الأحد ٢٨ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢١
بقلم رامز محيي الدين علي

الثُّعبانُ في الحاويةِ

عادَ ابنُ الخالِ منَ السَّهرِ متأخّراً مُتْعباً، كانتِ الأسرةُ تغطُّ في نومٍ عميقٍ، انسلَّ إلى غرفتِه في خفَّةٍ حتّى لا يُزعجُ النَّائمينَ، لكنَّ عيونَ الخالِ كانتْ تساهرُ النُّجومَ، ولا تعرفُ طعمَ النَّومِ وأحدُ أفرادِ الأسرةِ خارجَ المنزلِ.
كانَ اللَّيلُ مُقمِراً، فخلعَ ابنُ الخالِ ملابسَه وألقاهَا في سلَّةِ الغسيلِ، وحملَ معَه حِزامَ بنطالِه الأسودَ ورماهُ إلى جانبِه وارتَدى ملابسَ النَّومِ، وبعدَ قليلٍ غرِقَ في سُباتٍ عميقٍ وخلدَ إلى النَّوم مرتاحَ البالِ.
وبعدَ هنيهةٍ نهضَ الخالُ من فراشِه؛ ليطمئِنَّ على ابنِه وكان طالباً جامعيَّاً، فتحَ البابَ بهدوءِ ودخلَ غرفةَ ابنِه، فرأتْ عيناهُ الابنَ خالداً إلى النَّومِ، فاطمأنَّ قلبُه، ولم يكَدْ يُحرِّكُ عينَيْه يَمنةً أو يَسرةً حتّى لمحَت شيئاً أسودَ يلتمعُ مع ضوءِ القمرِ، كان ممتدَّاً على الأرضِ في دعةٍ، لكنَّ شكلَه ولونَه يُوحِيانِ بالرَّهبةِ، وكانَ سكونُه يبعثُ على الشَّكِّ.. هلْ كانَ يُموِّهُ عليهِ حتّى يُؤدّيَ مهمَّتَه في لدغِ الابنِ وبثِّ السُّمومِ في جسدِه، أمْ أنَّ لهُ مآربَ أُخْرى كمآربِ عصَا موسَى!
أسئلةٌ خاطِفةٌ طرقَتْ خاطرَ الخالِ، ولمْ يتأخَّر في اتِّخاذِ قرارِ المُباغتةِ ومهاجمةِ الأفعَى، فسرعانَ ما استلَّ عصاً غليظةً من خارجِ الغرفةِ، ودخلَ بهدوءٍ؛ حتَّى لا يهربَ الخطرُ الأسْودُ، إنَّه الأفعَى الشَّرسةُ السَّوداءُ.. وراحَ يُحاورُها في صمْتٍ: أيَّتُها اللَّعينةُ منْ أينَ جئْتِ؟ وكيفَ وصلْتِ إلى هُنا؟ ومَاذا تُريدينَ؟

تعوَّذَ باللهِ منَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ، لعلَّها خيالٌ أو وسواسٌ من وساوسِ الشَّياطينِ.. لم تستجِبِ الأفعَى لكلماتِه، وظلَّتْ راقدةً، فاطمأنَّ الخالُ، وراحَ يُناوشُها بالعصَا ضربةً على الرَّأسِ وأُخْرى على البَطنِ، فراحَ الجسدُ يتقافزُ مرَّةً بالتَّقلُّصِ وأُخرى بالتَّمدُّدِ، وثالثةً يمنةً أو يَسرةً، وأخيراً رقدَ الجسدُ بعدَ أنْ أوقفَ الخالُ الضَّرباتِ الخاطفةَ، فارتاحَ بالُ الخالِ، فحملَ الأفعَى بعصاهُ خارجَ المنزلِ وألقاهَا في حاويةِ الزِّبالةِ، وعادَ إلى غرفةِ نومِه مسروراً، بعدَ أنْ تخلَّصِ منَ الشَّرِّ المُحيقَ بأسرتِه وبيتِه، وخلدَ إلى النَّومِ!
في الصَّباحِ الباكرِ استيقظَ ابنُ الخالِ، وراحَ يُهيِّءُ نفسَه للذَّهابِ إلى الجامعةِ، وكان أمامَه متَّسعٌ من الوقتِ، تناولَ فطورَه، ثمَّ فتحَ خزانتَه وأخرجَ ملابسَ السَّفرِ، لم يَنْقُصْه إلّا الحزامُ، وكان لديهِ حزامانِ، لفظَ أحدُهما أنفاسَه منذُ زمنٍ قريبٍ، ولم يبقَ عندَه سِوى حزامٍ أسودَ، كان يمتدُّ إلى جانبِه ليلاً، نظرَ حوالَيه، فلم يرَ ناظراهُ أيَّ ملمحٍ من ملامحِ الحِزامِ، لقد اختَفَى بطريقةٍ عجيبةٍ، فكَّر قليلاً، وراحَ يتذكَّرُ جيِّداً؛ لعلَّهُ وضعَهُ في مكانٍ آخرَ، بحثَ وبحثَ دونَ جدْوى، لم يبقَ أمامَه سِوى أنْ يسألَ أبوَيهِ، وفي هذهِ اللَّحظةِ استيْقظَ الأبوانِ..
  صباحُ الخيرِ يا أبِي.. طابَ صباحُكِ يا أمّي.. سامِحُوني على تأخُّري أمسِ في السَّهرِ، فقد كنْتُ أدرسُ معَ صديقِي أصلانَ.. وأطلبُ المعذِرةَ منكُما، فقدْ خلعْتُ حزامِي الأسودَ وكانَ إلى جانبِي على الأرضِ!
  الخالُ: الحمدُ للهِ على سلامتِكَ يا بنيَّ! هل أنتَ مستيقظٌ أم زلْتَ نائماً؟! عن أيِّ حزامٍ تتحدَّثُ، لقد قتلْتُ الأفعَى في غرفتِكَ وأنتَ تغطُّ في نومٍ عميقٍ، وألقيتُها في خارجَ منزلِنا؟!
  الابنُ: عن أيَّةِ أفعَى تتحدَّثُ يا أبِي؟! إنَّها حزامِيَ الأسودُ اللّمَّاعُ! وأينَ رميتُه، ليسَ عندي سواهُ؟!
  الخالُ: اذهبْ إلى الحاويةِ وأَخرِجْ حزامَكَ قبلَ أنْ يأتيَ جرَّارُ البلديَّةِ؛ لينقلَ محتوياتِها إلى مَكبِّ النِّفاياتِ، ويضحكُ الخالُ وتغمرُ سحبُ الفرحِ القلوبَ الطَّيِّبةَ ابتسامةً وغبطةً في زمنٍ كانتِ البساطةُ فيهِ تملأُ الأفئِدةَ سعادةً بالرَّغمِ منَ الفاقةِ وضيقِ ذاتِ اليدِ!
الشارقة في 28/11/2021

صالة العرض


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى