الاثنين ٣ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٨
بقلم هيثم جبار الشويلي

اشتهاءات بطعم الآه

بحلول المساء تهبط أشباح السماء.. المسافات البعيدة.. الأزقة الضيّقة.. الدروب التي لا تنتهي.. الطرقات الوعرة، وابتهالات أنثى.

صخب الحياة مزقه الصمت.. عيون هرة ترقب الجميع خلف أكياس سوداء، الحذر واجب، اليقظة واجبة، الانتباه واجب، العيون دائمة الاستدارة في محاجرها كبوصلة أصابها العطب، وفقدت كل اتجاهاتها، لا تفرق بين الجدران والمارة ، فالمارة تحذر الجدران، ومن يقطن خلف تلك الجدران الأربعة المتشابكة فيما بينها يمتلك أذن أفعى لا يسمع بها شيئاً، الأنثى تغير وجهها، الاعلان عبر شاشات التلفاز للائي يجلسن خلف أجهزة التكييف، مساحيق التجميل لهن، أما أنثاي فقد اصفرّ وجهها.. المساحيق ما عادت تفيدها، فأحمر الشفاه لا يزيّن الشفاه الذابلة، مبيضّ الوجه لا يفرض جمالاً على وجه أحرقته الشمس، أما الكحل ما بات يستقرّ في عينيها، حتى أن استقر يسيل خجلاً فوق وجنتيها، الهالة السوداء حول عينيها تزداد يوماً بعد آخر، الوردة الحمراء أصابها الذبول، الروائح الزكية استبدلت بأخرى تشمئزّ منها النفوس، أعمدة الكهرباء هي الأخرى انحنت وأصبحت أعشاشاً للطيور أشبه بأعجاز نخلٍ منقعر، المياه الآسنة تملأ أغلب الازقة، الشوارع يزدحم فيها طوابير من لاشيء، أزيز الرصاص، دويّ انفجارات، حتى ابنة الجيران ماعادت تعجبني فشكلها تغيّر تماماً، خصرها الجميل أصابته لعنة السمنة، الدنيا برمتها أصبحت كالعباءات السود، الوجه النتن انشطر إلى وجوه عدة، رائحة العفن خلف أكياس القمامة، وقبل حلول المساء، الكل يسرع ليغلق باب منزله، صرير الريح يطرق الأبواب... من الطارق، عواء الريح، البيوت مقابر، فالكل يلازم داره كما تلازم الموتى قبورهم، القمر هو الآخر يخاف الظهور يختبئ خلف النجوم، وفي بعض الاحيان يرتدي عباءة سوداء لئلا يظهر، أصوات الناس لا تكاد تسمعها، فقد ينتابك العجب اذا سمعت عن أناس يتحدثون في منازلهم، لكن لا ينتابك العجب اذا سمعت الأموات يتحدثون فيما بينهم عن آخرتهم، لا تعتاد أكل اللحوم الحمراء فإنها مليئة بالدم، لاتعتاد أكل اللحوم البيضاء فإن البياض لصفاء القلب، وقد تعتاش على قلوب الفقراء، لا تأكل اللحوم الطازجة كلها فقد يستقر بك النوى؛ لأن تتجرع ما هو أشدّ مرارة من ذلك،

صديقي يحاول الهمس بأذني... لكنه كلما اقترب مني ازداد خوفه أكثر فأكثر، الوجوه ليلاً لا تشبه الوجوه نهاراً، فالوجوه الليلية أكثر ضبابية، لونها رمادي، تمسك بيديها أسلحة فتاكة، تقتل من تشاء، وكيفما تشاء وفي أي وقت تشاء، الحدائق الخضراء أصبحت جرداء، غرفة نومي حولتها حشرة الأرضة إلى نشارة من الخشب، مائدة إفطاري عُلب من الجبن الفارغة، أما أطباق البيض فلا تحوي سوى بقايا الدهن، العسل أسمع عنه لكني لا أراه، أكواب الشاي هي الاخرى تمتاز بمرارتها؛ لأن مادة السكر نافدة تماماً من السوق، أنقاض السوق الشعبي تغلق أبواب منازلنا، قميصي تمزقت ياقته، بنطالي تهرأ في أسفل قدماي، سيارة الاجرة، لا أركبها فقد اعتدت السير على الاقدام، صورة زواجنا غيّرت ألوانها أشعة الشمس اللاهبة، ابتسامتها وضحكتي، بدلتها وقيافتي، أصبحتا رماداً، قلوبنا الهرمة ما عادت تجسّد الحب، فالخوف سيطر عليها، والنهارات السود يتبعها ليل أسود، الفقر ينسلّ إلى أبداننا، يستلب الجمال منا، زوجتي فضلت افتراش الارض والجلوس عليها، أما أنا فما عاد قلمي والقرطاس يكفيني للكتابة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى