الأربعاء ٥ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٢
بقلم رياض كامل

«الجنة المقفلة»- إنعاش الذاكرة وتثويرها

مقدمة

أثارت رواية "الجنة المقفلة" (2021) للروائي عاطف أبو سيف لدي خواطر عدة حول خصوصيات الأدب الفلسطيني عامة، وحول دور الأديب في حمل رسالة للقراء على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم. إذ لا يمكن مقاربة النص دون التفكير في ظروف الفلسطيني الذي هُجِّر أكثر من مرة، والذي لا يزال يعيش هواجس تجربة التهجير وتبعاتها، والحنين إلى البيت وإلى المكان المسلوب بكل مركباته، حتى وإن تبدّلت ظروف الفلسطيني أو تغيّرت، أو اختلفت عن ظروف الجيل السابق، الذي رفدَنا بتجاربه وقصصه وحكاياته الخاصة والعامة.

إن طرح موضوع حلم العودة الذي تعالجه هذه الرواية ليس بجديد، فهو موتيف متكرر في الرواية الفلسطينية، بل هو عصب معظم الروايات العربية الفلسطينية منذ ما بعد النكبة وحتى اليوم، لكن لكل كاتب أساليبه وطرقه وتقنيّاته التي يوظّفها للتعبير عن هذه التجربة المُرّة. ولكل ناقد رؤيته وثقافته ومكتسباته السابقة والحديثة التي تسعفه في رؤية جديد النص، أو تقاطعه مع ما سبق. لا يقتصر التلقي على القارئ أو الناقد، إذ إنّ المؤلّف، أيضا، يتلقى نصوصا عدة ودراسات تنظيرية تساهم في بلورة منهجه وفكره، وهو قد يتلقى حكايات رواها مَن هم أكبر سنا، وبالذات في الحالة الفلسطينية. ومن واجب الباحث أن يحاور الطريقة التي قال فيها الروائي ذلك، والبحث عن مدى نجاحه في اختراق ما كان. فقد رأى تودوروف أن العمل الأدبي يقوم على مظهرين؛ القصة والخطاب. فالقصة تحاول إثارة واقع ما، وفيها أمكنة وشخصيات وأحداث لافتة قريبة من الواقع، بينما الخطاب هو الطريقة التي ينقل فيها السارد الأحداث.

لا بد أن تراود القارئ بعض التساؤلات قبل القراءة وأثناء القراءة وبعدها. من هذه الأسئلة الأولية: ماذا سنقرأ؟ وما هو جديد الروائي؟ ولماذا هذا العنوان بالتحديد؟ وما هي دلالات تصميم الغلاف؟ ثم تثور أسئلة أخرى أثناء القراءة التي قد تتبدّل كلما خضنا أكثر في غمار النص. أما بعد الانتهاء من قراءة الصفحة الأخيرة وإغلاقها فتنبثق تساؤلات أخرى وينفتح باب الحوار مع مجمل ما جاء في الكتاب، وتغلب عمليةُ التأويل كل التساؤلات، حتى ليبدو وكأنّ المتلقي يقوم بعملية بناء النص، وفق إدراكه هو، ووفق ما اكتسبه من تجاربه ومن تجارب غيره السابقة والمعاصرة.

يتحدث المنظرون عن "سلطة" المؤلِّف، وسلطة النص، وسلطة القارئ، وقد سادت سلطة المؤلِّف فترة طويلة من الزمن لدى أصحاب المناهج التنظيرية التقليدية؛ المنهج التاريخي، الاجتماعي، النفسي والأيديولوجي. ثم جاءت البنيوية ودعت إلى سيادة سلطة النص ورؤية مميزاته من خلاله، وتحييد المؤلف كليا؛ (موت المؤلف)، دون الحديث عن دور المتلقي الذي حُيِّد فترة طويلة عن عملية التحليل. ثم ظهرت نظريات جماليات التلقي والتأويل وأعادت للقارئ موقعه ومكانته. هذه المحاور أو السلطات، كما يسميها البعض هامة جدا، وأما تحييد إحداها نهائيا فقد يؤدي إلى وقوع خلل ما في عملية التحليل، فالنص يكتبه المبدع موظِّفا وسائلَه الفنية، ثم يقوم القارئ بتأويله بناءً على ثقافته تأويلا جماليا. وبالتالي فإن قراءة إبداع جبرا إبراهيم جبرا، على سبيل المثال، تختلف عن قراءة إبداع غسان كنفاني، وقراءة إنتاج إميل حبيبي تختلف عن قراءة إبداعي جبرا وغسان، فلكل منهم موقعه الجغرافيّ وموقفه الفكريّ والأيديولوجي، ولكل منهم تجربته الخاصة. إنّ نقطة الانطلاق في عملية التحليل لا تبدأ من حياة المؤلِّف وظروفه المعيشيّة وبيئته. فهو قد أعطى نصا وعلى المتلقي تقع المهمة الأساسية في إبراز خصوصيات هذا النص، بناء على رؤية فكرية وثقافية ومنهجية، وبناء على ثقافة مكتسَبة، كما أشرنا أعلاه. فالنص هو منتوج المبدع فنيّا، ودور المتلقي هو البحث في جماليات النص. وشكله. فما هو جديد هذه الرواية وماذا تضيف إلى مجمل الإبداع الروائي الفلسطيني؟

لكل نص أسراره التي قد يتوصل القارئ إلى اكتشافها بالقراءة الأولى، إن كانت الرموز شفافة، وقد يتوصل إليها في القراءة الثانية أو الثالثة، إن كانت الرموز أكثر غموضا. لا ندعي ذلك بناء على ما قاله المنظرون حول تعدد القراءات، بل اعتمادا على التجربة التي تكشف لنا بعد طول مراس أنّ المتلقي ينجح في كشف الكثير من أسرار النص منذ اللحظة التي يبدأ فيها عملية التحليل.

فكرة الرواية وحيثياتها

لا يمكننا معالجة رواية "الجنَّة المقفلة" دون الإشارة إلى سياقها التاريخي الذي يؤطّر العمل، فالأحداث المركزية في الرواية هي وليدة الحدثين المفصليين في تاريخ القضية الفلسطينية: النكبة والنكسة، وما تلاهما من أحداث، وتأثيرهما على الصعيد العام والخاص. تتمحور الأحداث المركزية حول عائلة عربية فلسطينية هُجِّرت من مدينتها، يافا، ولجأت إلى غزة، لكنها ما لبثت أن تفرّقت من جديد داخل الوطن وخارجه دون أن يجمع أفرادَها سقفٌ واحد، فلا يبقى في البيت سوى الأم الأرملة والابن عبد العزيز المكنّى كابوتشي الذي يدخل السجن خمس سنوات، في المرة الأولى، وثلاثا في الثانية، تاركا زوجته وابنه برعاية الأم العجوز. وبالرغم من هذا التشتت يظل الحلم يراود الأم بعودة الأبناء إلى طاولة الطعام التي اجتمعوا حولها قبل سنوات طويلة وتناولوا عشاءهم الأخير. يرسخ هذا الحدث في وجدانها وفي ذاكرتها ليصبح العشاء الأخير هو أحد أهم ذكرياتها الذي تحلم بتكراره. تقوم بإعداد الطاولة كل سنة، وفي نفس موعد اجتماعهم الأخير، وتفرش فوقها شرشفا اشترته من جارتها المصرية المتزوجة من فلسطيني، خصيصا لهذا اللقاء المرتقب، ويصبح ترتيب الطاولة طقسا متكررا كل سنة وفي نفس الموعد.
ماتت الأم وظل كل شيء على حاله كما كان من قبل؛ الطاولة والشرشف والأمل بعودة أفراد العائلة والجلوس حولها، إذ انتقلت المهمة من الأم إلى الابن الأصغر، كبوتشي، الوحيد الذي بقي في البيت مع أبنائه. ويبدو أن هذا الحلم أو هذا الطقس لا يقتصر على هذه العائلة فقط، فهذا "جارهم البحار سابقا، كان في ذكرى خروجه من يافا يذهب للبحر يضع كرسيا ويتأمّله من قبل شروق الشمس حتى غروبها، وتمتزج دموعه بالماء الذي يضرب قدميه. طوال خمسين عاما، حتى رحل، لم يتوقف عن هذه العادة". (الرواية، ص14) هذا الانتظار المتوارث هو ميزة فلسطينية فرضتها النكبة والنكسة. تقوم الرواية بتسليط الضوء على هذه الفكرة، وعلى أهمية توريثها من جيل لجيل حتى لا ينطفئ الأمل ولا تخبو جمرة المستقبل. ورغم ما يحمله الانتظار من ألم، ورغم مرور الزمن يبقى الفلسطيني، كما تُبيّن الرواية، يُحيي الذكريات ويبعثها من جديد قبسًا يجب ألا ينطفئ مهما مَرّ من زمن.
يصبح الأمل بتحقيق "اللمة" الهدف الرئيسي أكثر من أي رغبة أخرى، وقوده الذكريات التي تشعل الشوق إلى تلك اللمة وإلى اللقاء المرتقب، وكلما طال الانتظار طالت حكاية الذكريات. فإن غابت يافا عن أرض الواقع إلا أنها ظلّت في الذاكرة، وبقيت الطاولة، بشكلها وصورتها ونقوشها، رمزا هاما من رموز بقايا الوطن، وجاء الشرشف ليؤثث الوجود العائلي. وبقيت حكايات هذه العائلات وحكايات غيرها من العوائل تتكرر روايتها في البيوت وفي الأزقة وفي لقاءات الكبار ينقلونها لمن بعدهم حفاظا على الذاكرة. فإن كانت الأرض تورث كاللغة، كما يقول محمود درويش، فإن الذاكرة تورث هي الأخرى كاللغة، وهي، كما يشعر قارئ الرواية، ليست أقلّ أهمية من الأرض.

لم يعمل الروائي، كعادة معظم الروائيين الفلسطينيين، على تأثيث المكان من خلال مركباته المتنوعة من شجر وبشر وحجر، ومن عادات وتقاليد، ومن أطعمة وملابس وأزياء تُميّز، في اجتماعها معا، صورة المكان الفلسطيني، فأثّثه بذاكرة الأم وجنتها المقفلة، وذاكرة كبار رجال المخيم ونسائه الذين يرسّخون صورة البيارات والبيوت والبحر والقوارب، دون الدخول في تفاصيلها، كما اعتاد الروائيون الفلسطينيون، لكن هذا القليل كان كافيا لإحياء الماضي ونقله عبر العرض والسرد إلى القارئ.

ليس الهدف من حفظ الذاكرة هو التوثيق، ولا إنعاش الذاكرة فحسب، بل إن الأمر يتعدى ذلك ليتحوّل إلى هاجس يرافق الصغار كما يرافق الكبار، فإن كان معظم السرد في الرواية يُبرز دور الحلم البعيد المنال، فإننا نرى- وهذا حقّ المتلقي وواجبه- أنّ الكاتب يدعو إلى التثوير وليس إلى التنوير فقط. نقول ذلك اعتمادا على الأحداث في مجملها، وإلا كيف نفسّر انتقال الدور من الأم إلى الابن الأصغر؟ وكيف نفسّر انتظار أبناء كابوتشي للأعمام والعمات بلهفة في طرقات المخيم وأزقته؟

دلالة العنوان ودوره

لم يعد التعامل مع العنوان ومع أي مركب من مركبات "العتبات" تعاملا عابرا، إذ لا يتأتّى اختيار هذه العتبات جميعها التي ذكرها جيرار جينيت في دراساته إلا بعد لأي فكريّ يقتضي زمنا للاقتناع بها. فالمؤلف يقوم بعملية بناء متكاملة منذ الغلاف وحتى الكلمة الأخيرة في النص، وكلما كان هذا العمران أكثر تماسكا كان أكثر جاذبية للقارئ. وأما ما يقوم به الباحث أثناء عملية التحليل، عبر النظر إلى بعض عناصر البناء الروائي، إنما يهدف إلى توضيح دور كل مركب وكل عنصر في مبنى العمل ككل. من هنا جاء اهتمامنا في هذه الدراسة وفي غيرها بالعنوان والافتتاحية،

إن تصميم الغلاف ليس مفصولا عن العتبات بل هو أحد مركباتها الهامة، وبما أن عملية التحليل تفرض على المتلقي هذا الفصل القسري، فإننا نشير بشكل سريع إلى أنّ تصميم غلاف "الجنة المقفلة" الذي يبدو في غاية البساطة، في المواجهة الأولى ليس بسيطا بقدر ما يتلاءم مع شفافية العنوان وحميميّته وشفافية النص عامة. فما نراه ليس إلا جذوع أشجار، لكن بعد أن ننعم النظر في شكلها فإنها تظهر ثابتة وراسخة، وإن كانت تنقصها الأوراق الخضراء، فبدت كل شجرة مثل شيخ فلسطيني غزّيّ عركه البحر وحرقته أشعة الشمس دون أن تلغي جسارته وقوته. وقد عمل المؤلّف ومصمّم الغلاف على إضافة الخريطة الهندسية في الغلاف لبيت جد والد الكاتب الحاج إبراهيم أبو سيف، في يافا في حي النزهة عام 1938 كعنصر هام من عناصر الجنة، وإشارة إلى ربط الواقع بالخيال. (انظر: صفحة الحقوق)

لا يحتاج القارئ إلى مجهود كبير ولا إلى فترة من الزمن تسعفه في قراءة عدد من الصفحات للتوصّل إلى دلالة هذه التسمية، إذ بدا واضحا أنّ "الجنة المقفلة" هي فلسطين، وأن غزة ويافا جزء منها، عانت وتعاني كل منهما بسبب سياسة الإغلاق فلا يلتقي الأهل إلا لماما، وقد ينتهي العمر دون أن يتحقق هذا اللقاء. لكن فلسطين الأصيلة فقد بقيت هناك في قلب الأم. فإن كان رضوان هو حارس الجنة فإنّ الأم هي حارسة جنتها بما تحمل من أحلام ومن ذكريات، إذ "كانت تخبئ هذه الأحلام في صدرها، مثل جنة مقفلة على ملائكة لا يراهم إلا الرب"، (الرواية، ص40) وأنها ستسلم هذا المفتاح لمن يأتي بعدها لأنّ فتح أبواب هذه الجنة يجب أن يبقى أمانة بيد الأبناء، وأن ما أُقفل يوما لا بد أن يُفتح يوما ما، شريطة الحفاظ على الحلم وعلى الذاكرة.

قد يلجأ بعض الروائيين إلى المخاتلة في اختيار العنوان، وقد اختار عاطف أبو سيف عنوانا يحمل دلالات شفافة تكشف عن ذاتها منذ الصفحات الأولى، ولعل الدافع إلى ذلك هو العلاقة الحميمة التي تربط ما بين الوطن المسلوب وبين أصحابه المشرّدين، بحيث لا يستطيع أي موقع بديل، مهما كانت مكانته، داخل فلسطين أو خارجها، أن يُعوِّض المشرد عن وطنه الأصلي وعن بيته وحارته وجيرته، ولا حتى عن شجره وأزهاره التي تبعث برائحتها صبحا ومساء، أو أن ينسيهم ذكرياتهم. فوجدنا أن كل هذه المكونات ما هي إلا جزء من الجنة المقفلة. أما هذا الانتظار الذي طال بحيث جعل فكرة اللقاء تبدو نوعا من حلم صعب التحقيق فإنه تحقّق أخيرا، لكن منقوصا بغياب الأم إثر موتها، فكان لقاء باهتا وليس حميميا كما لو كانت الأم حاضرة، وبالتالي فإن غزة ما هي إلا محط?%A


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى