الأحد ١ آب (أغسطس) ٢٠٠٤
بقلم سعاد جبر

الإبداع الأدبي بين الماهية والواقع

تكاتفت التعريفات لدى نخبة المتخصصين في العلوم المتنوعة في تحديد ماهية التعريف الخاصة بالإبداع وما زالت رحى التضادات دائرة وتفاوت التعاريف في تحديد كنه الإبداع هو بحد ذاته إبداع ، إذ أن هذا الوليد مازالت أيدي متنوعة تسعى جاهدة لاحتضانه وتناوله عنصرا رئسا في بعدها المعرفي سواء في علم الاجتماع أو علم نفس الشخصية أو علم النفس التربوي او علم الإدارة ، وهناك وشيجة ارتباط لا تغفل بين ماهية ولادة الإبداع والصنعة الأدبية في سحر الكلمة ، وارتأى اعتماد هذه النخبة من التعاريف الإجرائية في دراستي هذه من بين منظومة تعاريف الإبداع لغايات دراسة الإبداع الأدبي بين الماهية والواقع الأدبي للكتابة

فيعرف" ولك " الإبداع بأنه " التميز في العمل والإنجاز بصورة تشكل إضافة إلى الحدود المعروفة في ميدان معين " Wallach ,1985
ويعرفه" جيلفورد " بأنه سمات استعدادية تضم الطلاقة في التفكير والمرونة والأصالة والحساسية للمشكلات وأعادة تعريف المشكلة وإيضاحها بالتفصيلات والإسهاب Guilford,1986

ويعرفه" ويرتيمر " بأنه إعادة دمج أو ترجمة المعارف والأفكار بشكل جديد
أما" مدرسة التحليل النفسي " فتعتمد تعريفها الأتي :

إن الإبداع هو محصلة لتفاعل ثلاثة متغيرات للشخصية هي الأنا والأنا الأعلى والهو ، وإن تحقق الإبداع مرهون بكبت الأنا حتى تبرز على السطح محتويات اللاشعور أو ما قبل الشعور

وتنحى الدراسات الأدبية في تحليقها في مجال الإبداع من خلال دراسة معطيات الرسالة الأدبية في منظومة إشكالها التعبيرية اللفظية المتنوعة في لغة النثر والشعر على سبيل التحديد وغيرها من أشكال الكتابة على وجه العموم ، وتلتزم في دراستها على التأكيد على بعد ولادة الإبداع وماهية تكون جيناته في مخيلة الأديب.

وانطلاقاً مما سبق فأنه لا بد لنا من تحديد مقومات العملية الإبداعية في العمل " الأدبي" ، وهي تتشكل في أول سماتها في الحساسية الشديدة في إدراك " الأديب " ومشاعره المرهفة التي تثمر تفاعلا حارا قزحي الأمواج في ذاته الحساسة لرسم الأبداع فتثمر منتجه الإبداعي وتتنوع أبعاد استقاء تلك الحساسية من البيئة المحيطة وخارطة مفرداتها اللامتناهية في التفاعل والتأثير في إحساس الأديب سواء في منظومة المواقف وبعد الإنسان ولوحة الوجود ودوائر السلب والإيجاب التي تتقاطع عند مشاعر الأديب المرهف ، إذ يحرك ذلك مادة حياة تتدفق في عمل الأديب وتدور في فنيات الأدب والتعبير الساحر الخلاق في ملكات الموهبة الزاخرة بحيث تبث عوالم اللاشعور في اختزانها الفني المحتبس لمنظومة تفاعلات مؤثرة مستقاة من البعد الخارجي بحيث تتفاعل مع تراكم مختزن في ذاته لا يعرف أبعاد الزمان والمكان في أجواء تفاعل متوتر متحرك مشحون يتشكل منه جنين يثبت ماهيته شيئا فشيئا في رحم ولادة الأبداع ، إذ أن المبدعا في دينامية اختزان تمتص المؤثرات وتتفاعل معها وتخزنها في منظومتها الوجداينة التي تعكس عليها جينات أيدلوجية تلك الذات المبدعة في ماهية فكرها ونظرتها للحياة . وكنه الوجود في المادة والأنام وتقاطعات المجتمع والقيم في الحياة .وسلة أسرار ماهية الجمال في الأشياء بحيث ينشا لدينا في لوحة الأبداع تركيبات جديدة مستحدثة من المقومات المختزنة بنقش مستجد مبدع بغير أن ينفذ المخزون وكلما حصل الفنان على مقومات خبرية جديدة اتسعت رقعة التوافيق والتبادلات التفاعلية الممكنة في سلة رسمها الخلاق وإضافاته الإبداعية في المنتج الأدبي
ومن المقومات الهامة في إبداعية الفنان بعد النقد الذاتي وما ينشأ عنه من تعديلات مستمرة بحيث يلغي النمنمات التي لا تعجبه في أعماله السابقة ويعدل في عملية ارتقاء إبداعي متسامية ولعل هذا النقد الذاتي هو المولد لآليات النمو المتصاعد لدية ، وبالمناسبة فإن آليات النمو الإبداعية في الأديب هي نسيج ملتحم تتأتى من الإضافات التي يمتصها من الخارج ومن عملية التخزين المتفاعلة والنقد الذاتي واعتمالها بإيجابية في ذاته المبدعة ، فهذه المولدات تشكل عملية الخلق والجدة في لوحته بحيث تنعكس عليها ثالوث مؤثر في أيدلوجية العمل وشحناته الانفعالية وهي تتحدد بثقافة الأديب وماهية المجتمع ومرآته العاكسة ونبع وجدانه الفياض .

وتشكل النظرية الأسترسالية بعدا هاما في إبداعية الفنان وهي تتكاثف في بعد التعبير الإبداعي الحر دون لجام أو ضبط أو مقاومة ولكن نبل الرسالة الأدبية تقتضي ان تنطبع تلك الحرية التعبيرية في ضوء أخلاقيات العمل الأدبي وإنسانيته النبيلة وهنا بعد فني لا بد من التنويه بأهميته في ضوء العملية الأسترسالية الإبداعية وهو أن حرية الاسترسال مرتبطة بقوالب فنية في التعبير تحدد شكل الكتابة الأدبية وهي اللبنات الجاهزة التي هي أركان ثابتة في العمل الأدبي بحسب جنس ذلك العمل الأدبي من لوحة شعرية أو نثرية أو بعد القص أو الرواية بحيث لا يكسرها المبدع تحت دعوى الإبداع وهي لا تحد من حرية الاسترسال بل هي أداة بناء في العمل الأدبي وتشكل نكهته المبدعة في كنه التكوين وتحديد جنسه بين أشكال الرسم الأدبي ومن هنا نفند دعوى الأبداع بالخروج المطلقة من قواعد الكتابة الأدبية وقوالبها الفنية الثابتة إذ أن تلك القوالب الفنية لا تجعل الأديب مقلدا للأخر كما يدعي البعض إذ يبرروا من خلال هذه المقولة دعوى نقض تلك القوالب وعدم الالتزام بها لغايات الأبداع الأدبي
والإجابة العلمية عن تلك الدعوى الزائفة اوجزها بأن ماهية الأبداع تتشكل في جوهر حقيقتها ليس من خلال لعبة القوالب الفنية وشحن التعبير من خلالها أو الخروج المطلق عنها بل تتشكل ماهيته الحقيقة في الصنعة الأدبية الساحرة في تنويع مصادره الخبرية في استقاء تفاعلاته الحارة وانفعالاته الوجدانية المشحونة التي يشكلها بإبداع في تلك القوالب الفنية وفق مهاراته الفنية في التعبير واتكاءه الموهوب على عصا موسى في النقش على السطور وكلما تنوعت مصادره الخبرية في التخزين وتماوجت تفاعلاتها القزحية في ركام انفعالاته المشحونة تشكلت لدينا بلورات جمالية في التعبير مسبكة في قوالبها الفنية بإشراقة شمس الأبداع من عين السطور ، بحيث تسهم تلك المصادر الخبرية في تشكيل الإحساس والإدراك ورسم مخيلة خصبة في سمات صور ذهنية متحركة بزخم في وجدان الأديب تحاكي الواقع بلغة الأديب المختزنة في عوالم اللاشعور لديه ، فيرسمها في ضوء عمليات اسقاطية فتشكل نسيجا من نكهة أخرى للصورة المرئية في عين الحقيقة ، إذ تتولد في ضوء إحساس الأديب ومخيلته الخصبة ومشاعره المرهفة في منظومة التضادات بين عين الواقع وذبذبات اللاشعور المشخونة التي تتساقط على النص المنتج في ماهية الجدة والخلق في الصورة الفنية وكنه التعبير ومؤثرات الجاذبية في تشكيل وحدة لامتناهية مع القارئ في بث شحنات منجزه الإبداعي في خلجاته بحيث تتشكل صورة الأبداع في وجهها الأخر من لغة التأثير والوقوف برشاقة منسابة في قوام الوجود المتألق بثبات على السطور

وبناءً على ما سبق فأنه من اليسير بمكان تحديد ماهية الأبداع في النص الأدبي بناء عل ترتبات المقومات العملية لإبداعية الأديب في النص ولذا يمكننا تقويم الآراء التي تدعي الأبداع وهي متحررة من قوالبه الفنية ومن مادة التعبير الخلاقة فيها الناشئة من الحساسية للواقع في التأثر والتأثير في علاقة تبادلية تكاملية عضوية ، وكذلك بإمكاننا تحرير الأبداع من مقولات زائفة في وحي استفاضة الشهرة إذ لا ترتبط إطلاقاً مع الإبداع فتكاتف المنظومة الإعلامية لتلميع أديب لا تعني صناعة مبدع ولا ترتبط بأي تأثير منظومة تحديد الأبعاد وفق معايير الجنس ( ادب ذكوري ، ادب انثوي ) وترتبه في العمل الأدبي فتلك الفرضيات السابقة الذكر تتهاوى مع بنية التقويم العلمي ومناقشتها في بعد الأبداع ومقوماته ، إذ تخضع ولادة الأديب لمقومات خاصة بعيدة كل البعد عما سبق ذكره لأنها حرة من بصمات تشكيل الأخرين لها عنوة عبر التلميع والأعلام وكثافة النشر فهي لا تتولد بالقصر ولا ترتبط بماهية تحديد بشرية إنها ماهية خلق ابتكارية تجديدية حرة مادتها الذات وحوارها مع الواقع واندفاعها نحو تيار الحياة في الأبداع فكلما تدفق شحنات ذلك الشعور في الذات المبدعة تشكلت معها منطومة متزاخمة متدافعة من الإبداعات ، ويجدر بالإشارة ان ما تم ذكره من أبعاد دراستي العلمية الموضوعية هذه ينسحب على العمل الفني أيضاً بكافة أشكاله كما هو في العمل الأدبي إذ كلاهما في مادة الخلق والماهية تؤامان ولكن مادة الظهور الإبداعية هي المتفاوتة فقد تكون لوحة رسام مبدع أو قصيدة شعر جذابة أو رواية خلاقة أو قصة مؤثرة مبدعة

ويرنو بي الأمل أن يتجدد معكم اللقاء في حلقات إبداعية قادمة تتحدث عن أبعاد أخرى متجددة لإبداعية الأديب وتكثيف الحديث عن جوانبها الخلاقة ومن ذلك مولدات الصنعة الإبداعية من التشجيع أو المعاندة التي تستنهض المقاومة في خلق الأبداع ، وشخصية المبدع هل هي إيجابية مطلقة أم سلبية مطلقة أم كلاهما معا .

أودعكم على الحب والقاكم عليه في لقاء مستجد فياض بسميفونية العلم الموضوعي المغردة بجمال مع سحر الإمتاع في التعبير


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى