الخميس ٢٢ تموز (يوليو) ٢٠٢١
بقلم رامز محيي الدين علي

أيُّها البحرُ


كانَ البحرُ في خيالِنا -ونحنُ صغارٌ- بركةً كبيرةً عميقةً، لا يستطيعُ الغوَّاصونَ المهرةُ إدراكَ أسرارِها، فكنّا نسبحُ في بِركِ القريةِ على النّهرِ الممتدِّ بينَ مُنحدراتِها ووديانِها، حينَما يأتي الرَّبيعُ حاملاً الدِّفءَ والجمالَ والصَّفاءَ والبَهاء..

كنّا نتراكضُ أطفالاً بحثاً عن تلكَ البركِ في منعرجاتِ وديانِ القريةِ.. وكمْ كانتِ السَّعادة غامرةً، حينَما نجِدُ بركةً تترقرقُ مياهُها عذبةً، وعلى ضفَّتَيها تتراقصُ الضَّفادعُ بنقيقِها المألوفِ.. وتمرُّ طيورُ السُّنونُو فوقَنا، وكأنَّها تتغنَّى معَنا بذلكَ الجمالِ الرّبيعيِّ الآسرِ.. كمَا تمرُّ أسرابُ الطُّيورِ والعصافيرِ من كلِّ حدبٍ وصوبٍ.. إنّها مرحلةُ الولادةِ.. مرحلةُ النَّشأةِ.. مرحلةُ الصَّفاءِ والنَّقاءِ.. مرحلةُ السُّرورِ والحبُورِ.. مرحلةُ الجمالِ والكمالِ بكلِّ ما تحملُه من معانيْ الحسنِ والجلالِ..
كان بعضُ الأطفالِ مهرةً في السِّباحةِ، وكان بعضُهم بينَ بينَ، أمّا أنا فكنْتُ ممَّن لا يُجيدُونَ السِّباحةَ، وإنّما كنتُ أتصنَّعها تصنُّعاً خبْطاً ولبْطاً خشيةَ الغرقِ، ولكنَّ حالةَ الفرحِ والبهجةِ لا تُوصفُ في ذلكَ النَّسيجِ الطُّفوليِّ المتنوِّعِ الأعمارِ، والكلُّ في نظرِ البركةِ ضفادعُ بشريَّةٌ تُعكِّرُ مزاجَها وصفوَها، لكنّها لا تُبْدي أيَّ امتِعاضٍ من حركاتِ وقفزاتِ هؤلاءِ الضَّفادعِ!

مرّتِ الأيّامُ.. وراحتْ أعمارُنا تغوصُ في بركِ سنين الطُّفولةِ.. وها نحنُ على مقاعدِ الدِّراسةِ في المرحلةِ الابتدائيَّةِ، تقاسَمَتْنا غرفُ الصُّفوفِ بينَ صفٍّ في بيتِ الإقطاعيِّ الأثريِّ المشيدِ من الحجارةِ المتْقَنةِ التَّصنيعِ والسَّقفِ المقَنْطرِ كأنَّكَ في سردابِ الإمامِ المنتظرِ، وصفٍّ في غرفةٍ مستأجرةٍ هُنا أوهناكَ، وكانتْ كلُّ غرفةٍ تضمُّ مُستويينِ مُختلفينِ، إذ كنتُ في الصفِّ الأوّلِ الابتدائيِّ مع مجموعةٍ صغيرةٍ من زُمَلائي، وإلى جوارِنا طلّابُ الصفِّ الخامسِ، وما زالتْ ذاكِرتي تحتفظُ بصورةِ كلِّ طالبٍ ومُميّزاتِ شخصيَّتِه وملابسِه واهتماماتِه وألقابِه.. ولا زلتُ أذكرُ ذلكَ اليومَ الّذي حملَني فيهِ أحدُ أقربائِنا برفقةِ والديْ إلى المدرسةِ، وأنا أنتفضُ بين يديهِ كالطَّيرِ الذَّبيحِ، لأنّني كنتُ أخشَى رؤيةَ المعلِّمِ على بعدِ أميالٍ، فكيفَ وها أنا بينَ يديهِ، وتحتَ رحمةِ قضيبِ الرُّمّانِ الّذي يتقوَّسُ بينَ كفَّيهِ كقوسِ القزحِ دونَ ألوانِه..

كانتِ الصُّفوفُ في غايةِ البساطةِ والتَّخلُّفِ، والمقاعدُ من عصرِ نابليونَ بونابرت، أمّا السُّبُّورةُ فكانتْ من بقَايا أخشابِ سفينةِ نوحٍ عليهِ السَّلامُ؛ لأنّ مؤسَّسةَ التّربيةِ والتَّعليمِ كانتْ منشغلةً بعالمِ الفضاءِ، تبحثُ عن كواكبَ ومجرَّاتٍ خارجَ المجموعةِ الشَّمسيَّةِ، فاضمحلَّ اهتمامُها ببناءِ مدارسَ تختلفُ في تصميمِها عن حظائرِ الماشيةِ!

أمّا المناهجُ فكانتْ من أعاجيبِ الدُّنيا السَّبعِ من حيثُ المضامينُ والأغلفةُ ونوعيَّةُ الورقِ وصورُ القادةِ الملْهَمين الّذينَ ينعدمُ الوجودُ إذا ماغابتْ صورُهم بالزِّيِ العسكريِّ أو الرّسميِّ عن أغلفةِ الكتبِ والصَّفحاتِ الأولى المخطوطةِ بمُنجَزاتِهم العظيمةِ!

ذاتَ يومٍ عمَّتِ الفرحةُ بينَ التّلاميذِ، وراحُوا يتقَافزُون تقافزَهم على بركِ السِّباحةِ مُردِّدينَ اسمَ البركةِ العظيمةِ باللُّغة التُّركيَّةِ (دنكيز) ومعناهَا البحرُ العظيمُ، وراحتِ الجملُ تنتظمُ بغيرِ ترتيبٍ للكلماتِ (البحر.. رحلة.. نريد.. يا سلام..)، وبعدَ هذهِ الفرحةِ غيرِ المنتظمةِ، تمَّ تنظيمُ الرّحلةِ إلى البحرِ الـ (دنكيز)!

ساعاتٌ وأيَّامٌ.. والكلُّ يتحدَّثُ عن البحرِ ويتساءلُ: هل تعلمونَ البركةَ الكبيرةَ الّتي كنّا نسبحُ فيها على منحدرِ نهرِ القامشليَّة؟!

وتأتيْ الإجاباتُ متناقضةً حسبَ قدرةِ كلٍّ منَّا على ذلكَ التَّصوُّرِ.. ذهبَ بعضُهم إلى أنَّ البحرَ أكبرُ من بركتِنا بخمسِ مرَّاتٍ.. وآخرونَ زعمُوا بأنّه أكبرُ بعشرِ مرّاتٍ.. وامتدَّ الخيالُ واتّسعَ التَّصوُّرُ، فزعمَ آخرونَ أنّه أكبرُ من قريتِنا بقليلٍ.. وذهبَ البعضُ إلى المبالغةِ الطفوليَّةِ الجميلةِ فقالَ.. ربّما هوأكبرُ من المدينةِ، علماً أنَّ الكثيرينَ منّا لم يكنْ يعرفُ ما حجمُ المدينةِ!!

جاء يومُ الرِّحلةِ، ودُقَّتْ ساعةُ الصِّفرِ للانطلاقِ بحافلةٍ خاصَّةٍ تمَّ استئجارُها (الميكروباص) وجميعُ الأطفالِ ذكوراً وإناثاً يرتدُون اللّباسَ الرّسميَّ (المريول) ذيْ اللّونِ الطّحينيّ بلونِ الخبزِ الوطنيِّ المصنوعِ من القمحِ الوطنيِّ الخالصِ من الشَّوائبِ اللّا وطنيّةِ، وكلٌّ يصطحِبُ معهُ زوّادةَ الطَّعامِ، وكانتْ روائحُ البيضِ المسلوقِ والشَّنكليشِ المعتَّقِ بخوابي الفخَّارِ تملأُ الجوَّ عبقاً زكيَّاً كرائحةِ الجواربِ في غياهبِ الجزمةِ البلاستيكيَّةِ الّتي تطاولُ أعنانَ الرُّكبِ بغاربِ، إلّا أنَّ أصواتَ الأطفالِ كانتْ تُخْفي تلكَ الرَّوائحَ، وكانتْ أناشيدُهم العذبةُ تطردُ تلكَ الرّوائحَ منَ النّوافذِ، والمعلّمونَ يتحدَّثُون فيمَا بينَهم تارةً، وتارةً أخرى يُنشِدون معَنا، ويُشاركُونَنا أهازيجَنا وزغرداتِنا ورقصاتِنا.. وانتهَتْ مسافاتُ الرّحلةِ.. وها نحنُ ننْحدرُ إلى السَّماءِ.. إلى البحرِ الّذي ظنَنَّاهُ سماءً.. بدأتِ الزُّرقةُ تطْغى على جميعِ الألوانِ.. هتفَ المعلّمونَ.. وصلْنا إلى البحرِ الأبيضِ المتوسِّطِ!! تعالَتْ أصواتُ الأطفالِ: كلّا.. كلّا يا أستاذُ.. هذا هوَ البحرُ الأزرقُ المتوسّطُ.. فهوَ أزرقُ وليسَ أبيضَ!!

ضحِكَ المعلّمونَ وعلتِ القَهقَهاتُ.. وصارَ البحرُ قريباً.. وعلَت معَها مناقشاتُ التّلاميذِ.. كلُّ واحدٍ يُدْلي بدلْوِه.. ألمْ أقُلْ لكُم إنّه أكبرُ من بركتِنا بخمسٍ... بعشرٍ.... من قريتِنا.. منَ المدينةِ... وتعالَتْ ضحكاتُ المعلّمينَ أكثرَ وراحَتِ النُّكاتُ الجميلةُ تتَعالى بقولِ بعضِ المعلّمينَ.. إنَّه أكبرُ من جميعِ رؤوسِ العالمِ.. إنتظرُوا قليلاً!!

وصلْنا إلى الشَّاطئِ.. وراحَتِ التَّساؤلاتُ تنطلقُ من الحناجرِ، والعيونُ متعلِّقةٌ بالبحرِ تتأمَّلُ بدايتَه ونهايتَه دونَ فائدةٍ.. وراحتِ العقولُ البريئةُ تقيسُ البحرَ طولاً وعرضاً وعُمقاً.. وتشابكتِ الإجاباتُ، لكنَّ المعلّمينَ أنهَوا الهرجَ والمرجَ بعبارةٍ واحدةٍ: إنّه أكبرُ من الأرضِ (اليابسةِ) الّتي نعيشُ علَيها بثلاثِ مرَّاتٍ! وراحَ الأطفالُ يناجٌونَ البحرَ كلٌّ بكلماتِه، وكلٌّ بطريقتِه، أمّا أنا فظلَلْت صامِتاً إلى أنْ كبرتُ، وكتبْتُ ما قدْ عجزْتُ عنهُ وأنا عصفورٌ صغيرٌ:

وقفْتُ أمامكَ إجلالاً أناجيكَ..
فهل تسمعُني أيُّها الجبَّارُ؟ أناديكَ!
هل تعشقُ أمواجُكَ الشُّطآن؟!
حينَ تلثُمُ خدودَ رمالِها ليلَ.. نهارَ...
بلا حِرمان!
فلمَ لا تَعرفُ السَّكينةَ.. ولا الأمان؟!
ولماذا أنتَ هائجٌ.. على مرِّ الزّمان؟
إنّني مثلُك عاشقٌ.. أيُّها الجبَّارُ.. وأنا ولْهان!
وأشواقي مثلَ أمواجِكَ ثائرةٌ.. حائرةٌ، بلا حدودٍ.. ولا جُدْران
رميْتُ إليك بأشْواقي.. فخُذْها إلى حبيْبَتي
وأمطِرها قطراتٍ تسيلُ في جوفِ السّواقي..
وبرِّد غليلَ مَن أهْوى بدموعٍ في المآقي..
إنّكَ أنتَ صديقِي.. وهديرُ أمواجِكَ أبداً رفيقِي..
وخيالُ آفاقِكَ نبراسُ طريقِي..
ضيَّعتُ في غُربتي كلَّ الدُّروب..
وأصبحتُ أناجيكَ وحيداً عندَ الغُروب..
وقلبي شاردٌ عنِ القلُوب..
وقد سهرْتُ عبرَ المسافاتِ، وضيَّعتُ طريقِي..
فهَبْني من آفاقِك شُعاعاً من بريقِ..
إنّكَ أنتَ غنيٌّ، وفيكَ كلُّ المواهِبْ..
وأنا فقيرٌ محطَّمُ الجناحِ.. بِلا مراكِبْ
فكيفَ لي أنْ أَطيرْ؟!
كبَّلَتني غُربَتي.. فأنا أَسِيرْ!!
لم تعُدْ أمواهُ أنهارِي تَسِيرْ!
نضبَتْ كلُّ جَداولي، وقدْ شحَّ الغَديْر
وتركْتُ أزهَاري، خلفَ التِّلالِ
فنامَتِ النَّسماتُ.. وغَفَا العَبير..
وهاجَتِ الذِّكْرى.. وضجَّ مَضْجَعي
وقدْ ملَّ السَّريْر!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى