الخميس ٣ آذار (مارس) ٢٠٢٢
مطارحاتٌ في فضاءِ الفكْر
بقلم رامز محيي الدين علي

الخيرُ

قالُوا:

غايةُ العلمِ الخيرُ. أفلاطون

إنْ تعبْتَ في الخيرِ، فإنَّ التَّعبَ يزولُ والخيرُ يَبْقى، وإن تلذَّذْتَ بالآثامِ، فإنَّ اللَّذَّةَ تزولُ والآثامُ تبقَى. أفلاطون
أفضلُ طريقةٍ لإلزامِ النّاسِ أن يقولُوا فينا خيراً هي أنْ نصنعَ الخيرَ. فولتير

إنّ فعلَ الخيرِ هو أفضلُ عبادةٍ يُمكنُ أن نقدِّمَها للهِ. فولتير

جليسُ الخيرِ نعمةٌ، وجليسُ الشَّرِّ نِقْمةٌ. المأمون

وأقولُ:

بالخيرِ نمسحُ دموعَ الفقراءِ، ونُداوي جراحَ الأشقياءِ، ونرتقِي بالبشريَّةِ إلى عالمِ الملائكةِ.

حينَما نغرسُ قيمَ الخيرِ في ذواتِنا، تنبجِسُ منها ينابيعُ المحبَّةِ والعطاءِ والعدلِ والتَّسامحِ لخدمةِ الإنسانيّةِ.

في كلِّ ذاتٍ بشريَّةٍ ربيعٌ يتفتَّحُ بأزهارِ الخيرِ، حينَما نغرسُ في تربتِها بذورَ الإيثارِ، ونقتلعُ من أعماقِها بذارَ الأنانيّةِ والحقدِ والكراهيةِ.

حينَما نغرسُ فضائلَ الخيرِ في نفوسِ البشريَّةِ، يجبُ ألّا نتباهَى بأنّنا أبطالٌ، فالنُّفوسُ العظيمةُ تصنعُ أعمالَ الخيرِ الجسامَ في صمْتٍ.

البلابلُ تعلِّمُنا أنبلَ دروسٍ في العطاءِ، والأزهارُ تمنحُنا أروعَ رواياتِ جمالِ الإبداعِ.

في الطَّبيعةِ تتَجلّى قيمُ الجمالِ والخيرِ والمحبّةِ والتَّسامحِ..، لكنَّ البشريَّةَ الشِّرّيرةَ هي الّتي تُدمِّرُها.

لنَنْتصِر للخيرِ إذا أردْنا أن نحْيَا سعداءَ، وإلّا فالشّرُّ أقصرُ الطُّرقِ إلى جحيمِ الشّقاءِ.

بالخيرِ تتجدَّدُ بذورُ الإنسانيَّةِ، وبالشّرِّ تموتُ جذورُها، فتَفْنى شجرةُ الحياةِ.

قد تستطيعُ بالخيرِ أن تَشِيدَ بيتاً في السَّماءِ، ولكنَّكَ بالشَّرِّ تهدمُ آلافَ المنازلِ في الأرضِ.

أيُّها الخيرُ..

أنتَ ظلُّ الإلهِ العظيمِ، بكَ ندخلُ ملكوتَ السَّماءِ، وبكَ نتعبَّدُ في محاريبِ الأرضِ؛ لنفتحَ أبوابَ نعيمِ خلودِ البقاءِ، بكَ نرسمُ نعيمَ اللهِ على الأرضِ، وبكَ نبنِي مجدَ الإنسانيَّةِ العظيمةِ جبالاً شامخةً تعانقُ ذاتَ الإلهِ في السَّماءِ، بكَ تسعدُ البشريَّةُ، فتمتزجُ بروحِ الإلهِ، وبدونِكَ تشْقَى فتَمحُو كلَّ معالمِ جمالِ الإلهِ.

إنّكَ تنبعُ من أعماقِ الأرضِ ثرواتٍ، وتنهمِرُ من غيومِ السَّماء قطراتٍ، فتنبعثُ الحياةُ كلّما جفَّتْ خضرتُها وتصحَّرتْ أرديتُها، وتموجُ ثراءً من أعماقِ المحيطاتِ.. إنّك تبرٌ في كلِّ ذرّةٍ من ذرّاتِ التُّرابِ، تتدفَّقُ -في كلِّ بارقةٍ من بوارقِ أشعَّةِ الشَّمسِ، وفي كلِّ نورٍ يهِلُّ من القمرِ، وفي كلِّ لألأةٍ من لآلئِ النُّجومِ- هِباتٍ..

إنّكَ سرُّ خلودِ كلِّ فكرٍ عبقريٍّ يُحيلُ التُّرابَ تِبراً يفجِّرُ الصَّخرَ ينابيعَ عطاءٍ، ويصوغُ طاقةً تُجدّدُ الحياةَ حركةً وقوّةً من أشعّةِ ذُكاء، ويجعلُ من السَّماءِ بساطاً تسبحُ فيه البشريَّةُ؛ لتختصرَ أزمنةَ المسافاتِ، وتقرِّبَ الإنسانَ إلى ذاتِه كلَّما هامَ غراماً إلى أحبَّتِه وخلَّانِه.

إنّكَ في أعماقِ البحارِ والمحيطاتِ تمُورُ بالعطاءِ، وفي الصَّحارَى تتدفَّقُ شلّالاً بمعادنِ الثَّرواتِ، وفي السُّهولِ تمُوجُ مروجاً بالجمالِ والبهاءِ والعطاءِ، وفي الجبالِ والوديانِ والوهادِ تنطِقُ أنهاراً وغاباتٍ وسحراً يتنفَّسُ بالعشقِ ويتزاوجُ بالمحبَّةِ ويتكاثرُ بالولادةِ..

الإلهُ خيرٌ مطلَقٌ في كلِّ أنحاءِ الوجودِ! فكيفَ لنطفةٍ بشريَّةٍ تافهةٍ ضعيفةٍ تشوِّهُ معالمَكَ، وتقتلُ بذورَك وتجفِّفُ ينابيعَك، وتقطعُ أغصانكَ، وتمحُو ظلالكَ، وتُطفِئُ أنوارَكَ، وتنشرُ ظلماتِها، وتمنعُ شلّالاتِكَ من الفيضانِ أنهاراً تُجدّدُ الأرواحَ، ولا تسحقُها ومازالَت أجِنَّةً في أرحامِها، وكيفَ لثُلَّةٍ من أوباشِ البشريَّةِ الشِّرّيرةِ تقودُ الحياةَ إلى نهايتِها المأساويَّةِ، وقد أرسلَ اللهُ أنبياءَه للنُّهوضِ بها من مهَاوي الرَّدى والجهلِ إلى عالمِ الحياةِ الأبديّةِ المُفْعمةِ بالنُّورِ والنَّعيمِ؟! كيفَ لقلَّةٍ من الأشرارِ أن يشوِّهُوا جمالَ الحياةِ، والجمالُ يفيضُ أنوارَ خيرٍ معَ ولادةِ كلِّ صباحٍ؟! وكيفَ لطُغمةٍ من الأشرارِ تُحيلُ أحلامَ البشريَّةِ الجميلةِ في غفوتِها إلى كوابيسِ قتلٍ وتشريدٍ ودمارٍ وفناءٍ؟!

لقدْ جدَّدَ اللهُ الحياةَ بعبقريَّةِ علمائِه الأفذاذِ الّذين سخَّرُوا فكرَهم لسعادةِ الإنسانِ لا لشقائِه، وسلَّحُوا الإنسانَ بالقوَّةِ؛ لمجابهةِ طغيانِ الطَّبيعةِ المتمردَّةِ، وأعْلَوا من صروحِ الحضارةِ لا من أدواتِ هدمِها، وجدَّدُوا العطاءَ لكلِّ كائناتِ الوجودِ ولم يمنعُوه عن أحدٍ منها، وبعثُوا الهِممَ في النُّفوسِ البشريَّةِ؛ لتجديدِها لا لوأدِها حيَّة في المخاضِ.

أيُّها الخيرُ.. أنتَ بذرةٌ في كلِّ خلقٍ من مخلوقاتِ اللهِ، وفي كلِّ ثمرةٍ من ثمارِ الفكرِ!!

فكيفَ أحالَ الأشرارُ ضوءَ الشَّمعةِ الّتي أضاءَت ظلماتِ الأبصارِ، وأنارَت دياجيرَ الفكرِ إلى نيرانِ حقدٍ تقتلعُ الأبصارَ، وتدفنُ كلَّ إبداعاتِ السَّماءِ والفكرِ تحتَ رمادِ حقدِهم؟!

كيفَ أحالَ الأشرارُ ذرَّاتِ معادنِكَ الأليفةِ إلى مُركَّباتِ حقدٍ تنشطرُ آلافَ الانشِطاراتِ المُشعَّةِ بالدَّمارِ والوحشيَّةِ والهمجيَّةِ؛ لتمْحوَ كلَّ معالمِ الخيرِ والجمالِ والإنسانيَّةِ؟!

كيفَ أحالَ الأشرارُ السَّماءَ الّتي تحلِّقُ فيها حمائمُ السَّلامِ حاملةً أغصانَ زيتونِ المحبَّةِ والسَّلامِ إلى سماءٍ ترعدُ بالدَّمارِ، وتَبْرقُ بالخرابِ، وتُمطِرُ بالفناءِ؟!

كيفَ أحالَ الأشرارُ مواخرَكَ في البحارِ من عالمٍ يرفُلُ بالعطاءِ والحياةِ إلى أساطيلَ تنشرُ الرُّعبَ، وتنفُثُ الدَّمارَ، وتُزلزلُ الأرضَ تحتَ أقدامِكَ، وتشحنُ سماءَكَ بسحُبِ البشاعةِ والفناءِ؟!

كيفَ للُقطاءِ الأرضِ الّذين رفسَتْهم شريعةُ السَّماءِ شُذَّاذاً أن يدوسُوا مقدَّساتِكَ، ويرفعُوا راياتِ رجْسِهم شريعةَ غابٍ تنفرُ من قذارتِها الذِّئابُ؟!

كيفَ للُقطاءِ الشَّرِّ أن يُدنِّسُوا قداسةَ عذريَّتِكَ في حوريَّاتِ العالمِ وفي أحلامِ عصافيرِ طفولةِ جنَّتِكَ وأن يجتمِعُوا في مواخيرِ قذارتِهم؛ ليَفصِلُوا بينكَ وبين شرورِهم؟!

كيفَ للُقطاءِ العُهرِ والدَّنسِ أن يدنِّسُوا شريعتَكَ بألقابِ قذارتِهم، وهُم مَن يصنعُ أقذرَ شرائعِ القتلِ والفسادِ والدَّمارِ؟!

كيفَ للُقطاءِ الزَّرائبِ الحيوانيَّةِ النَّتِنةِ تدوسُ طُهرَكَ في عرشِ جمالِكَ الطَّاهرِ، ويُقيمُون على جثثِ الضَّحايا صلواتِ البطولةِ وتراتيلَ أناشيدِ السَّماءِ؟!

كيفَ لشياطينِ الأرضِ تقتلُ في حِماكَ كلَّ بذورِ الخيرِ، وتطاردُ ملائكةَ الرَّحمةِ، وأنتَ ما تزالُ ملاذَ الضُّعفاءِ والمقْهُورينَ دعواتٍ تلهجُ بها الألسنُ.. فلا تجِدُ لها من نصيرٍ؟!

كيفَ لشياطينِ الأرضِ تسرقُ أنفاسَكَ من أعماقِ الأرواحِ، وتقتلِعُ جذورَكَ من أحشاءِ الحياةِ، وأنتَ ما تزالُ تراتيلَ أفئدةٍ مكسورةٍ تنتظرُ ولادةَ الفرجِ من رحمِ السَّماءِ؟!

كيفَ لشياطينِ الأرضِ يُلاحقُون شياطينَ السَّماءِ بتُهمِ إجرامِ وساوسِهم، والشَّياطينُ قدْ فرَّتْ من رجومِهم إلى عالمِ الغيبِ والشَّهادةِ؟!

كيفَ لشياطينِ الأرضِ ترجُمُ الأبالسةَ بالجمَراتِ، وفي ذاتِ كلٍّ منهُم ألفُ شيطانٍ رجيمٍ لا تستقيمُ الحياةُ إلّا برجمِهم بشُهبِ السَّماءِ وصواعقِ المطرِ وبراكينِ الأرضِ؟!

كيفَ لشياطينِ الأرضِ تلعنُ ربوبيَّةَ فرعونَ، وتُهاجمُ بحرَ مالِ قارونَ، وفي تجبُّرِهم ألفُ فرعونَ وفرعونَ، وفي أحشاءِ ثرائِهم وبغائِهم بيادرُ وبيادرُ من الثّراءِ والبغاءِ؟!

الخيرُ:

بلَى إنّكَ مُحِقٌّ فيما تقولُ أيُّها الصَّديقُ! ولكنْ دعْهم يترنَّمُون بما يفعلُون؛ لأنَّهم إنْ شوَّهُوا جمالِي؛ فلأنَّهم مشوَّهُون في أعماقِ نفوسِهم بجريرةِ شرورِهم!

وإن اجتثُّوا بذُوري من كلِّ ركنٍ من أركانِ الدُّنيا، فلأنَّهم أوباشٌ لا يفقهُون فلسفةَ نواميسِ الحياةِ.. فقدْ يعكِّرُون صفوَ حياةِ البشريَّةِ بشرورِهم، ولكنَّهم يموتُون شرَّ مِيتةٍ بأفعالِهم!

وإن اقتلعُوا جذُوري من الأرضِ، فأغصانِي تعانقُ شهبَ السَّماءِ، وفروعي ستتساقطُ أوراقاً لتدفنَهم أحياءً!
وإن حشرُوا كلَّ ما حبَانِي اللهُ من جمالٍ في أحشائِهم، فسوفَ تُحرَقُ أجوافُهم بلهيبِ جشعِهم وأطماعِهم وشرورِهم، كما تلتَهِمُ النِّيرانُ غابةً وارفةَ الظِّلالِ بالنِّعمِ!

وإن حصدُوا كلَّ ثرواتِي ومعادنِي، فسوفَ يَجنُونَ ثماري أمراضاً وأوبئةً تنشطِرُ في أجسادِهم انشطارَ حقدِهم على البشريَّةِ!

وإن صنعُوا من مجدِ ثرواتِهم آلهةً، فسوفَ يحترقُون في نارِ جهالتِهم في دنياهُم وفي حياةِ أبديَّتِهم!

وإن أحالُوا أنوارِي دياجيرَ، فسوفَ يختنِقُون في ظلماتِ أنفسِهم المُفعةِ بالشُّرورِ!

قد يقتلُونَ الأبرياءَ، وقد يسرقُونَ رغيفَ خبزِ الفقراءِ، وقد ينهبُون كلَّ معالمِ الجمالِ في الحياةِ، وقد يبتلِعُ بعضُهم بعضاً، كما تبتلِعُ الأفعَى قرينتَها، ولكنَّهم سيغصُّونَ غصَّةَ الأفاعي، فيندثٍرُون بسُمِّ بعضِهم بعضاً!

كفاكَ مثاليَّةَ أفلاطونيَّتِكَ أيُّها الخيرُ! فانظرْ إلى فرعونيَّةِ أهراماتِهم من خيراتِكَ!!

إنّهم يمتلِكُون الجمالَ، وينسبُون فضائلَه لبشاعةِ نفوسِهم..

إنّهم يكتنِزُون أموالَكَ بجشعِهم وينسبُون جشعَهم إلى عطاءِ منحِ السَّماءِ!!

إنَّهم يمتلِكُون القُوّةَ، ويدَّعُون قوَّةَ البطشِ مدداً من عرشِ السَّماءِ!!

إنَّهم يزحفُونَ لتوسيعِ جبروتِ إمبراطوريَّاتِهم، وهم يحملُونَ أسفارَ النَّصرِ ويلْهجُون بالدُّعاءِ!!

إنَّهم ينشرُون الدَّمارَ، وهم يبتهِلُون بمزاميرِ النَّصرِ ويغرِّدُون بابتهالاتِ الرَّجاءِ!!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى