل الروائي يجب ربطه بالشروط السوسيوتاريخية و الاقتصادسياسية التي عاشها العالم العربي منذ كتابة هذا العمل.

إن هذه الرواية تتميز عن غيرها بكونها نموذجا من إفريقيا ( السودان) مما يجعل أبطالها " عربا أفارقة".

إن عنصر "اللون" قد أضيف إلى مكونات بطل الرواية مما سينتج نتائج مغايرة لمن سبقه من أبطال عاشوا ظروفا شبيهة بظروفه، كما في ( الحي اللاثيني) و (عصفور من الشرق) و ( قنديل أم هاشم). و سنتطرق لهذه الأعمال في دراسات لاحقة إن شاء الله.

عالم الرواية:

إن تتبع أحداث الرواية تبرز لنا شخصية " مصطفى سعيد " شخصية رئيسية و أساسية فيها، رغم أن الطيب صالح لم يرد له أن يكون كذلك، يقول:" أنا لا أعتقد بأن مصطفى سعيد هو الشخصية الرئيسية في الرواية، فالمشكلة هي مشكلة الراوي، و مصطفى سعيد جانب من جوانب مشكلة الراوي، و لكن هذه الشخصية استأثرت بالرواية كلها." (1).

يعتبر مصطفى سعيد من أهم " الشخصيات في الرواية العربية، إنها شخصية شديدة التوتر"(2)، و يبدو هذا التوتر جليا من خلال استعراض أحداث حياته: "مصطفى سعيد من مواليد الخرطوم، 16 أغسطس 1888.. الأب متوفي، الأم فاطمة عبد الصادق"(3)، فهو إذن يتيم مات أبوه قبل ولادته، و لم يبق له في الدنيا سوى أمه التي" كانت كأنها شخص غريب جمعتني به الظروف صدفة في الطريق"(4). ظروف مصطفى سعيد هاته جعلته يحس إحساسا غريبا بأنه حر وأنه مختلف، ليس كبقية الأطفال في سنه، لا يؤثر فيه أي شيء: لا يبكيه الضرب، لا يفرحه الإطراء، لا يؤلمه ما يؤلم الآخرين، كان كما شبه نفسه" مثل شيء مكور من المطاط تلقيه في الماء فلا يبتل، ترميه على الأرض فيقفز."(5)

دخل المدرسة بمحض إرادته، في حين كان الناس وقتئذ يرون في الدراسة شرا عظيما صاحب الاستعمار، فكانوا بسبب ذلك يخفون أولادهم حتى لا يلتحقوا بالمدرسة. تعلم مصطفى سعيد الكتابة في أسبوعين، فقد كان ذا عقل خارق، و قدرة عجيبة على الحفظ و الاستيعاب و الفهم، و طوى المرحلة الأولى في عامين، انتقل بعدها إلى المدرسة الوسطى حيث اكتشف " ألغازا أخرى منها اللغة الإنجليزية"(6)التي راح يلتهمها التهاما، بعد هذه المرحلة، ساعده ناظر المدرسة على الذهاب إلى القاهرة لمتابعة دراسته الثانوية، فودع أمه و كان وداعا غريبا" لا دموع، و لا ضوضاء، مخلوقان سارا شطرا من الطريق معا، ثم سلك كل منهما سبيله"(7)، كان هذا آخر عهده بأمه التي لن يراها بعد ذلك أبداً.

وصل مصطفى سعيد إلى القاهرة حيث عاش في كنف أسرة (روبنسون) التي عاملته معاملة حسنة، " لقد كان موزي (= مصطفى سعيد) أعز شخص بالنسبة لي و لزوجي" (8)، هذا ما قالته عنه (مسز روبنسون)في رسالتها إلى الراوي. كان (مستر روبنسون) مستشرقا يهتم بحضارات الشرق، و يبحث عن المخطوطات الناذرة ليحققها، أحب الشرق لأنه اطلع على جوهره، فكان أن اعتنق الإسلام، و لما مات دفن في المدينة التي أحبها أكثر من غيرها، القاهرة. و كانت (مسز روبنسون) بمثابة الأم الروحية لمصطفى سعيد، استمرت تحبه حتى في أحلك مراحل حياته حين تخلى عنه الجميع، فوجد عندها الملاذ و الملجأَ. تميزت حياة مصطفى سعيد بالقاهرة بكونه كان خاليا من المرح، ل يستطيع أن ينسى عقله أبدا، كان آلة صماء، كما وصفته زميلته إذَّاكَ.

بعد القاهرة يهاجر مصطفى سعيد نحو لندن، التي تمتع فيها بشهرة واسعة حيث وصل إلى أرقى الدرجات العلمية، و أصبح دكتورا لامعا في الاقتصاد، و مؤلفا مرموقا في الأدب، و مدرسا فذا في الجامعة، بلغ كل هذه الدرجات و هو بعد لم يتجاوز سن الرابعة و العشرين من عمره. لم تقتصر شهرة مصطفى سعيد على الميدان المعرفي بل تعدته إلى النساء، فقد "كا ن زير نساءٍ"(9)، ففي الفترة ما بين (أكتوبر 1922) و ( فبراير 1923) كان يعيش مع أربع نساء في آن واحدٍ:

فقد عرف مثلا (آن همند) التي كانت ابنة ضابط في سلاح المهندسين، أمها من العوائل الثرية في لفربول، و عمتها زوجة نائب في البرلمان، قضت (آن همند) طفولتها في مدرسة للراهبات، و التحقت بعدها بجامعة أكسفورد لدراسة اللغات الشرقية، كانت تحن إلى الشرق، و كانت مترددة بين اعتناق البوذية أو الإسلام، تعرفت إلى مصطفى سعيد لأنه حرك فيها هذا الحنين إلى الشرق عن طريق أشعار المجون لأبي نواس، و كذبه و تلفيقه. في علاقتها بمصطفى سعيد تقمصت شخصية الجارية (سوسن) و لعب هو دور السيد، لكنها في النهاية انتحرت بالغاز تاركة ورقة صغيرة باسم مصطفى سعيد فيها هذه العبارة" مستر سعيد. لعنة الله عليك".

و عرف (شيلا غرينود) التي كانت " بسيطة حلوة المبسم، حلوة الحديث، أهلها قرويون من ضواحي (هِل) "(10) كانت تعمل في مطعم في (سوهو) بالنهار، و بالليل تواصل الدراسة في البوليتيكنيك، و " كانت ذكية تؤمن بأن المستقبل للطبقة العاملة، و أنه سيجيء يوم تنعدم فيه الفروق، و يصير الناس كلهم إخوة." (11)، أحبت مصطفى سعيد، برغم أنها كانت تعلم أن مجتمعها لن يغفر لها حبها لرجل أسود لكنها رأت في هذا السواد لون السحر و الغموض و الأعمال الفاضحة، لكن برغم هدا كله انتهى بها المطاف إلى الانتحار.

و عرف كذلك زوجة جراح ناجح، و أمّاً لابنتين و ابن، كانت تدعى (إيزابيلا سيمور) " تذهب للكنيسة صباح كل أحد بانتظام ، و تساهم في جمعيات البر" (12)، كانت تشتاق إلى إفريقيا، فوجدت ضالتها في مصطفى سعيد الذي لفق لها الأكاذيب و صور لها بلاده كأنها غابة تسرح فيها الوحوش التي لا وجود لها، قال لها إن شوارع عاصمة بلاده تعج بالأفيال و الأسود و تزحف عليها التماسيح عند القيلولة، وصف لها بيته فقال: " أجل، بيتنا على ضفة النيل تماماً، بحيث أني كنت إذا استيقظت على فراشي ليلا، أخرج يدي من النافذة و أداعب ماء النيل حتى يغلبني النوم."(13)، أحست بأن مصطفى سعيد منحها السعادة الأبدية، فأحبته، مضحية بأسرتها و التزاماتها، لكن هذه السعادة لم تدم، فانتحرت ( إيزابيلا سيمور) و تركت رسالة تقول فيها:" إذا كان في السماء إله، فأنا متأكدة أنه سينظر بعين العطف إلى طيش امرأة مسكينة لم تستطع أن تمنع السعادة من دخول قلبها، و لو كان في ذلك إخلال بالعرف و جرح لكبرياء زوجٍ، ليسامحني الله و يمنحك من السعادة مثلما منحتني." (14).

ثم عرف (جين مورس) التي لبث يطاردها ثلاث سنوات، أذاقته خلالها شتى أصناف الإهانة و الاحتقار، كانت تقول له :" أنت بشع، لم أر في حياتي وجها بشِعاً كوجهك. "(15)، ضحى بكل شيءٍ من أجل نيلها : ضحى بكرامته و إنسانيته و ضحى بزهرية ثمينة، و مخطوط عربي ناذر و مصلاة من حرير اصفهان، و أخيرا قالت له: " أنت ثور همجي لا يكل من الطراد، إنني تعبت من مطاردتك لي، و من جريي أمامك، تزوجني."(16)، فتزوجها و ظن أنه بذلك سينهي مأساته و مِحَنَهُ، لكن الأمور زادت تعقيدا بعد الزواج، فقد بقيت تعامله على أساس أنها أوروبية و هو إفريقي أسود، و أنها زوجته دون أن يكون هو زوجها، و أنها تستطيع الاستغناء عنه في أي وقت شاءت، كل هذه التصرفات اجتمعت لتدفع مصطفى سعيد لقتل (جين مورس)، مما أدى به لقضاء سبع سنوات في السجن، خرج بعدها ليتشرد " في أصقاع الأرض من باريس إلى كوبنهاجن إل دلهي، إلى نانكوك."(17)، عاد بعد هذا التشرد إلى إحدى القرى السودانية حيث اشترى أرضا تفرق وارثوها، و تزوج (حسنة بنت محمود) التي أنجبت له ولدين، و اندفع في حياة أهل القرية يشاركهم أعمالهم بانتظام و يسارع بذراعه و قدمه في الأفراح و الأتراح، و إن كان يخفي عنهم ماضيه، فاكتسب بتصرفاته و بآرائه السديدة احترام و إعجاب أهل القرية بالرغم من أنه ليس ابن البلدة.

و يعود الراوي، و هو شخصية من شخصيات الرواية، من رحلته إلى لندن التي دامت سبع سنوات، و يتعرف على مصطفى سعيد الذي يحكي له عن هجرته إلى لندن. و عند هذا الحد يتدخل الطيب صالح ليحكم بموت (مصطفى سعيد)، فيموت (مصطفى سعيد) غرقا في مياه النيل في إحدى فيضاناته، و هنا يبتدئ دور الراوي، الذي يعتبر استمرارا لمصطفى سعيد " إنني ابتدئ من حيث انتهى مصطفى سعيد."(18)، و إلا فلماذا يوكله هذا الأخير على أمواله و أولاده و امرأته من دون بقية الناس الذين كان يعرفهم قبله؟، و لماذا تفضل (حسنة بنت محمود) أرملة (مصطفى سعيد) الراوي على جميع من تقدموا لخطبتها، و حين أرغمها أهلها على الزواج من (ود الريس) قتلته و انتحرت؟ لو لم تكن قد رأت في الراوي استمرارا لزوجها الذي لقحها بأفكاره و مدنيته، فلما مات أرادت أن تستمر في نفس الطريق الذي بدأته معه ، و لم يكن ( ود الريس) ليمثل لها المعين و المساعد.

علاقة الأنا / الآخر في الرواية:

يمثل هذه العلاقة (مصطفى سعيد) في نظرته إلى كل من: (مسز روبنسون) و النساء الإنجليزيات، و تتخذ هذه العلاقة وجهين:

مصطفى سعيد و مسز روبنسون: يتميز مصطفى سعيد بكونه " بلا ماضٍ، و بلا عائلة أو قرية ، و أسرته الإنجليزية في القاهرة لم تكن أكثر من مرحلة قبل الوصول إلى لندن"(19)، في القاهرة عرف مصطفى سعيد لأول مرة المرأة الغربية متمثلة في (إيليزابيت) التي كانت بمثابة أمه الروحية، أقامت معه علاقة حب إنسانية، " لقد أحبته كجزء من حبها للشرق، و فهمها له... و من الواضح أن إيلزابيت قد تدربت كثيرا حتى استطاعت أن تصل إلى هذا المستوى من العاطفة النقية الصافية... لقد عاشت في القاهرة طويلا مع زوجها، و تعلمت العربية ، و عاشرت الناس في الشرق و أحبتهم، لقد اكتشفت الشرق من جانبه الإنساني لا من جانبه الجسدي و المادي، و لذلك أحبت مصطفى سعيد و وجدت سعادة غامرة في هذا الحب، و لم تطلب نت مصطفى سعيد شيئا، بل كانت تساعده كلما احتاج إلى المساعدة، إن لذتها الكبرى هي في هذا الحب الصافي نفسه، و في اكتشافها لروح الشرق الجميل: بتراثه و تاريخه و شمسه و ناسه، و لقد نظرت إيلزابيت إلى مصطفى سعيد في ضوء رؤيتها للشرق كله"(20). لقد حقنت إيلزابيت بحقنة الشرق المليئة بالطيبة و الإنسانية، فاحتفظت بحبها لمصطفى سعيد حتى في أحلك أيامه" يوم حكموا عليَّ في (الأولد بيلي) بالسجن سبع سنوات، لم أجد صدرا غير صدرها أسند رأسي إليه، ربتت على رأسي و قالت:" لا تبك يا طفلي العزيز""(21).

مصطفى سعيد و النساء الإنجليزيات:بعد القاهرة يهاجر مصطفى سعيد إلى لندن " و لندن في الرواية مدينة ذات بعدين، لندن العلم و لندن الاستعمار، و قد حارب مصطفى سعيد في كلتا الواجهتين: فقد بلغ أرقى الدرجات العلمية إذ تمكن من الاقتصاد و حذق الأدب، و أصبح مدرسا لامعا بإحدى جامعات إنجلترا " فدراسة .. الاقتصاد تعني أن الإنسان الإفريقي الجديد قد وضع يده على علم هذا العصر أو مفتاح العلوم في هذا العصر، و اتساع ثقافته بحيث تشتمل على ألوان من الآداب و الفنون معناها أنه لم يقف عند تطوير عقله و حسب بل تعدى ذلك إلى تطوير وجدانه، و أكثر من ذلك إلى اتخاذ موقف كياني من قضايا الواقع حوله"(22) أما اشتغاله بالتدريس فمعناه أن هذا الإنسان الإفريقي لم يعد مجرد مستهلك بل هو كذلك منتج و مغذٍّ، و أنه يستطيع الآن أن يثأر لماضيه، فلقد حمل مصطفى سعيد معه في هجرته مواقف الماضي منذ دخل الرومان قرطاجة إلى أن" جيء لكتشنر بمحمود ود أحمد و هو يرسف في الأغلال بعد أن هزمه في موقعة (اتبرا)، قال له: " لماذا جئت بلدي تخرب و تنهب؟" الدخيل هو الذي قال ذلك لصاحب الأرض، و صاحب الأرض طأطأ رأسه و لم يقل شيئاً"(23)، يضاف إلى هذا عنصر اللون الذي يبدو عنصرا جديدا كون مصطفى سعيد إفريقي من السودان، فــ" مشكلة البشرة السوداء هي التي تعطي للتجربة الإنسانية عمقا و عنفاً، بل و تمزجها بنوع خاص من المرارة... و عنصر اللون له أهميته الكبرى، فالبشرة السوداء أكثر من غيرها هي التي انصب عليها غضب الغربيين، و حقدهم المرير، و هي التي تفنن الغرب في تجريحها إنسانيا قبل أن يكون هذا التجريح سياسيا أو اقتصاديا أو ثقافيا.إن الإنسان الأسود قد عاش قرونا من التعذيب و الإهانة على يد الغرب، و تركت هذه القرون في النفس الإفريقية جروحا لا تندمل بسهولةٍ." (24) لقد اجتمعت كل هذه العناصر لتجعل من الصدام الذي وقع بين مصطفى سعيد (الأنا) و الغرب ( الآخر)، صداما مدويا و عنيفا. لقد أدرك مصطفى سعيد أن الغرب معتدٍ و أن الشرق معتدىً عليه، أن الغرب غازٍ و أن الشرق مغزوٌّ، أراد مصطفى سعيد أن يرد الاعتبار لشرقه، لذاته، و أن يقلب المعادلة، فأطلق صيحته " إنني جئتكم غازيا"(25) و الغازي لا يُهزَمُ. و كان على مصطفى سعيد أن يحدد سلاح المواجهة، لأن الغرب حدد مكانها ( لندن)، فاختار الغازي الجنس سلاحا، عندئذ تحددت المرأة كطرف مقابل ممثل للغرب في صدامه مع الذات (الشرق). لقد استعمل الطيب صالح كلا من ( آن همند و شيلا جرينود وإيزابيلا سيمور ) كتمهيد لعلاقة مصطفى سعيد بـ (جين مورس)التي تجمع كل الخصائص التي مثلتها الغربيات الثلاث الأخريات.

فــ (آن همند) بورجوازية الأصل مادية في عشقها إذ كانت تحب "رائحة الأوراق المتعفنة في غابات إفريقيا، رائحة المانجا و الباباي و التوابل الإستوائية، رائحة الأمطار في صحاري بلاد العرب" (26)، غير مستقرة عقائديا، فقد " كانت مترددة بين اعتناق البوذية أو الإسلام" (27) قامت علاقتها مع مصطفى سعيد على الكذب، هذا الكذب الذي يتخلل " جميع مستويات الرواية في أشكال مختلفة، منه اعتراف مصطفى سعيد نفسه بأنه أكذوبة " (28)، فقد سخر مصطفى سعيد من عقلية الغربيين حين لفق لهم الأكاذيب حول شخصية أبي نواس و شعره، الذي جذب ( آن همند) و شدها إلى مصطفى سعيد الذي عاشت معه إلى أن انتحرت تاركة عبارة معبرة عن شعورها تقول فيها: " مستر سعيد . لعنة الله عليك ". و اللعنة اعتراف قبل أن تكون تملصا و استنكارا، لقد اعترفت بحبها لمصطفى يعيد، لكنها كانت تطمح أن يدوم فلما قلب لها مصطفى ظهر المجن و أدركت أنها ضحية فبل أن تكون مُستغِلَّةً، فضلت الانتحار على القبول بالهزيمة أمام هذا الإفريقي الأسود.

و (شيلا جرينود ) رغم كونها تحمل أفكارا إنسانية سامية، فقد صاغ الطيب صالح من خلالها أهجية للفكر الماركسي إذ اعتبره فكرا غربيا، شأنه شأن الأفكار الغربية الاستعمارية " إنني أعتقد بأن الفكر الماركسي هو جزء من الفكر الأوروبي الغربي " (29) هذا ما قاله المؤلف في استجواب أجرته معه مجلة " أقلام العراقية". كانت (شيلا ) تؤمن بأن المستقبل البشري سيكون أكثر عدالة، و ستسوده علاقات أخوية حين تسيطر عليه الطبقة العاملة. كانت بحبها لمصطفى سعيد قد حطمت ركنا من أركان مجتمعها، و هو الميز العنصري، فقد كانت تقول لمصطفى سعيد: " أمي ستجن، و أبي سيقتلني، إذا علما أنني أحب رجلا أسود، و لكنني لا أبالي" (30) لكنها برغم وعيها هذا فإنها لم تستطع التخلص من علاقات مجتمعها، فلم تستطع أن تقيم علاقة طبيعية خالية من الاستغلال و الميز مع مصطفى سعيد،فقد تجسد هذا الاستغلال في كونها استغلته جنسيا فحسب.

أما ( إيزابيلا سيمور) فقد كانت مسيحية متدينة، قضت أحد عشر عاما في حياة زوجية سعيدة، ظانة أن الحياة هي كل ما ترى و تعيش، إلى أن تعرفت على مصطفى سعيد الذي فتح لها بابا جديدة بأكاذيبه، فغير حياتها إلى درجة أصبحت معها تكفر بإلهها و تعتبر مصطفى سعيد إلهها الأوحد، و تقول له : " المسيحيون يقولون إن إلههم صلب ليحمل وزر خطاياهم . إنه إذن مات عبثا . فما يسمونه الخطيئة ما هو إلا زفرة الاكتفاء بمعانقتك، يا إله وثنيتي. أنت إلهي و لا إله غيرك. "(31) ، و عاشت معه إلى أن انتحرت، فقال زوجها إنها انتحرت بسبب السرطان، فهل صحيح أن السرطان هو دافعها إلى الانتحار أم خدعة مصطفى سعيد؟.

لقد لعب بيت مصطفى سعيد في لندن، دورا بارزا في جذب فتيات إنكلترا، أما غرفة النوم فكانت بمثابة منوم مغناطيسي. فالبيت كان وكرا للأكاذيب الفادحة، يحوي " الصندل و الند وريش النعام و تماثيل العاج، و الأبنوس و الصور و الرسوم لغابات النخل على شطآن النيل، و قوارب على صفحة الماء أشرعتها كأجنحة الحمام و شموس تغرب على جبال البحر الأسود، و قوافل من الجِمال تخب السير على كثبان الرمل على حدود اليمن، و أشجار التبلدي في كردفان، و فتيات عاريات من قبائل الزاندي و النوير و الشلك، حقول الموز و البن في خط الاستواء، و المعابد القديمة في منطقة النوبة، الكتب العربية المزخرفة بأغلفة مكتوبة بالخط الكوفي المنمق، السجاجيد العجمية و الستائر الوردية، و المرايا الكبيرة على الجدران، و الأضواء الملونة في الأركان"(32) . إذا كان هذا هو بيت مصطفى سعيد فإن غرفة نومه التي خرجت منها النساء الإنجليزيات و هن تحملن الجرثومة التي أودت بحياتهن، تعتبر بحق مقبرة" غرفة نومي مقبرة، تطل على حديقة ، ستائرها وردية منتقاة بعناية، و سجاد سندسي دافئ، و السرير رحب مخداته من ريش النعام، و أضواء كهربائية صغيرة، حمراء و زرقاء و بنفسجية، موضوعة في زوايا معينة، و على الجدران مرايا كبيرة، حتى إذا ضاجعت امرأة بدا كأنني أضاجع حريما كاملا في آن واحد. تعبق في الغرفة رائحة الصندل المحروق و الند، و في الحمام عطور شرقية نفاذة، و عقاقير كيماوية و دهون و مساحيق وحبوب." (33) . إن هذه الغرفة " لم تكن غرفة شرقية عادية بل كانت على نحو ما يتخيل الغرب، غرفة نمطية ساحرة" (34).

هذه الغرفة هي التي شهدت موت (جين مورس) التي مثلت المأساة بالنسبة لمصطفى سعيد " و قادني النداء الغريب إلى ساحل دوفر، و إلى لندن، و إلى المأساة" (35)، لقد رأى مصطفى سعيد في (جين مورس) قدره و هلاكه، و قد لخص رجاء النقاش موقف كل من مصطفى سعيد و (جين مورس) في علاقتهما قائلا: " ظل في البداية يطاردها و ترفضه رفضا كاملا و أخيرا طلبت منه أن يتزوجها، و تم الزواج بالفعل، و لكنها تعودت على أن تثيره بشتى الوسائل و الأساليب العنيفة و دون أن تسمح له بالاقتراب منها، إنها تشتهيه و تحتقره في نفس الوقت، تريده و تنكر على نفسها أنها تريده، و ظلت هكذا تعذبه و تعمل على تهديم أعصابه بلا رحمة، حتى هددها بالقتل فلم تعبأ بالتهديد"(36) لأنها كانت تراه غير قادر على تنفيذه، إلا أن مصطفى سعيد اختار ساعة الامتلاك لتكون ساعة الثأر و الانتقام. يقول عن هذه اللحظة : " فكأننا فلكان في السماء اشتبكا في ساعة نحس " (37)، لقد قتل مصطفى سعيد ( جين مورس) لأنها رفضت عرضه بإقامة علاقة إنسانية بينهما " فقد أدمنت جسده إدمانا شديدا جعل علاقتها به كالفعل المنعكس الشرطي الذي لا يرتفع إلى الوظائف العليا من الدماغ.. و لذلك لم تكن تنسى غريزيا و على المستوى البيولوجي أنها أوروبية و هو أسود، و أنها زوجته دون أن يكون هو زوجها، فهي قادرة على الاستغناء عنه في أي وقت، و قادرة على الاحتفاظ به كيفما تشاء. و على هذا الأساس حرصت على أن تستثيره و تهينه و تذيقه ألوان العذاب، بقصد تحطيم الإنسان في داخله، و إشعاره دوما بأنه من عنصر أدنى، و أن الشرق شرق و الغرب غرب، و ليس من اليسير أن يلتقيا" (38) لكنهما حين التقيا، كان لقاؤهما إيذانا بالكارثة.
يظل هناك سؤال يفرض نفسه : ماذا نستخلص من علاقات مصطفى سعيد هذه؟
إن العلاقة بـ (إيليزابيت روبنسون) هي العلاقة الإنسانية الوحيدة التي ربطها مصطفى سعيد بالمرأة الغربية، و هذا ناتج عن عيشها في الشرق و إدراكها لروحه.

إن مصطفى سعيد هو أول سوداني درس في إنكلترا، و أول سوداني تزوج إنكليزية، و أول سوداني أصبح محاضرا في إنكلترا، هذه الأوليات تحدد الإطار التاريخي و الذي هو بداية الاتصال بالغرب في العصر الحديث، و أول اتصال يتخلله دائما صدام و صراع.
إن ما حكم علاقات مصطفى سعيد في لندن هو الجانب الجسدي المادي، إذ لم ترْقَ أي من علاقاته إلى مستوى الحب الحقيقي فقد كانت النساء يعتبرنه قوة بدائية وافدة من إفريقيا يجب استغلالها لتعويض النقص الذي لم يستطع الشباب الغربي ملأه نظرا لضعفه الجنسي، " إن مصطفى سعيد بالنسبة إليهن ليس إنسانا يستحق علاقة عاطفية كاملة بكل جوانبها الروحية و المادية معا، فهو كائن غريب، يحمل رائحة الشرق النفاذة، و هو حيوان إفريقي يستحق أن تلهو به هؤلاء الفتيات و يستمتعن به فقط" (39) فافتقدت بذلك هذه العلاقات شروط تحققها و منها: التوازن و المساواة، فكانت مبنية على الوهم و الخداع كعلاقة المُسْتَعْمِر بالمُسْتَعمَر، يُظهِر له الحب لأجل أن يستغله، فلقد أقبلت نساء لندن على مصطفى سعيد كما يقبل " الذباب على قطعة الحلوى" إن صح التعبير. لقد أصبحت العلاقة بين الشرق و الغرب ثلاثية الأطراف و لم تعد ثنائية، و يمكن إيضاحها على الشكل التالي

الشرق الوهم الغرب. بدلا من : الشرق الغرب

الارتباط بالذات:

إذا كان " تطرف مصطفى سعيد – في الغرب – هو رد فعل حضاري داخل منطق و ثقافة الغرب"(40)، فإن علاقته بالشرق ستكون موازية لما كانت عليه في الغرب، و يأتي هذا التغيير نتيجة لوعيه بأن الإنسان الإفريقي الجديد لن يستطيع تأكيد ذاته و إبراز وجوده الحقيقي إلا من خلال ظروفه الاجتماعية و التاريخية، أو من خلال إطاره الحضاري العام، لذا نجده قد عاد إلى الأرض الأم ليعيش في القرية " كفلاح و مثقف يجمع بين اطلاع حسن في الثقافة العامة و بين حس غريزي بأنه كالآخرين يفكر مثلهم... و لا يؤمن بغير العلم لرفعة الوطن"(41) . في هذه القرية " اشترى مزرعة و بنى بيتا و تزوج بنت محمود"(42)، فكونه اشترى مزرعة يعني أنه اهتدى إلى الوسيلة الإنتاجية التي بواسطتها سيتقدم مجتمعه باعتياره مجتمعا زراعيا، و البيت رمز الاستقرار، لأنه لا يوجد تقدم بدون استقرار، أما الزواج فهو ضمان لاستمرار هذا التقدم.

فالعلم لا يكون فعالا إلا إذا استغل من أجل التطوير، و خرج عن نطاق الجامعات و التنظير، و مصطفى سعيد وظف علمه في المشروع الزراعي، و قد اعترف محجوب للراوي بمجهود مصطفى سعيد المحمود فقال: " هل تعلم؟ لقد ساعدنا مساعدة قيمة في تنظيم المشروع. كان يتولى الحسابات. خبرته في التجارة أفادتنا كثيرا. و هو الذي أشار علينا باستغلال أرباح المشروع في إقامة طاحونة للدقيق... و هو الذي أشار علينا أيضا بفتح دكان تعاوني. الأسعار الآن عندنا لا تزيد عن الأسعار في الخرطوم... المشروع يملك اليوم عشرة لواري تجلب لنا البضائع كل يوم و الآخر مباشرة من الخرطوم و أم درمان. و رجوته أكثر من مرة أن يتولى الرئاسة و لكنه كان يرفض و يقول إنني أجدر منه."(43).

أما علاقة مصطفى سعيد بحسنة بنت محمود فتأتي موازية لعلاقاته في الغرب، فقد أحبته حسنة حبا مبنيا " على الاقتناع و المساواة و الرغبة الصادقة في إقامة علاقة إنسانية صحيحة، و مصطفى سعيد - في علاقته هذه – معشوق حقيقي بسبب صفاته الأصيلة، مثل ذكائه و عمق شخصيته، و حبه للقرية، و قدرته على العمل و الانتاج، إنه ليس ما كان عليه في أوربا: حيوانا عنيفا متوحشا، تجري وراءه الفتيات لغرابته و شذوذه، إنه هنا إنسان طبيعي"(44)، لقد أثمرت هذه العلاقة، إذ أنجبت حسنة طفلين، بخلاف علاقاته في لندن التي لم تثمر شيئا، و هذا معناه أن الجنس وحده ليس كافيا لإنجاح العلاقة بل لا بد من روابط إنسانية طبيعية، و الإنجاب دليل قاطع على صحة العلاقة. لقد أثر مصطفى سعيد في حسنة بنت محمود لدرجة أصبحت معها " كأنها شخص آخر"(45)، كما أنه أخلص في حبه لها، فأخلصت هي لذكراه، فحين أراد ( ودالريس) الزواج منها – تمشيا مع مبدإ استعباد المرأة القائم في القرية – رفضت الارتباط به، لأنها كانت قد وضعت حدا لتخلف بنات جنسها، بحكم علاقتها مع مصطفى، و لأنها كانت تسعى إلى تحطيم جدار التقاليد الموروثة التي تكبل مجتمع السودان، و تغوص به في لجات الجهل و التخلف الفكري، و حين أُجبرت على الزواج منه – و هو يمثل الجانب المتخلف في الذات السودانية- قتلته، لأنه أراد أن يسلبها إنسانيتها أولا ثم طموحها المتولد من علاقة سامية مكتملة يسودها الوفاء و التفاهم، أما انتحارها فينطوي على رفض لمعطيات مجتمع أدانها بقسوة و رأى تصرفاتها شنيعة لا تغتفر. إن قتلها ( ود الريس) جاء من قناعتها، و ليس كما قال الأستاذ عبد الكريم غلاب من " أن فكرة الأوربي عن الإفريقي سممت قلم الكاتب، فجعل الأرملة حسنة بنت محمود تنهي حياتها بجريمة مروعة لم تعرف القرية مثيلا لها. فهو ( يعني الطيب صالح ) مرة أخرى يبتعد عن الحقيقة الإنسانية، عن إنسان قرية السودان ليصور حقيقة مزيفة تتضافر على خلقها غي قلمه الصورة المشوهة عند إنسان أوربا عن إنسان إفريقيا، و الفن القصصي الذي يعتمد على الإشارة و الترويع، المرأة في السودان لا تقتل الرجل قتلة بشعة لمجرد أنها أُكرهت على الزواج منه، و لو كان عجوزا. فمن أين أتى الطيب صالح بهذه الصورة البشعة؟."( 46)، لقد تناول الأستاذ غلاب قضية قتل حسنة لود الريس من جانبها السطحي، و لم يتوغل إلى الجوانب الموضوعية و الحضارية، فقد أراد الطيب صالح أن يرمز بحسنة إلى السودان، الدولة النامية المتفتحة على كل جديد.. في العلم و كل نافع في الحضارة، و المستجيبة أيضا لكل النداءات، شرط أن تكون صديقة و أمينة و عادلة، لهذا كانت ترفض كل دعوة استغلال أو نكوص إلى الوراء. و في مقابل رفض حسنة بنت محمود لود الريس، فقد أحبت الراوي لأنه يُعد في نظرها، امتدادا لشخصية زوجها الراحل، و لأنه العنصر الذي تستطيع أن تحقق معه التحاما إنسانيا شاملا على أساس أنه يرى فيها شريكة حياته، و نصفه الثاني، لا كما يراها ( ود الريس) الذي يحمله شبقه إلى اعتبار الزواج مجرد ( عَهْرٍ رسمي ). و الراوي لم يكن أكثر من " مصطفى سعيد آخر، عاش حياته مكثفة، أعادها فاستعادت، أحب الزوجة فأحبته، و طلبها بالمنى، و استجابت باليقين، و عندما ماتت كان مصرعها، في نظره، نهاية طبيعية و متوقعة و شريفة.. و لقد ثبتت الحقيقة الرهيبة للراوي في حجرة الذكريات، فتح الباب ليجد في الظلام مصطفى سعيد نفسه بشحمه و لحمه رغم يقينه أنه قد مات.. كان هو مصطفى سعيد."(47). إن الراوي يمثل الطور الثاني من اتصال الأنا بالآخر في العصر الحديث، أو بعبارة أخرى يمثل مصطفى سعيد بعد تجاوزه مرحلة الانفعال إلى مرحلة التعقل، فهو " يمسك .. في ثنايا الرواية براية التعقل."(48)، فإذا كان مصطفى سعيد قد أثبت ذاته في لندن، فإن على الراوي الآن أن يثبت ذاته في السودان المستقلة، لقد أراد أن يسقط مقولة ( المركز و المحيط ) إذ لم يبق هناك مستعمِر و مستعمَر، فلا مجال لأن يبقى الـ (هنا) و الـ (هناك)، فـ "هناك مثل هنا، ليس أحسن و لا أسوأ. و لكنني من هنا، كما أن النخلة القائمة في فناء دارنا، نبتت في دارنا و لم تنبت في دار غيرنا.و كونهم جاؤوا إلى ديارنا،لا أدري لماذا؟ هل معنى ذلك أننا نسمم حاضرنا و مستقبلنا؟ إنهم سيخرجون من بلادنا إن عاجلا أو آجلا، كما خرج قوم كثيرون عبر التاريخ من بلاد كثيرة. سكك الحديد و البواخر، و المستشفيات و المصانع، و المدارس، ستكون لنا، و سنتحدث لغتهم دون إحساس بذنب و لا إحساس بالجميل، سنكون كما نحن، قوم عاديون، و إذا كنا أكاذيب فنحن أكاذيب من صنع أنفسنا."(49)
صاغ الراوي في قولته هاته نمطا من وعي فئة من المثقفين الذين اتصلوا بالغرب – لم يصطدموا به كما وقع لمصطفى سعيد، ممثل الجيل الأول - و عادوا إلى بلادهم لأجل النهوض بها، فقد صار الاتصال بالغرب بعد الحرب الكونية الثانية، أمرا عاديا، بل إن الراوي " صار ينظر إلى الاستعمار على أنه حادثة تاريخية عادية تمضي كما جاءت دون أن تعني توترا كبيرا على الصعيد الشخصي أو الجماعي، لقد عاد إلى السودان بعد استقلاله و بعد أن صار الاستعمار ذكرى، بل إن الراوي يستمد التوتر من أحداث السودان الداخلية و الخارجية دون أن تعني له إنكلترا شيئاً."(50) فقد لعب الغرب آخر أوراقه يوم سخر ( رتشارد ) من مجتمعات العالم الثالث، حين قال للراوي و من معه من أصدقاء: " ها أنتم الآن تؤمنون بخرافات من نوع جديد، خرافة التصنيع، و خرافة التأميم، الوحدة العربية، خرافة الوحدة الإفريقية."(51)، لقد اعتبر (رتشارد)، طموحات الشعوب بمثابة خرافات جديدة. كان التحدي كبيرا و خطيرا، و كان لزاما مواجهته و التغلب عليه، و هذا ما حذا بالراوي إلى صهر نفسه في مجتمعه، فشُغِل بفتح المستشفيات و جر المياه و تجفيف المستنقعات و تحرير بقية إفريقيا " سنهدم و نبني و ستخضع الشمس ذاتها لإرادتنا و سنهزم الفقر بأي وسيلة."(52)، فقد بنى مصطفى سعيد اللبنة الأولى في طريق تقدم إفريقيا، و جاء بعده الراوي لمواصلة الطريق و ستأتي بعدهما أجيال و أجيال، فالتحدي مازال قائما بل و يزداد خطورة يوما بعد يوم، و تتعدد أطرافه، لكن النصر الأخير للشعوب، لأنها صاحبة النفس الطويل.
الأنا / الآخر:الوهم و الحقيقة.

لقد رسم الطيب صالح صورة لهذه العلاقة من خلال صورة المحاكمة التي دارت في (الأولد بيلي )، فقد كان الآخر ممثلا من طرف كل من : البروفسور (ماكسويل فستركين)، و السير (آرثر هغنر)، بالإضافة إلى جماعة المحلفين. أما الذات/ الأنا فقد مثلها شخص واحد هو مصطفى سعيد. من هذا التقابل يبدو لنا عدم التكافؤ في العدد و بالتالي في القوة، لكن الذات / الأنا ستنتصر في الأخير نظرا لعدم انسجام مواقف الآخر: فالبروفسور (ماكسويل) الذي كان يقول لمصطفى سعيد في تبرم واضح: " أنت يا مستر سعيد، خير مثال على أن مهمتنا الحضارية في إفريقيا عديمة الجدوى، فأنت رغم كل المجهودات التي بذلناها في تثقيفك، كأنك تخرج من الغابة لأول مرة."(53) إن مصطفى سعيد ، في نظر البروفسور، لم يستفد من الغرب، لأنه بدلا من أن يتعلم كيف يقول (نعم)، فإنه قد قال (لا). و برغم هذا فإن (ماكسويل)يعمل كل ما في وسعه، في هذه المحكمة، ليخلص مصطفى سعيد من حبل المشنقة. أما المدعي العام االسير (آرثر هغنر)، الذي كانت تجمعه بمصطفى سعيد "شبه صداقة"، و كان يقول له:" أنت وغد، و لكنني لا أكره الأوغاد، فأنا أيضا وغدٌ."(54)، لكنه في المحكمة يحاول جاهدا وضع حبل المشنقة حول عنق "صديقه". أما المحلفون ، و رمز بهم الطيب صالح إلى مختلف فئات المجتمع الإنكليزي فـ" منهم العامل و الطبيب و المزارع و المعلم و التاجر و الحانوتي، لا تجمع صلة بيني و بينهم..."(55). أما في الطرف المقابل فقد كان مصطفى سعيد، الذي كان يدرك أن المحاكمة لم تكن شخصية بقدر ما كانت صراعا بين عالمين و حضارتين. " لم أكن أنا المهم بل كانت القضية هي المهمة"(56)، و الاقضية كانت هي ظلم الآخر المستبد المتجبر، و قد دام هذا الظلم قرونا و عهودا. " إنني أسمع في هذه المحكمة صليل سيوف الرومان في قرطاجة، و قعقعة سنابك خيل اللنبي و هي تطأ أرض القدس. البواخر مخرت عرض النيل أول مرة تحمل المدافع لا الخبز، و سكك الحديد أنشئت أصلا لنقل الجنود، و قد أنشأوا المدارس ليعلمونا كيف نقول "نعم" بلغتهم. إنهم جلبوا إلينا جرثومة العنف الأوربي الأكبر الذي لم يشهد العالم مثيله من قبل في الشوم و في فردان، جرثومة مرض فتاك أصابهم منذ أكثر من ألف عام." (57) . إن الغرب يوم دخل الشرق لم يدخله ليقدم أهله كما أوهمنا، بل جاء بالدرجة الأولى ليستغل خيراته، و يركز التخلف فيه. إن العلاقة بين الطرفين لن تكون علاقة تكامل إلا حين تكون هناك مساواة حقيقية تقوم على الاحترام، فبقدر ما رغب الشرق في ربط علاقة إنسانية مع الغرب، كان هذا الأخير لا يرى في الشرق إلا مصدرا للمواد الأولية، و سوقا لترويج منتجاته. لقد مل مصطفى سعيد السعي لربط علاقة سوية مع الغرب، فأقسم أن يعاقب الغرب إلى أن يتخلى عن نظرته الاحتقارية، " إلى أن يرث المستضعفون الأرض، و تُسَرَّحَ الجيوشُ، و يرعى الحمل آمنا بجوار الذئب، و يلعب الصبي كرة الماء مع التمساح في النهر، إلى أن يأتي زمان السعادة و الحب هذا، سأظل أنا أعبر عن نفسي بهذه الطريقة الملتوية."(58).إذا كان الغرب قد غزانا فلماذا لا نغزوه بدورنا؟، إن لدينا سلاحا فتاكا، يمكننا بواسطته إهانة الغرب في عقر داره، إذا كان هذا هو تفكير مصطفى سعيد، فإن المؤلف يرى حلا آخر: " إن العلاقة بيننا و بين أوربا ليست علاقة رومانسية، كما عالجها الأدب العربي من قبل، بل هي علاقة قائمة على الصراع بين حضارتين مختلفتين، و هذا لا يعني أنه قد كتب علينا أن نظل نصارع أوربا إلى الأبد، فإذا بذلوا هم من جانبهم مجهودا و إذا نحن أيضا فهمنا من نحن، و أين مكاننا في العالم، استطعنا الوصول إلى حل لهذه القضية."(59) . هذا ما يراه الطيب صالح، لكن حل هذه القضية لا يبدو في الأفق لآنه مرتبط بعوامل موضوعية اقتصادية و اجتماعية و سياسية، يتطلب حلها تغيير بنية كل من الشرق و الغرب، الذات/ الأنا , الآخر.

الأستاذ محمد رُشد

الهوامش:

الأقلام العراقية: عدد 12 سنة 1980.
إلياس خوري/تجربة البحث عن أفق/ ط. مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية/ص.25.

الطيب صالح/ موسم الهجرة إلى الشمال/ ط.2 / 1969 / دار العودة / بيروت / ص.22.

الرواية/ ص.23.

الرواية/ ص. 24.

الرواية/ ص. 26.

الرواية/ ص.27.

الرواية/ ص.148-149.

الرواية/ ص.62.

الرواية/ ص. "38.

الرواية/ ص. 48.

الرواية/ ص. 141.

الرواية/ ص. 43.

الرواية/ ص.141- 142.

الرواية/ ص. 34.

الرواية/ ص. 37.

الرواية/ ص. 72.

الرواية/ ص. 135.

إلياس خوري / تجربة البحث عن أفق/ ط. مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية/ ص.25.

رجاء النقاش/ الطيب صالح عبقري الرواية العربية/ ط. دار العودة/ ص. 29.
الرواية/ ص.29.

جلال العشري/ الطيب صالح عبقري الرواية العربية / ص.158.

الرواية/ ص. 97.

رجاء النقاش/ الطيب صالح عبقري الرواية العربية/ ص. 81.

الرواية/ ص. 63.

الرواية/ ص. 143.

الرواية/ ص. 72.

مجلة " فصول" عدد 2، يناير 1981، مجلد 2.

مجلة " أقلام العراقية "، عدد 12 ، سنة 1980.

الرواية/ ص. 140.

الرواية/ص.111.

الرواية/ص.147.

الرواية/ ص.34 و 35.

مجلة " فصول" عدد2، يناير 1981.

الرواية/ ص.31.

رجاء النقاش/ الطيب صالح عبقري الرواية العربية/ ط. دار العودة/ ص.87.
الرواية/ ص.165.

جلال العشري/ الطيب صالح عبقري الرواية العربية / ص.161.

رجاء النقاش/ الطيب صالح عبقري الرواية العربية/ ط. دار العودة/ ص.85.

إلياس خوري/تجربة البحث عن أفق/ ط. مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية/ص.25.

الأقلام العراقية: عدد 12 سنة 1980.

الرواية/ ص.6.

الرواية/ ص.104-105.

رجاء النقاش/ الطيب صالح عبقري الرواية العربية/ ط. دار العودة/ ص.80
الرواية/ ص. 104.

عبد الكريم غلاب/ مع الأدب و الأدباء/ ". دار الكتاب/ ص. 254.

الجمعية النفسية السودانية/ الطيب صالح عبقري الرواية العربية/ ط. دار العودة/ ص150.

إلياس خوري/تجربة البحث عن أفق/ ط. مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية/ص.24.

الرواية/ ص. 53.

محيي الدين صبحي / الطيب صالح عبقري الرواية العربية/ ط. دار العودة/ ص71.
الرواية/ ص. 62 -63.

الرواية/ ص.115.

الرواية/ ص.96-97.

الرواية/ ص. 97.

الرواية/ص.97.

الرواية/ص.96.

الرواية/ص. 98.

الرواية/ص.45.

الأقلام العراقية: عدد 12 سنة 1980.


مشاركة منتدى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى