السبت ٢٨ آب (أغسطس) ٢٠٢١
بقلم رامز محيي الدين علي

البلبلُ وزهْرةُ اليَاسَمينِ


كانَ في حديقتِنا بلبلٌ يحبُّ الحياةَ الهادئةَ ويعشقُ جمالَها الرُّومانسيَّ، وكان يختلفُ عن أقرانِه وأترابِه برهافةِ الحسِّ وصدقِ الطَّويَّةِ وبُعدِ الهمَّةِ والنظرِ، فأدركَ كُنهَ الحياةِ وفلسفةَ الواقعِ بكلِّ أبعادِه، وكشفَ أسرارَ علاقاتِ الطُّيورِ فيمَا بينَها من جهةٍ، وفيمَا بينَها وبينَ فضائِها من جهةٍ أخْرى، فخبِرَها خِبرةَ الفيلسوفِ، وزهدَ زهدَ النَّاسكِ العارفِ بنعيمِ الحياةِ الزَّائفِ، فتَسامى في ملاطفةِ النَّسيمِ، وجلَدَ في مواجهةِ الأعاصيرِ، وتفيَّأَ في ظلِّ الأشجارِ الوارفةِ الظِّلالِ حينَما تقْسُو الشَّمسُ على الطَّبيعةِ بأشعَّتِها الحارقةِ، واستحَمَّ في أمواهِ الجداولِ، واغتسلَ في مياهِ الغدرانِ العذبةِ، ونهلَ من ينابيعِ الحياةِ الرَّقراقةِ مناهلَ العزِّ والمجدِ والحرّيَّةِ.

أحبَّ هذا البلبلُ جمالَ الحدائقِ والأزهارِ، وراحَ يَشْدو بصوتِه العذبِ ويُغنّي للحياةِ أعذبَ ألحانِه، ويُطربُ الطَّبيعةَ من حولِه، وأطلقَ العَنانَ لخيالِه، وراحَ يُحلِّقُ في الفضاءِ، باحثاً عنِ النُّورِ الّذي تَتُوقُ إليهِ ذاتُه وتتطلَّعُ إليهِ بصيرتُه، لكنَّه لمْ ينسَ أن يُغازلَ أزهارَ الرُّبى ويُعانقَها كلَّما حملَهُ حنينُه إليها.

ذاتَ صباحٍ دغدغَ النُّورُ مشاعرَ البلبلِ، وكانَ يحلمُ بزهرةٍ فائقةِ الجمالِ.. فغسلَ عينَيْه من وسَنِ الأحلامِ، وراحَ يتنقَّلُ بينَ أزهارِ الحقولِ لعلَّهُ يُكحِّلُ عينَيهِ برؤيةِ الزَّهرةِ الّتي هبطَتْ إلى خيالِه حينَما كانَ غارقاً في سباتِه العميقِ.

وقدْ أحبَّ البلبلُ الحرّيّةَ وعشِقَ نسائمَها وانتشَى بأشعَّتِها وأنوارِها، فراحَ يبحثُ عن أفيائِها وظلالِها بينَ أحضانِ الطَّبيعةِ، وراحَ يبحثُ عن عشيقةِ روحِه؛ ليمزجَ روحَه بروحِها، ويُذيبَ كيانَه في كيانِها، وكانَ يُحبُّ جميعَ أزهارِ الحدائقِ، وهو ينتقِلُ من غصنٍ إلى غصنٍ ومن شجرةٍ إلى شجرةٍ ومن ساقيةٍ إلى ساقيةٍ..

قدْ يكونُ العشقُ والهيامُ بينَ كائنينِ مُتقاربينِ في الجنسِ والنَّوعِ.. ولكنَّ فكرَ العاشقينَ الممتلئَ بالوعيِ وعمقِ التَّأمُّلِ، قد يَقرأُ قصصَ غرامٍ بينَ كائناتٍ مختلفةِ الأجناسِ والأصنافِ، فيرسمُ خيالُه المغْرمُ بالحياةِ قصَّةَ حبٍّ بينَ أمواجِ البحرِ وشطآنِه، وبينَ الأشجارِ وظلالِها، وبينَ الأنهارِ ومجاريْها، وبينَ السَّماءِ ونجومِها، بينَ حبّاتِ المطرِ وذرَّاتِ التُّرابِ، بينَ الصَّباحِ الهادئِ والنَّسيمِ العليلِ، بينَ البلبلِ والزَّهرةِ، بينَ رائحةِ الياسمينِ وأنوفِ العابرينَ، بينَ الشَّمسِ وقتَ الأصيلِ والطَّبيعةِ الحالمةِ في سكونِ الكونِ..

كان البلبلُ يحبُّ الأزهارَ ويرنُو إليها رنُوَّهُ إلى نورِ الصَّباحِ، إذْ يملأُ تغريدُه أذنَ الجوزاءِ، ولكنَّه لم يكنْ يتخيَّلُ أنّه سيهيمُ غراماً في عشقِ زهرةِ الياسمينِ التي تعانقُ أسوارَ الحديقةِ عناقَ المحبِّينَ، وكان البلبلُ متميِّز اً عن أقرانِه بكثرةِ التَّنقُّلِ وشدّةِ التَّعلُّقِ بجمالِ الطَّبيعةِ، يسْعى جهدَهُ ليُحرزَ قصبَ السَّبقِ في امتلاكِ الجمالِ وتحقيقِ السَّعادةِ..

حينَما كان البلبلُ يتنقَّلُ بينَ الحقولِ، وإذ بزهرةِ الياسمينِ التي حلَمَ بها تأسرُ لبَّه، فيقعُ صريعاً بينَ أحضانِها.. كان يحلمُ بزهرةٍ فوَّاحةٍ بيضاءَ.. وها هيَ الآنَ طودٌ شامخٌ أمامَ ناظرَيْه تعبقُ برياحيْنِها وتنشرُ شذاهَا بسحرٍ يتدفَّقُ مع هبوبِ النَّسيمِ.. امتلأَ فؤادُه بعبقِ المحبَّةِ، وانتشَتْ روحُه بأريجِها، واختنقَتْ كلماتُ غنائِه وتلعثَمَت تغريداتُه، لكنَّ حركاتِه كانتْ تدلُّ على سعادتِه، وهو يلثمُ زهرةَ الياسمينِ ويضمُّها إلى صدرِه حتّى تخالَهُ جزءاً من أغصانِ الياسمينِ!!

مرَّتِ الأيَّامُ وغرامُ البلبلِ يزدادُ شغَفاً بزهرةِ الياسمينِ، وجوارحُه تنْتَشي برائحةِ الياسمينِ، ولم يكنْ يشعرُ بالسَّعادةِ إلّا حينَما يكحِّلُ عينَيهِ برؤيةِ زهرِ الياسمينِ، ولم يشعرْ بوجُودِه إلّا بينَ أحضانِ الياسمينِ، وتتابعَتِ الأيَّامُ وتوالتِ السّنون، وزادَ هيامُ البلبلِ بالياسمينةِ، واشتدَّتِ الياسمينةُ غراماً بتراتيلِ أنغامِ البلبلِ، وتعاهدَا على الاقترانِ مَدى الحياةِ حبَّاً وتفانياً وإخلاصاً وسكَناً.. لكنَّ الرّياحَ تجْري بما لا تَشْتهي السُّفنُ، فتتبدَّلُ سمفونيَّةُ العشقِ الأزليَّةُ إلى تراتيلِ حزنٍ وافتراقٍ حينَما تهبُّ عاصفةٌ قويَّةٌ تقتلعُ الياسمينةَ من جذورِها، ويتشرَّدُ البلبلُ بعيداً بعيداً، وتتحوَّلُ قصَّةُ غرامِهما إلى ذكرياتٍ ويفترقانِ دونَ وداعٍ، كما افترقَ معظمُ العشَّاقِ، ولمْ يُخلِّدوا إلّا ذكرياتِ الأسَى والدُّموعِ، على نحوِ قولِ الشَّاعرِ:

أمْسِ إنتهـيْـنـا فـــلَا كنَّـــا ولا كانَـــا
يا صاحبَ الوعْدِ خلِّ الوعْـــدَ نِسْيانا
طافَ النُّعاسُ على ماضيْكَ وارتحلَتْ
حدائـــقُ العُمْـــرِ بكْياً فاهْــدَأ الآنَا

وهكَذا انتهَتْ قصَّةُ غرامِ البلبلِ وزهرةِ الياسمينِ بغُصَّةٍ وحرقةٍ، وتاهَ كلٌّ منهمَا في بحارِ الحياةِ، ولنَا في قصصِ غرامِ الأوَّلينَ عِبرةٌ وعَبرةٌ، وحكمةٌ لا تتبدَّلُ مهْما تعلَّقتِ الأرواحُ بوشائجِ الغرامِ والهيامِ، فلا بدَّ أن تجنيَ عليْها يدُ الأيَّامِ بالفرقةِ والحرقةِ ووطأةِ الآلامِ.

من ذكرياتِ بلبلٍ في حدائقِ العُمر
دمشق 1991


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى