الأحد ٢١ آب (أغسطس) ٢٠٢٢
بقلم رامز محيي الدين علي

أقراصُ الدّواءِ

حينَ يغيبُ الوعيُ الصِّحّيُّ، ويُنظَرُ إلى فائدةِ الدَّواءِ حسبَ حجمِ الأقراصِ أو الكبسُولاتِ، وليسَ من مُرشدٍ واعٍ للمريضِ لتناولِ الدَّواءِ بانتظامٍ معَ مراعاةِ نصائحِ الطَّبيبِ والتَّقيُّدِ بتعليماتِ الوصفةِ الطَّبّيّةِ حينَها يصبحُ الدَّواءُ خطراً على صحّةِ المريضِ وتتفاقمُ المشكلاتُ الصّحّيَّةُ الّتي من أجلِها كُتِبَت الوصفةُ الطّبّيّةُ لتحسينِ حالةِ المريضِ والتَّخفيفِ من أعراضِ المخاطرِ الّتي قد تُنْهي حياةَ ذاكَ المريضِ.

في إِحدَى القصصِ الطّريفةِ الّتي رواهَا لي أحدُ الأصدقاءِ أنّه كان يعملُ مديراً لأحدِ الأقسامِ في شركةٍ تجاريّةٍ، وذاتَ يومٍ تقدَّمَ عاملٌ هنديٌّ يُدعى (راجو) بطلبِ إجازةٍ لمدَّةِ عشرةِ أيّامٍ للسَّفرِ إلى بلادِه من أجلِ علاجِ والدتِه.. وقد انتهَتِ الإجازةُ، وها هُو راجو في مقرِّ الشَّركةِ..

المديرُ: الحمدُ للهِ على عودتِكَ بالسَّلامةِ يا راجو.. طمِّني عن والدِتكَ إن شاءَ اللهُ تحسنَّتْ صحَّتُها!
راجو: سلَّمَك اللهُ يا أستاذُ.. المامَا في خيرٍ وصحَّتُها على ما يُرامُ!

ومضَت أسابيعُ، وجاءَ راجو طالباً إجازةً أُخرى للسَّفرِ لمعالجةِ والدتِه.. فسألَهُ المديرُ: ألم تقُلْ بأنّ والدتَك بخيرٍ وصحّةٍ جيّدةٍ، فما الّذي طرأَ علَيها؟

راجو: سأسافرُ وأرى ما المشكلةُ يا مديريَ المحترم! وغابَ راجو عشرةَ أيّامٍ.. وبعدَ أن عادَ راحَ يُطمئِنُ مديرَه: كلُّ شيءٍ بخيرٍ والحمدُ للهِ، تحسنَّتْ صحَّةُ الوالدةِ في الطَّعامِ والشَّرابِ، ولكنَّ ضرباتِ القلبِ عندَها ما زالَتْ في مشكلةٍ..

المديرُ: لماذا لم تُكمِلْ علاجَها يا راجو؟

راجو: المشكلةُ أنّ والدَتي لا تتناولُ غيرَ حبوبِ الدّواءِ الكبيرةِ، ورأيتُها تبسطُ يدَها وتفرشُ على راحتِها حبّاتِ الدّواءِ حسْبَ حجمِها، فتبدأُ بالأقراصِ الكبيرةِ، وحينَما تصلُ لتناولِ حبّاتِ الضَّغطِ الصّغيرةِ تُلْقيها خلفَها قائلةً: ليس لها فائدةٌ.. والمشكلةُ الأُخرى يا أستاذُ أنّ الدّجاجَ خلفَها راحَ يلتقطُ تلكَ الحبوبَ، وما هيَ إلّا هنيهاتٌ وتراهُ يدورُ حولَ نفسِه فيقعُ صريعاً وتجحَظُ عيونُه، وكأنّهُ أُصيبَ بمسٍّ شيطانيٍّ!

المديرُ: (غيرُ متمالكٍ نفسَه من الضَّحكِ): ربّما تأثَّرَ بحالِ أمِّك ففقدَ وعيَهُ وقرَّرَ الانتحارَ!

راجو: ضاحِكاً: سيّدي أنا لا أمزحُ معكَ حتّى تسخرَ منّي.. هذهِ حقيقةُ ما جَرى!

المديرُ: دعْني أفكِّرْ لكَ في حلٍّ حتّى تتناولَ والدتُكَ تلكَ الحبوبَ الصّغيرةَ.. وغداً أُخبرُكَ!

في اليومِ التّالي أحضرَ المديرُ معهُ كبسولاتٍ بلاستيكيَّةً فارغةً، وأوضحَ لراجو بأنّ الحلَّ السّحريَّ في هذهِ الكبسُولاتِ، وشرحَ له كيفَ تُوضعُ حبوبُ الضَّغطِ داخلَ كلِّ كبسولةٍ حبَّةٌ واحدةٌ، فهي لم تعُدْ صغيرةً وعديمةَ الفائدةَ كمَا تراهَا أمُّ راجو، وسُرَّ راجو كثيراً للفكرةِ وشكرَ مديرَه وقالَ: أنتَ معلِّمٌ كبيرٌ يا سيِّدي..

وأرسلَ راجو الكبسولاتِ بالشَّحنِ إلى والدتِه، واتَّصلَ بزوجتِه وأخبرَها كيفَ تضعُ داخلَ كلِّ كبسولةٍ حبَّةً من دواءِ الضّغطِ.. وما هيَ إلّا أيّامٌ يرحِّبُ المديرُ براجو .. طمّني ما أخبارُ الوالدةِ معَ الكبسولاتِ الكبيرةِ؟!

راجو: شكراً يا مديريَ الفاضل، المامَا في خيرٍ وصحّتُها رائعةٌ، واليومَ خرجَتْ إلى الأرضِ للعملِ في الزّراعةِ، والدّجاجاتُ كذلكَ بخيرٍ لم تعُدْ واحدةٌ منها تقعُ وهي تدورُ حولَ نفسِها!

المديرُ: عظيمٌ! واللهِ لقدْ أسعَدْتني يا راجو.. ولكنْ ما رأيُكَ في أنْ تأتي بالدَّجاجِ إلى هُنا لنسهرَ معاً على حفلةِ عشاءٍ؟!

راجو: حاضرٌ يا مُديري! ولكنَّ دجاجَنا لحمُه قاسٍ، ومسكينٌ لا يحبُّ السَّفرَ خارجَ البلادِ (هههه)!

المديرُ: ليسَت هناكَ مشكلةٌ.. يُمكنُ تقطيعُه ووضعُه في كبسُولاتٍ (ههههه)! الحمدُ للهِ على سلامةِ والدتكَ وسلامةِ الدّجاجِ.. إنّني أمازحُكَ.. فأنا مثلَكم نباتيٌّ تضرُّ بصحّتي اللُّحومُ.. (ههههه)!

وينتَهي اللِّقاءُ بسعادةِ راجو بنجاحِ فكرةِ مديرِه، وتنتَهي قصَّةُ رميِ حبوبِ الضّغطِ الصّغيرةِ الحجمِ لعدمِ جدوَاها كمَا اعتقدَت والدةُ راجو، وكان لكبسُولاتِ المديرِ الفضلُ في إقناعِ والدةِ راجو بتناولِ حبّاتِ الضّغطِ المغروسةِ في أجوافِ الكبسولاتِ الكبيرةِ الّتي أصبحَت الآنَ بحجمِها الكبيرِ ذاتَ أهمّيّةٍ لتناولِها بشغفٍ واحترامٍ!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى