الاثنين ١١ نيسان (أبريل) ٢٠٢٢
بقلم جورج سلوم

الحب..بطريقة القضاء والقدر

أغضّ الطرف إنْ بدَتْ لي، ولا ترى غضاضةً في نظراتي إليها.

وأرتكسُ ـ أنا الرجل ـ ارتكاسة العذراء البتول وأرتعد ارتعاداتها، ولا ترى ـ هي ـ ارتجافاتي إلا رجعَ ارتداداتٍ من موجاتٍ (كهرعشقيّة ) تشعشع منها، وألتقطها كمغناطيسٍ جائع يتلقّفها.

وتحمرُّ جلدتي ـ أنا الرجل ـ لابتسامتها الخفيّة وكأنّها تعرف أنّي مهتمٌّ بها، وتتلعثم مشيتي وأتعثّر، فأسمع ضحكاتها ـ هي ـ كإيقاعاتٍ ساخرة مع حشرجة خطواتي.

ويطيب لي أحياناً أن أتعثّر قصداً إزاءها، وأتخيّل أني أقع أرضاً ليدخل بعضي في بعضي، فتمدّ لي يد العون وتنتشل مفاصلي المتداخلة من بعضها، وأسمع شهقات الأسف ـ منها ـ على ضحيّتها التي سقطت بسهم اللحاظ.

ولن أطيل عليكم مسلسل تطوّرات علاقتي بها، بوجهٍ قد يرتطم بوجهها عن طريق الصدفة المُصطَنعة، أو انتظارٍ على زاوية طريقٍ ستسلكه، أو بابٍ ستطرقه، أو حافلة عمومية تحتفل بها وتكتظّ بمناكب راكبيها وأياديهم الضائعة التي تتمسّك بحديد دعائمها أو أجساد محتفيلها.

حتى استدارت يوماً وكنت ألحق بها كظلّها اللصيق، تجرجره خلفها كيفما تحرّكت، قالت:

 ماذا تريد مني يا أخي؟! لستُ ممّن تظنّ بها، فأنا متزوّجة وعلى ذمّة رجل؟

 عفواً سيدتي، بالصدفة فقط أراك بطريقي، إنه القضاء والقدر، وربّ صدفة خيرٌ من ألف ميعاد!

وتركْتُها تختفي وتتبخّر في زقاقٍ جانبيّ، وأعرف أنه طريقٌ التفافيٌّ ينتهي ببيتها. فعلاً كانت متزوجة وعلى ذمّة رجل، وأيضاً متزوّجٌ أنا وعلى ذمّتي امرأة، ولكنه القضاء والقدر.

ولن أطيل عليكم كيف تطوّرت علاقتي بها إلى أن انتهت بجلوسنا سويّة بموعدٍ ضربناه عن سابق تصوّر وتصميم، وما كان قضاء وقدراً!

قالت:

 قريباً سأتحرّر منه، تسعُ سنواتٍ قضيتها معه، وما ارتكَسَ لوجودي كما ترتكس أنت والكهرباء مقطوعة بيننا، قضائي وقدري أن تزوّجت منه، وها أنا أطلب ردّ القضاء وما عدت أتحمّل اللطف فيه.

قلت:

 قدرنا – يا سيدتي - أن نلتقي ـ أنا وأنتِ ـ متأخّرين عن موعدنا، وأن تصل متأخراً خير من ألا تصل، لا أنصحكِ بمفارقته، بل بمضامدته، والضماد تغطية للجرح وإن كان معنّداً على الإندمال.

اندهشَتْ – إذ رأتني في صفّه - وهمّت بالقيام، ثم تراجعت إذ رأت مني تلك الإرتعادة التي تحبّها:

 أوَتطلب مني البقاءَ معه؟..وأنت ماذا سأفعل بك وقد أربكتَ حياتي لشهورٍ خلت؟..وظننتُ أنك خشبة الخلاص الذي أنشدها وأتعلّق بها بعد مخاضي مع زوجي، وكنت سأقطع حبلَه السرّي الذي يربطني به فأولد من جديد.

قلت مبتسماً:

 لا يا أختي، لا تقطعي حبل الوداد مع زوجك لأنه قضاؤك وقدرك، ولن أستبدلكِ – أنا - بأمّ أطفالي التي لا أرتكس لها بالواقع، لكنها قضائي وقدري، وأنا لن أطلب ردّ القضاء بل أطلب اللطف فيه فقط. دعينا نحلم ببعضنا فقط، أرتكس لكِ وترتكسين لي، وأرتعد وترتعدين، وأتلهّف وأشغف وأتعفّف عنك وتتعفّفين، وأحلم بقطاف العنقود وأحلم بأني أتلذّذ بحبيباته حبّةً حبة، وتعافه نفسي أخيراً لأني أراه عالياً، بل ومستحيلاً، فأضيف السكر إلى حموضة عنقودي وأتناوله لأني قدري!

يومها شربْتُ معها كأساً من نبيذ كعصارةٍ مستقاة من عنقودها..

وشرِبَتْ هي فنجاناً من القهوة، ولاحظتُ أنها أضافت إليه الكثير الكثير من السكّر لتحلّي مرارتها.

والتقينا بعدها لماماً بطريقة القضاء والقدر، وبقي عنقودُها الجذّاب بعيداً وعالياً ومستحيلاً، وانتظرْتُ القضاء والقدر عسى أن يسقط لي حبة منه، وكنت أحسد ذلك العصفور الذي ينقره كل خميس بمنقاره، أحسده لأنه محبوسٌ معها في قفص الزوجية.

ذلك هو قدرُها ـ هي ـ وذلك هو نصيبه ـ هو ـ..وليس لي ـ أنا ـ في ذلك الطيّب من نصيب.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى