الأربعاء ٤ آب (أغسطس) ٢٠٢١
بقلم رامز محيي الدين علي

أيُّها القدرُ


أيُّها القدَرُ ..
كنْ عادلاً .. سئِمْتُ زخرفةَ الكلامِ.. وبهرجةَ الأنامِ.. وخداعَ المأجُورينَ.. ونِفاقَ الجاهِلينَ.. سئِمتُ كلَّ مَن يُزخرفُ الحياةَ، ويُخْفي بشاعتَها.. سئِمْتُ كلَّ الفلسفاتِ الّتي تُبرِّرُ وجودَ التَّناقضاتِ والصِّراعِ بينَ الطَّبقاتِ على أنَّهُ قدرٌ.. سئِمْتُ كلَّ الأفكارِ الطُّوباويّةَ الّتي تبرِّرُ الشَّقاءَ والبؤسَ والفقرَ والظُّلمَ والقهرَ والطُّغيانَ والاستبدادَ على أنَّها فُسيفِساءُ الحياةِ، وتمنحُ وحوشَ البشرِ حرّيَّةَ الاستِمتاعِ بثرواتِ الأرضِ وكنوزِها على أنَّ ذلكَ قدرُ العطاءِ، وتجعلُ حثالةَ المجرمينَ قادةً لا يجوزُ الخروجُ عليهِم، على أنَّ ذلكَ خيرٌ فيمَا اختارَه القدرُ!

فتكلَّمْ أيُّها القدرُ.. هل ترضَى أنْ يموتَ الفقراءُ جوعاً، والبؤساءُ قهراً، والضُّعفاءُ كمَداً، والمشرَّدُونَ في البحارِ غرقاً، وتُنتَهكَ الأعراضُ والحُرماتُ انتهاكاً سافِراً، وتُدنَّسَ المقدَّساتُ هدْماً وإحْراقاً.. لحكمةٍ لا يعلَمُها إلّا المقدِّرُ؟!

هل ترضَى حكمتُكَ أن تُستباحَ الأرضُ بكلِّ ما فيها منْ خيراتٍ لأشرارِ وطُغاةِ ووحوشِ المالِ والثَّراءِ؛ لتَختبرَ فيهم نزعةَ الخيرِ والسَّلامِ والإيمانِ، وتؤجِّلَ حسابَهم إلى أجلٍ غيرِ مسمَّى، بعدَ أنْ يكونُوا قدْ أفسدُوا الكرةَ الأرضيَّةَ قتلاً ونهباً وطُغياناً، ونشرُوا في ربوعِ العالمِ الخرابَ والدَّمارَ والبؤسَ والشَّقاءَ والفسادَ، وأحالُوا نعيمَ الحياةِ إلى جحيمٍ، وجمالَها إلى قُبحٍ، وعدلَها إلى ظلمٍ، ونورَها إلى جهلٍ، وتفاؤلَها إلى تشاؤمٍ، ونُبلَها إلى وضاعةٍ، وعطاءَها إلى شحٍّ، ورِفْقَها إلى قسْوةٍ، و رحمتَها إلى جَوْرٍ..

أيُّها القدرُ..

إنّكَ جميلٌ وعادلٌ وحكيمٌ ورحيمٌ...

إنّكَ جميلٌ؛ لأنّكَ تحملُ صفاتِ الجَمالِ والكمالِ الّتي قدَّرهَا اللهُ سبحانَهُ على الكونِ العظيمِ الّذي تعجزُ الأفهامُ عن إدراكِ طلاسِمه وأسرارِه ومبتداهُ ومنتهاهُ.. جميلٌ بكلِّ ما تحملُه كلمةُ الجمالِ من تناسقٍ ومثاليَّةٍ وإبداعٍ؛ لأنّك قدَّرتَ على هذا الكونِ الهائلِ أن يسيرَ بدقَّةٍ وإحكامٍ وتدورَ أفلاكُه بشرعةٍ سماويَّةٍ تتجلّى فيها غايةُ المثاليَّةِ والإحكامِ، ويتَناهى في أزليَّتِه وأبديَّتِه وفقَ منهجٍ سماويٍّ تتدفَّقُ منهُ عظمةُ الإبداعِ الإلهيِّ في أسْمى وأبْهى وأجْلى صورِه ومعانيهِ!
إنّكَ عادلٌ تتجلّى عظمةُ العدالةِ الإلهيَّةِ في كلِّ حركةٍ في الأجرامِ السَّماويَّةِ، حيثُ تعيشُ الكواكبُ وملايينُ النُّجومِ في سلامٍ، فلا يَطغَى كوكبٌ بأنانيَّتِه وعنجهيَّتِه وغطرستِه وعدوانيَّتِه على الكواكبِ الصُّغْرى الّتي لا تملكُ غطرسةَ القوَّةِ ولا شهوةَ العدوانِ ولا لذَّةَ السَّطوةِ، ولو منحْتَها شيئاً من سماتِ البشريَّةِ، لتغيَّر وجهُ الكونِ وتبدَّدَتْ معالمُه الجميلةُ؛ ليتحوَّلَ إلى فضاءٍ من الصَّراعِ على نحوِ ما نراهُ في صراعِ البشريَّةِ للقضاءِ على نفسِها، ودفنِ روحِها قبلَ أن يَبْلى جسدُها!

إنّكَ حكيمٌ؛ لأنّكَ ملأتَ الكونَ حكمةً تتجلَّى في وجودِ مقوِّماتِ سيرورةِ الكونِ الّتي منحْتَها من عناصرِ الحياةِ ونِعمِ البقاءِ ما تعجزُ عن إدراكِ غاياتِه كلُّ أفهامِ البشريَّةِ مهْما بلغَتْ من الفلسفةِ والحكمةِ والعبقريَّةِ.. ففي دورانِ الأفلاكِ حكمةٌ، وفي المسافاتِ الّتي لا تُقدَّرُ بآلافِ السِّنينَ الضَّوئيَّةِ حكمةٌ، وفي وجودِ عناصرِ الماءِ والهواءِ والغازاتِ والحرارةِ والبرودةِ والنُّورِ والدَّيجورِ حكمةٌ!
إنّكَ رحيمٌ؛ لأنّكَ دثَّرتَ الكونَ بأرديةِ الرحمةِ الّتي لا تُدركُها أفهامُ البشريَّةِ إلّا حينَما ترى نفسَها قدْ دمَّرَتْ طبقةَ الأوزونِ، وتحوَّلَ الكوكبُ الأرضيُّ إلى جحيمٍ، ولا تقدِّرُ ها إلّا حينَما تنهالُ الشُّهبُ والمذنَّباتُ نحوَ الأرضِ الّتي تدركُ أنَّ ذلكَ يخالفُ رحمةَ السَّماءِ فتهرعُ بعيداً، حتّى لا تُؤذي كائناً من كائناتِ العالمِ، ولا يستطيعُ عاقلٌ بشريٌّ أن يُحيطَ بعظمةِ رحمتِكَ، إلّا حينَما ينظرُ إلى بشاعةِ البشريَّةِ وحقدِها وغطْرستِها ونشوةِ الانتصارِ على أجزائِها بتدميرِ كلِّ مقوِّماتِها الأخلاقيَّةِ والإنسانيَّةِ الّتي حبَاها اللهُ كائناتِه بالفطرةِ، لكنَّها تخلَّتْ عن فطرتِها وأمطرَتْ أجزاءَها بكلِّ ما أوتيَتْ من شهوةِ الإجرامِ والتَّدميرِ، فاستخدمَتْ أسلحةً همجيَّةً تعادلُ في تدميرِها قوَّة زلازلِ وبراكينِ وفيضاناتِ وأعاصيرِ الطَّبيعةِ جمْعاءَ!

أيُّها القدرُ..

تعالَ وأنقذْني من عذابِ السَّهر، وأطلقْ قيُودي، فأنا مُكبَّلٌ بسلاسلِ الفكْرِ رغمَ الحذَر..
تعالَ وأسكِرْ روحيَ الحَيرى بشذَى العبيرِ وماءِ الزَّهر..
واسقِ حقُوليَ العطْشى بحبَّاتِ المطر..
وأرسِلِ النَّدى قطراتٍ والغيومَ عبراتٍ، وبرِّدْ في أعْماقي لهيبَ الشَّرر..
وهَبْني آياتِ وحيِكَ شعراً يسيلُ شُعاعاً عندَ السَّحر..
واسكُبْ قصَائدي فيْضاً منَ الدُّرر..
وسطِّرْ أوراقَ عِشْقي بأحرفِ نورٍ وديوانِ عِبَر..
وامنحْ فؤَادي غناءَ الجداولِ ولحنَ البلابلِ وهمسَ النَّسائمِ بينَ أوراقِ الشَّجر..
وخُذْني إلى وطَني على لألأةِ النُّجومِ وضوءِ القمَر..
وحطِّم مسافاتِ الفِراقِ، ومزِّقْ كلَّ أوراقِ السَّفَر..
واجعلْ قصيدةَ حبّي وعذَابي عِبرةَ كلِّ البشَر..
وانثُر كلمَاتيَ السَّكْرى قُصاصاتٍ على فمِ الشُّطآنِ وألحاناً على خدِّ الوتَر..
وودِّعْ خريفَ خيَالي وأوهامَ شِتائي وهلِّلْ لشمسِ الرَّبيعِ وزغرِدْ لأغنياتِ الصَّيفِ، فقدْ حانَ قطفُ الثَّمَر..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى