الثلاثاء ٩ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٨
بقلم حسن الشيخ

الأزقة الضيقة

لو هداه القاطنين الى منزلها، لما قطع تلك المسافات الطويلة. ولو تركت له صدفة عنوانها لما تجول في كل تلك الأزقة الضيقة للبحث عنها. ولما سار في هذه الساعات الموحشة من ليل المدينة القديمة، يهده الجوع والتعب. وتجتاحه الغربة الاولى المرتهنة بخطاه.

إلا ان جميل لم يعترف بتعب من نوع ما، قد حل بساقيه. وان جوعا قد بدأ يمزق أمعاءه. أخذته الخطوات العجلة الخائفة، المتنقلة من منزل لآخر. انبهر بالصمت الذي حل بالأزقة منذ الخيوط الاولى لانزياح ستارة الليل. ابهر بالصمت وبالهمس المتقطع. تساءل عن تلك المخلوقات العجيبة التي تعبر الأزقة، ملتفعة بالثياب، من رأسها حتى أخمص قدميها. لا يعرف هويتها ولا مقاصدها.

تطلع في حيرة وصمت. حملق في الظلام. ومشى بعد ان اصطدمت رجليه بأكوام القاذورات، والحيوانات النافقة. داهمت انفه روائح كريهة واخرى ندية عبقة. مشى وبداخله حدس ان شيئا ما في انتظاره. لم يدر ما هو. لكنه كان جازما بان أمرا ما سيحدث. ربما بعد قليل، الا انه استمر في سيره وصمته.

أنهى قطع الزقاق الغربي من المدينة القديمة، ثم التف شمالا، عبر مساحة غير مسكونة، ليلج الزقاق الشرقي المقابل. قال لنفسه (ربما يكون منزلها هناك).

راقب المنازل الطينية المتراصة. حدق في الظلام، عبر ضوء القمر المتهالك، فلم يتبين ملامح المخلوقات السائرة، الملثمة الوجوه بخطواتها العجلة. بين التحديق والحيرة تساءل (كيف تسير الأيام دون صدفة، ولا الى أين ستأخذة الحياة، بعد ان يستدل عليها).

في الزقاق الشرقي، خيم هدوء اكثر وحشة في هذة الساعة من الليل. محل صغير لبيع الحاجيات الرخيصة، تضيء أنواره في نهاية الزقاق. طرق احد المنازل. ولا يدري لماذا طرق هذا المنزل بالذات. توقف برهة. جاءه صوت نسائي مثير:

-  دقيقة واحدة

تراءى له ان الصوت الجميل قد بدا هامسا وأليفا. فتح الباب، ودخل، وتطلع للفناء ولم يجد احدا. عاوده الصوت النسائي مرة ثانية، مستفزا عبقا برائحة الأنوثة التي لا تقاوم:

-  أنا هنا.. ادخل بسرعة.

تطلع فإذا بامرأة خلف الباب. لم يستطع ان يتبين ملامحها بدقة في الظلمة، لكنه قدر جمالها بجمال همساتها المثيرة. أغلق الباب خلفه.

اقترب منها،حاول التأكد من ملامحها. لفحته أنفاس حارة متلاحقة، وضحكة مكتومة،. لم يتكلم بل امسك بيدها بقوة، فأنت أنة خافته. شد شعرها بجنون.معربد. فجأة صدرت حركات لانسان ما من داخل المنزل،، وأزاحت يده بقوة من على كتفها، ودفعته للخارج وهي تهمس:

-  الليلة القادمة. في نفس الموعد. أرجوك لا تنس. سأنتظرك.

عندما خرج جميل، شعر بدوار خفيف، واحس بخيبة امل صادقة. لم يكن متأكدا مما جرى قبل قليل، قدر انه لم يكن سوى حلما في هذا الركن المظلم من الزقاق. نهض وسار متخاذلا. اما لما قابله احد المارة، استوقفه مترجيا:

-  هل لك ان تدلني على منزل صدفه الجبلاوي؟

قال الرجل الآخر:

-  ولكن من أنت؟
-  أنا جميل الخراز قدمت من غربتي قبل أيام.

قال الرجل الآخر متأففا:

-  في الحقيقة انا لا يهمني امركما.

سار حتى نهاية الزقاق الشرقي، فتفرع الزقاق الى عدد آخر من الأزقة الضيقة الصغيرة الأشد ظلمة ووعورة. اصطدم بقطة فماءت بألم، واصطدم بعديد من أكوام النفايات والأحجار الملقاة على الأرض. بينما ازدادت البيوت الطينية التصاقا يبعضها البعض. توقف. تحسس بيديه طريقة كالأعمى. جذبه على حين غرة رجل من يديه صائحا به:
-  هل جئت يا جميل تبحث عن صدفة؟

شعر بارتباك شديد. تلعثم من الخوف والمفاجأة الا انه قال بتماسك:

-  نعم أرجوك..
-  اذن اتبعني بحذر. ولا تتكلم.

قال جميل برجاء:
-  ولكن من أنت؟
-  من فضلك لا تسأل، وإلا تركتك تائها في هذا الزقاق اللعين.

تبعه جميل بصمت. دخل زقاقا آخر، فتبعه. كان بالكاد يلاحظ شبحه. ومن الزقاق الضيق مرقا الى زقاق اكبر، به إنارة باهته قادمة من أسطح منازله. لم يسمع سوى صوت خبط رجليه الكبيرتين وصياح الديكة. استمر يتبعه في لعبة الأزقة، حتى تاه عنه. توقف اخذ نفسا عميقا، واسند ظهره على الحائط. فتح الباب المقابل، وخرجت منه امرأة عجوز بيدها فانوس صغير. كانت تبسمل وتحوقل. أغلقت الباب خلفها وسارت. وبدا إنها لم تشاهده. أراد ان يتحرك ولكن لم يدر الى أي اتجاه يسير. فتح الباب مرة ثانية.وأطلت فتاة برأسها من الباب. وأشارت بيده اليه ان يقترب. فدنى خطوة. فقالت:

-  هل كنت تنتظرني؟
-  لست ادري. ولكنني أسأل عن صدفة الجبلاوي..هل تعرفينها؟

ضحكت بصوت خافت. وهمست:

-  نعم تفضل. أدخل.
-  ولكن هل يوجد احد بالمنزل غيرك؟

قالت الفتاة باستغراب:

-  وماذا يهمك أنت من هذا السؤال؟ بالتأكيد انت نعيم الخباز ! أليس كذلك؟
-  لا..أنا جميل
-  لا تكذب علي فأنا أعرفك منذ زمن طويل.

شعر بغضب لا يعرف سببه. الا انه غضب مدمر دخل كل خلاياه، وانحشر في مسارات أوردته وشرايينه. حينها قفزت من مكانها وسحبته من يده الى الداخل. عاملته بجنون مألوف. دست يدها في جيوبه. كانت لحظات من المتعة والخوف والغضب في آن واحد. الخوف من المفاجآت الأخرى، حولت فعلها المجنون، ضحكاتها الصاخبة الى صعقات كهربائية قاسية. شعر بالحيرة والغضب. الا ان الفتاة عندما بدأت في الحديث ببلاهة عن كل الأشياء، جعلته يبدوا متوترا، متحديا لما قد يقع. رؤية شفتيها منطلقين، أثاره. فمد يده إلى شعرها يتحسسه. فصاحت به:

-  انتبه. ماذا تعمل؟
-  أريد ان اعرف شيئا واحدا فقط؟
-  ما هو؟
-  هل أنت صدفة؟

لم تجب بل راحت تقلب فساتينها وحاجياتها، حينها لم يتذكر انه عاش متعة مخيفة كهذه من قبل. تساءل (ماذا يمكن ان نسمي تلك المخلوقة الهاربة من العالم الآخر).

أسئلة عديدة ضجت في رأسه للحظات، حاول الإجابة عليها ولم يستطع. شعر بان خيول سبقه قد تعبت من الجري. فتوقف. وخرج ليتلقفه زقاق آخر، في ليلة طويلة لا تنتهي.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى