الأحد ٢١ شباط (فبراير) ٢٠١٠
بقلم غزالة الزهراء

الأقدار الضاحكة

تفتحت عيناه منذ ميعة صباه على دنيا قزحية، ساحرة، عجيبة، شبيهة بقصص ألف ليلة وليلة، المال الوفير بين يديه لا ينضب منبعه، ينتقي ما يشتهي، وما يريد، ويتمرغ في بيدر هذا الخير العميم حتى الأذنين، أغرته مغريات الحياة الضاحكة، الرنانة فانجرف بجنون مفرط يساير تيارها الفاسد مخدرا حتى الضلوع. سهرات صاخبة، متعجرفة يتندى لها الجبين خجلا، احتساء الخمور المعتقة بشراهة منقطعة النظير، ارتباطات مشبوهة، غير شرعية لا تنبئ بالخير قط.

يدلف إلى فيلته الفخمة في ساعات متأخرة من الليل، يحدق في ذلك الببغاء المعتصم في قفصه الذهبي اللامع اعتصام الملك، يرسل له ابتسامة راقصة حبلى بالزهو والرضا، ومن ثم يتمدد على سريره الفاخر مرهق الجسد، فاتر الأنفاس، يسبل جفنيه المرهقين التماسا للراحة والهدوء، ثم ينخرط في غطيطه المزعج حتى الصباح.

الخادم “أمين” يحضر فطور سيده، ويشتري له جريدة اليوم ليطالع ما استجد من أخبار ذات أهمية بالغة على أرضية الواقع.

جاءه متسول باسطا يده المرتجفة في تضرع يطلب صدقة، تقزز من مظهره واشمأز. كان العجوز قد تخطى الثمانين سنة أو كاد، قدماه نحيلتان، حافيتان تنتعلان معالم البؤس في أقصى درجاته، ثوبه متسخ، مهلهل يفضح بوضوح عن بعض أجزاء جسده الذابل، وظهره مقوس قد انحنى من كر السنين وعربدتها.

عنفه بلهجة شديدة القسوة قاذفا إياه بنظرات حاقدة، جارحة: أغرب عن وجهي أيها المتصعلك الحقير، لا أحبذ رؤيتك مجددا وإلا سأبتر يدك بترا، أتسمعني؟ هيا، ارحل من هنا.

انصرف المسكين إلى حال سبيله ولسانه يلهج بتأثر شديد: حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل.

كان فظ القلب كصخرة صماء لا تلين، متجمد المشاعر، أنانيا فوق حدود التصور، لا يولي اهتمامه لمن حوله من الآدميين، الحياة في نظره بطولها وعرضها ما هي إلا نهرا خالدا من التسلية، والعبث، والاستهتار، واللامبالاة.

لم يبال بأولئك الذين ظلمتهم أقدارهم، وزجتهم في أنفاق سوداوية من التعاسة، والشتات، والضياع.

لم يتذكر يوما أنه مسح دمعة يتيم منحدرة على الخد، أو عطف على عجوز طاعن في السن، أو نثر بذرة من الخير في قلب تعيس منهك.

إنه في قمة الاستهتار، والهذر، والأنانية المفرطة.

ـــ هذه المرة سأتغيب أسبوعا كاملا، سأكون مع..........، فلا تقلق بشأني.

سأله خادمه مستفسرا: مع من تكون يا سيدي؟

ـــ أنت دائما هكذا تحشر أنفك في كل صغيرة وكبيرة، هيا انصرف من أمامي.

امتطى سيارته الفارهة بعد أن تأنق وتعطر كما ينبغي، سيمضي أسبوعا برمته مع “إيناس”، تلك المرأة الشهوانية التي تعرف عليها في ذلك الملهى الليلي القابع في أطراف المدينة.

انفجرت كقنبلة موقوتة قائلة بلوعة وأسى: ساقتني قدماي إلى هذا المكان النتن لأقتات منه، وأعيل والدي الكريمين.

كان المال يتدفق في حجري كالنبع الغزير، فمن يراني يخال أنني أسعد امرأة في هذا العالم، ولكنني في حقيقة الأمر ما أنا إلا أتعس واحدة على وجه الأرض.

حظي كان عاثرا على غرار الفتيات الأخريات، أخفقت في دراستي عدة مرات، وتزوجت مرتين فباء زواجي بالفشل الذريع، حياتي كلها مآس، ودموع، وصدمات، أما والدي........

خنقت صوتها الجريح غصات من الألم المضني، لم يكن باستطاعتها إلا الانزواء في مخابئ الصمت المبللة بقطرات من الضياع.

سألها ليجتثها مما هي فيه: ألم أغير من حياتك شيئا؟ ألم أكن فأل خير؟

ـــ .........

ـــ لماذا التزمت جانب الصمت؟ أتريدين أن أنسحب من ميدان حياتك وإلى الأبد؟

ـــ لا، أرجوك، أنت الأمل الوحيد الذي أتشبث به إلى آخر العمر.

صمتت كأنما تحاول استرداد أنفاسها المتقطعة، ثم تابعت تقول: قدمت لوالدي ذلك المال الذي تحصلت عليه قصد اجتثاثه من دائرة البؤس اللعين الذي التصق بجلده، ولكنه أمطرني بوابل من الأسئلة المحفوفة بالمخاطر والشكوك: من أين أتيت بهذا المال كله؟ ما مصدره؟ هل......؟

ـــ توظفت في ملهى ليلي.

صاح بغضب زلزل كياني: أنا بريء منك إلى يوم الدين، أنا بريء منك إلى يوم الدين.

ما كان علي إلا أن انسحبت من بيتنا دامعة العينين، كسيرة الفؤاد.

سألها لتتضح له الأمور أكثر: ألم يكن والدك موظفا؟

إنه مريض بمرض القلب، وقد نصحه الطبيب بألا يجهد نفسه في العمل وإلا ستكون النتائج غير محمودة العواقب.

ـــ أمازال يعمل؟

ـــ لا، توقف تماما، أنا أتابع أخباره من بعيد.

“إيناس” تتقدم من السيارة بابتهاج، فتح لها الباب مغمورا بالحبور، قال بعد أن ألقت عليه التحية، وانتحت مكانها بجانبه: ستكون رحلتنا رائعة، وستبقى كذكرى خالدة، عالقة في ذاكرتك.

انطلقت بهما السيارة تطوي الأرض طيا، وفجأة اصطدمت بعجوز ظفر فيه الدهر كما شاء، خر صريعا، سابحا في بركة من الدماء القانية.

صاحت ملتاعة: أبي، أبي.

هذا هو العجوز الذي جاءه يوما باسطا يده المرتجفة في تضرع يطلب صدقة، إنه هو بعينه.

صارت هذه الحادثة المؤلمة تسكنه عنوة، لا تبرح خياله ولو لحظة، الشيخ الطاعن في السن يصرخ مبحوحا: أنت قاتلي، أنت قاتلي.

الأقدار الضاحكة تسخر منه أيما سخرية، تعذبه شر تعذيب، وهو على هذه الحال ينغمس يوما بعد يوم في هستيرية عجيبة من الجنون الأبدي.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى