الاثنين ٢ أيلول (سبتمبر) ٢٠١٩

إرم العهد الحديث


دائماً ما تعلمنا أنَّ الأدبَ رسالةٌ لا تقلُّ أهميةً عن العلمِ وتخصصاته؛ فالأديبُ قد منحَه اللهُ عدةَ مواهبَ متصلةٍ، كلُّها يربطُ بينها خيطٌ رفيعٌ في منتصفِ العقل، منح الله الأديبَ القدرةَ على التعبير بالكلمات عن المشاعرِ والأحاسيس التي لم يستطعِ الإنسانُ العادي الإفصاحَ عنها، أو على الأرجح توصيلها لمَنْ يريد أن يفهمها، وقصدُنا هنا أنْ نقولَ أديباً ولا نقولُ كاتبًا؛ فالكاتبُ هو مَنْ لا تربطه عقائدُ ولا تقيده أخلاقُ، أما الأديبُ فقد تأدَّب جيداً، ودائماً ما تحتوي أعماله على رسائلَ هادفةٍ، وحلولَ عبقريةٍ لمشاكلَ كثيرةٍ قد تواجه المجتمع، وربما يُغيِّرُ في نفوس قرائه بعضَ العاداتِ السيئةِ التي كانوا يقدمون عليها عن جَهالةٍ أو نقصان إيمان، وربما أيضاً يُحدِثُ ثورةَ فكرٍ تُغيِّر بطبيعتها بعضَ القوانين الظالمة للمجتمع، وقد حدث هذا من قبلُ، وعلى سبيل المثال رواية "الفراشة" لـ "هنري شاريير" والتي كانت سبباً في إلغاء أحكام الإعدام في فرنسا. منذُ أيامٍ قليلة أحدث إهداءُ روايةِ "إرم العهد الحديث" للكاتب المصري"يوسف حسين" أمواجاً من الغضب على مواقعِ التواصل الاجتماعي، فقد قام الكثيرون ممَنْ لهم علاقة بالثقافة، ولهم أقلامٌ يكتبون بها بمهاجمة العمل ككلٍّ قبلَ صدوره، وحكموا عليه بالإعدام والفشل والنفور منه قبلَ أن يقرؤونه، وهذا للأسف الشديد كان سبباً في أن نكتشفَ مدى سطحيتنا كمجتمعٍ مصري، فمنذ متى نحكمُ على عملٍ لمجرد كلماتٍ بسيطة منه- على الرغم من أن قرَّاء هذا الكاتب لم نرَ منهم أيَّ هجومٍ؛ بالعكس جميعُهم ينتظرون العملَ على أحرِّ من الجمر، وهذا يجعلنا نتساءلُ جميعاً .. هل القارئُ أصبح أكثرَ وعياً من أصحاب الأقلام؟ أم أنَّها ثقةٌ لا متناهيةٌ من القرَّاء في كاتبهم؟ أم أنَّ القارئ نظرَ للإهداء على أنَّه فكرةُ العمل المصغرة، وأنَّه مُوجَّه لنوعٍ ما من البشر، وبالكاد يستحقه؟ هل القارئُ أصبح كالقاضي حقاً يتحلَّى بالصبر ولا يصدر حكمَه إلا بعد أن تكتملَ أوراقُ الإدانة لديه أو البراءة، على الصعيد الآخر هاجم أصحابُ الأقلامِ إهداءً لا تتعدَ كلماته العشر كلمات، وكان هذا مضمون الإهداء: "إلى مخلفات أرحام بعض النساء. أهدي إليكم رواية أحكمتُ تفاصيلها ب "سوتيان" أثداء أمهاتكم المسرطنة، ومع تجرع آخر سطر منها؛ سيُقذفُ بكم في مراحيض الجحيم" لقد أصدروا أحكامهم مسبقاً كبعض ضباط الشرطة الفاسدين الذين يُلفقون التُّهمَ لمَنْ يقع في طريقهم فقط، للحصول على ترقية ما؟ لقد بحثنا كثيراً في هذا الأمر، ووصلتنا أنباء بأنَّ هذه الرواية تحاربُ طامةً كبرى، وفاحشةً انتشرت كثيراً في الآونةِ الأخيرة، والإهداءُ ما هو إلا ملخص للعمل، ولذا ندعو الجميعَ لقراءةِ العملِ قبلَ إصدارِ أحكامِهم ... وهذا ما أكَّده كاتبُ العمل الأستاذ "يوسف حسين" في حوارٍ اختصنا به، حيثُ أشارَ أنَّ روايته تتناول موضوعاً حساساً، يخشى الجميعُ الاقترابَ منه وهو "زنا المحارم"، ويؤكد أيضاً أنَّه رغمَ جرأةِ الموضوع ، وإنكار الكثيرين له، إلا أنَّه موجودٌ، ويجبُ البحثُ عن أسبابِه لمواجهتِه إن أردنا تقدماً ورقياً لمجتمعنا الذي لنْ يبرأ مما يُعاني منه إلا إذا اعترفَ بوجود المرضِ، وهذا أولُ مراحلِ الشفاء، وحتى لا نكونُ كالنعامة التي تدفنُ رأسَها في الرِّمالِ.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى