الأربعاء ٢٠ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢١
بقلم أمينة شرادي

أمي الكبيرة

جلست تشكو حالها الى نعجتها الوحيدة والهزيلة التي تؤنس وحدتها بكوخها الضارب في الكبر. سنوات وهي تنتظر يوم الفرج، يوم قد يأتي أو لا يأتي. تعيش بين كتل من الثلوج أيام فصل بارد وجفاف غاضب يوم يحل الصيف كعملاق يبتلع كل القرية. مرت عليها أيام ساخنة كسخونة بركان غاضب. لم تكن "أمي الكبيرة" تقوى على الصعود ان هي نزلت الى السفح لتبحث عن العشب لنعجتها ولجلب الماء بجسدها النحيل الذي يتأوه من شدة التعب. كانت تقضي يومها في المشي والاستراحة والعشب ينام على ظهرها المقوس بفعل الزمن ويمنعها من الحركة بكل حرية. يمضي نصف اليوم وهي ما تزال تئن من التعب مع ابتسامة غريبة تستوطن ملامحها الباهتة، هل هي ابتسامة الرضى ام السخرية من قدرها. لما تصل الى كوخها البئيس والحنون وتنفرج أسارير وجهها فتبدأ في النداء على نعجتها كأنها طفلتها كانت تنتظرها بعدما أنهكها الجوع.

بعد توالي الحملات الانتخابية المليئة بالوعود الجميلة والرنانة، ظلت قرية "أمي الكبيرة" على حالها وساء وضعها وكبر الخوف بداخلها على نعجتها ان هي رحلت أو هربت. لا تفكر الا في نعجتها التي تطعمها بما استطاعت أن تجلبه لها من عشب وماء، وتتكور بجانبها محاولة اسكات صوت الجوع الذي يستوطن جسدها الهزيل. توالت الأيام تتشابه، صمت حزين يكاد ينفجر من كل الوجوه التي أعياها التهميش والانتظار. فجاء ذلك اليوم الذي انتظرته "أمي الكبيرة" كثيرا. استيقظت كعادتها وهي تنادي على نعجتها، سمعت لغطا كثيرا بالخارج لم تألفه من قبل.
اشرأبت بعنقها الى الخارج وهي تتساءل بعينين خائفتين، كانوا هناك، يتحركون يمنة ويسرة ويأمرون ويصيحون وأطفال القرية وشيوخها ونساءها وراءهم يريدون ان يفهموا ماذا يحصل بقريتهم ولقريتهم. تسللت بجسدها الهزيل بين الجموع، سألت أحد الرجال الواقفين ويظهر من لباسه أنه مسؤول مهم. أجابها دون أن يلتفت اليها أو يبتسم في وجهها الحزين بالتجاعيد الذي هاجمتها قبل الأوان:

 غدي نصاوبو ليكم القنطرة اللي صدعتونا عليها.

عادت أدراجها وهي تتمتم ببعض الكلمات غير المفهومة لكنها توحي بالفرح والبهجة. دلفت داخل بيتها تبحث عن نعجتها، حضنتها وقبلتها قالت لها:

 فرحي وسعدي، صافي غادي يصاوبو لينا الطريق وما نبقاش نتعطل عليك. كل يوم غادي تكون عندك الماكلة.

ابتدأت الأشغال ليل نهار. وفرح أهل القرية الصغيرة وتحول ورش البناء الى وليمة كبيرة، لا يكاد يمر يوم واحد دون أن يحضر الأهالي ما استطاعوا من الأكل والشرب، يعبرون به عن فرحهم الحقيقي وسعادتهم وانشراحهم. توالت الشهور وانتهى المشروع. رحل الجميع وعاد للقرية هدوءها وبساطتها لكن مع نسمة حرية تهب من جهة القنطرة الجديدة، التي ستنتشر الى باقي المناطق المجاورة.

خرجت "أمي الكبيرة"، في ذلك الصباح البارد وتحت أمطار كشلال لا ينبض، فرحتها بالقنطرة جعلتها ترقص من الفرح تحت الامطار الغزيرة وكبرت سعادتها حتى فاضت عن قلبها وتركتها تسبح كأشعة تتلألأ وتمسح وخز أيام كانت وباء على قريتها. انها ستجلب العشب والماء في مدة قصيرة. ودعت نعجتها وطبعت على رأسها قبلة قوية ممزوجة بالفرح والأمل. وجهها بشوش يتمدد ويتقلص ويحدث ألوانا مزركشة مع وجود وشم بارز على دقنها وبين عينيها.

ولدت "أمي الكبيرة" بهذه القرية، لما كانت في شبابها، لم تكن تهتم لوعورة الطريق ولا الى غياب القنطرة التي تفصل بين المنطقتين. ولا الى خطورتها خصوصا لما كانت تستوطنها أمطار ثائرة وتحولها الى منطقة معزولة. لكنها كانت دائما تحمل حلما بين ضلوعها وتتمنى أن تتحول قريتها الى منطقة سياحية لما تحويه من جمال طبيعي بري. وتحلم بانعتاقها من العزلة والإهمال. لم ترزق بأولاد. توفي زوجها منذ سنوات. وتوالت الأيام، خنقتها الوحدة وقلة اليد، وغدرتها السنين وانهار جسدها بين الهبوط والطلوع. فكانت هذه النعجة الوسيلة الوحيدة التي أعادت اليها بهجتها المفقودة وحويتها الغائبة. اشترتها بثمن قليل من عند أحد جيرانها، حتى تنتفع بحليبها وربما بلحمها في يوم من الأيام. لكن مع مرور الوقت، أصبحت جزءا منها. تتحدث معها. تخبرها بأحوال القرية. لما يأتي الليل بسكونه، تروي لها عن أيامها وكيف كانت أجمل فتاة بالقرية وكيف كانت تثور في وجه الإهمال الذي طال قريتها خاصة لما كانت تجتمع مع بنات الجيران وأنها كانت تحلم بهذه القنطرة منذ زمان. وتستمر تحكي حتى يغلبها النعاس.

اتجهت صوب القنطرة الذي انتهت أشغالها بالأمس، المكان كما كان. هل كانت تحلم وصدقت حلمها؟ جلست القرفصاء، تحاول أن تحلل بطريقتها ما يقع أو ما وقع لها. قامت تقدمت قليلا، لا أثر لأي طريق. فقط شلالات مائية رهيبة تنزل من أعالي الجبال ووحل كثيف يعرقل حركة المشي. والوضع كما كان. جلست مرة أخرى، دمعت عينيها بعدما كانتا عند أول اشراقة الصباح تحملان فرحا لا يسع العالم كله. تحولت مآقيها الى بركة مائية تحاكي البرك التي أمامها بفعل الشتاء الغزيرة. التفتت الى الوراء، تريد العودة لكنها همست بصوت مقهور ومفزوع:

 نعجتي، غادي تموت. عقلي مشى. واش أنا تنحلم.

تنهدت وتاهت عبر الجبال والأشجار بنظراتها الحزينة وهمست لروحها الواهنة:

 حلم زوين، كون غير بقيت تنحلم.

عادت الى بيتها لكنها لم تجرأ على الدخول. فنعجتها تنتظرها. فهي جائعة لم تأكل منذ البارحة. جلست قرب كوخها متكئة عليه. تائهة.

في تلك الأثناء، سمعت أصواتا آتية من مكان القنطرة التي غادرتها للتو وظنت أنها أنجزت. قامت دون أن تفكر. تجمهر كل أهل القرية. الكل يستنكر ويستغفر.

فهمت فيما استطاعت أن تفهمه أنها لم تكن تحلم ولم يضيع عقلها ولن تضيع نعجتها لأنها ماتزال بكامل قواها العقلية. وأن الأمطار التي هطلت بقوية خلال الأيام القليلة أسقطت القنطرة وانهارت وجرفتها المياه العاتية. ومحت كل أثر يذكر وأحدثت ثقوبا كبيرة لم تكن موجودة في السابق وانعزلت المنطقة أكثر من السابق.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى