الثلاثاء ١٥ آب (أغسطس) ٢٠٠٦
بقلم بسام عورتاني

البحث باتجاه المعنى

استلقيت على فراشي لكي أستحضر كل الحلال وكل الحرام, هذا ما أعطاني إياه خيالي الأخير, وما سيدفعني إلى ذاك المصير.

ذهبنا في تاكسي لإحدى المقاهي …….., لكي نرتشف من خطاياها ولكي نتسامر بطريقة العموم. أتكئ على كرسي من الوهم, وتستلقي والوهم يصاحبها على آخر, نتباغت بنظرات نصفها كذب, وتتصارع مكوناتنا لكي تنفتح الجلسة .

قليلة هي الجلسات التي نستطيع من خلالها تحديد مسارها, وإلى أي شيء ستفضي..
وقليلة هي النظرات التي توحي لنا بأن الحقيقة شيء جميل ....

أنا متمركز على شفتيها كل لحظة, أنتظر بسمة منها تمرجحني لكي أتساقط كالغبار في كأسها الناعم.
ولكني تساقطت هناك عندما سألتني بما ذا تفكر؟ .
أنا المتبقي ضحك بصوت شاذ.. لأنها أخفقت بذلك السؤال ولأنني لم أكن أفكر بل كنت أستعد للإقلاع لأهرب إلى حيث اللاعقل وإلى اللا معنى.
كيف لي أن أفسر اللامعنى؟ كيف لي أن أعلل وأتكلم عن أشياء ليس لها مكان في اللغة؟
في هذه الحالة الأسلم هو ترك حركة الحواس لتتجه نحو ارتداداتها ونحو صورها في عيون من يتقاسمونني هذا المساء.
قلت : أتركيني فأنا في حالة مخاض حراري اجتاحتني لكي تساعدني للوقوف على نفسي.
فأنا متجرأ كالمادة ومتعدد كالوجوه المسرحية. والمكان أستخدمه لمضاجعة نفسي ولابتزاز اللا مكان في.
سخرت بأنوثتها من رجولة كلامي, وتململت لتقطع من جملي شيئاً يجدد ثقتها بجاذبية عيونها ورقة شعرها الذي يصل إلى حد أللعنة الحميمية إذا ما تناثر على يدي التي اخترقت مجالها المكاني والزماني.

قلت :إني استخدم النساء لكي أخطف منهن مفرداتي, ولأسرق منهن بدايات القصائد فقط. أنا استغلالي ومتواطئ مع تجاربي وتفا هاتي, لأني أسرق بداية قصائدي ورواياتي من مرأة أتجاذب وإياها أطراف الحاجة. فهي مفتاح الكنوز الكلامية , مفتاح اللغة المظلمة.

أنا يا سيدتي متعاون مع قضايا تعنيني كما تعني وجودي المادي, أتلذذ بالجمع بين الشيء وضده, فعناصر منسوجاتي الكلامية تحتمل كل المعاني, وعندما أقول لك أعشقك لأنك أنثى جميلة, يجب أن تعلمي بأني أكرهك لأنك إذا ما اجتمعت مع أنثى أقل منك تألقا ستعاقبينها دون اكتراث. ليس أنت السبب, بل أنت ضحية سبب ونتيجة تفاعلات المادة مع الروح بالإضافة إلى فهمي أنا .
أسمع صوتا من بعيد , انه صوت المؤذن, يؤذن ويعلن بأني ما زلت في صراع هامشي, ويعلن بأني خارج عن الإطار المعنوي.

نظرت إليها لكي أضع نقطة للحديث , ولكي أجفف حبري السري عن صفحات وجهها الممتد بين الرؤيا وبين انتظار الصمت.

قالت : أيكفي أن تسرق مني بداية قصائدك؟ كيف ستكمل نصها إذن؟ وكيف ستنهيها؟
قلت : المرأة هي بداية كل القصائد وكل شيء له نهاية, ولكن نصي أنا يكتمل بعيدا عنك لأني أناني, أحب المعاني الخاصة لتراكمات هذياني المنفرد, وأحب ظل محتوياتي وعناوين كل الكهوف التي تاهت في مجال اللامكان القابع في حواسي.
أما نهاية القصائد , لا أحد يحترف كتابة القصائد يستطيع أن يجد نهايتها وان توهم وقال هذه الجملة هي النهاية, سيكتشف لاحقا أنه هو خديعة القصيدة نفسها.
أجمل شيء في الأدب (شعرا ورواية) أنه يتركك تختار بداية كتابتك, ولكن لا يمكنك من اختيار أي جمله تعتقد أنت هي النهاية لنصك, فهو يوهمك بأنك أنهيته ولكن لا يسمح بذلك إلا له.

وأنا حقيقة وفرت على نفسي عناء البحث عن نهاية نصي, لأني اكتشفت خديعة الكلمات الموزونة, سواء وزنت قافيتها أو وزنت معانيها....
فالنص وحده يعرف حدوده سواء ألمعرفيه أو ألجماليه , وأنا أداة له , مترجم للغته , وانفعالاتي هي رهن تقلباته في ذهني , ومزاجي سجين سطوته. لا أستمتع بالموسيقى إلا إذا كان مستعدا للرقص على حواسي , ولا أستمتع بالبكاء إلا إذا كان قادرا على تجفيف دموعي بيديه.

قالت : أين أنا في خطتك الحالية؟ أين سأكون في حالتي هذه؟ وبعد هذا الشرح المطول كم تبقى لك من الوقت؟

كل هذه الأسئلة أجبرتني لكي أعتقد بأنها امرأة غبية, أسوأ صفة تقلل من هالة المرأة الجمالية, هي غبائها.........
أشعلت سيجارة بطريقة عصريه , وأشعلت معها ناقوس العبث, لكي أتمكن من استدراك الحيرة التي أوشكت أن تبدد تركيزي الأنثوي. ارتشفت نفسا معه رائحة القهوة ورائحة تاريخ كل الإيحاءات الكلامية.
عادة وأنا أنفث الدخان, ينصب تركيزي ونظري عليه وفيه , حيث جمالية الدخان بتأرجحه بين ثنايا الهواء القريب من وجهي , فهو يجعلني أتخيل وجهي كالشمس بين كثبان من الدخان الأبيض كالغيم المدجج بالنضارة الخادعة, والتي تختزن خلفها سواد المطر الصيفي.

غباء المرأة يكفي لأكره حاجتي إليها, والسيجارة تعوضني عن فعل غير لا ئق قد يصدر من حماقات جسدي المكدس.....
رأسي الآن يزداد ثقلا ..... ولا أستطيع أن أحمله واقفا....... آن الأوان لكي أقف نائما..... أتكلم مع من أريد نائما..... ألتهم جوعي نائما.... وأشعل سيجارة نائما...
حتى الآن الكتابة وأنا أستلقي الفرش فيها لذة المتأخر عن موعد حب صارخ .

ما أجمل بأن تقضي كل شيء نائما, منبطحا , لأن بداية كل الأشياء الانبطاح ونهايتها أيضا..................


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى