الاثنين ٥ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٢

الزهايمر

علا شيحه

جئنا إلى الحياة دون قرار عشناها دون أن نختار أهم تفاصيلها لم تختر اسمك لون بشرتك ولا حتى عائلتك او انتماءك كنت فقط تعيش في تلك الدائرة التي رسموها لك من الإنسانية المتطرفة ولتعلم مع مرور الوقت أن كل شيء زائل وأن الموت ليس إلا عودة الجسد إلى خامه الأصلي لتدرك أنك لم تكن تعيش بل كنت ميتا دون أن تفكر في الأمر أو لم ترد أن تفكر إننا أحياء بغير حياة أموات بغير موت

الموت الحقيقي هو انطفاءك انطفاء تلك الرعشة في دمك اثر اي موقف او حادثة الأمس قد رحل والغد ربما لن يأتيك أما عن اليوم فهو عمر مؤقت وأن تتذكره فأنت فقط تحاول أن تعطيه أطول وقت من الحياة
كانت ليلة الأول من اكتوبر كان الجو قد بدأ يميل للبرودة نوعا ما على باب الوقت نظرت إلى السماء بأسى هي ابنة الخامسة والثلاثين خريفا ترقب مرآة الليل المتشظية أو هي في الأصل صدفية مقعرة في كل مرة تنظر إليها سترى صورة مختلفة لست أنت من تراه

هناك جلست تفكر في كل تلك السنين التي مرت وفيما زرعت الحرب في بكارة ذاكرتها من صور الموت والحرمان والتشرد صور تاجر البعض فيها باسم القضية وما هي القضية لا أحد يعلم في لحظة ما وفي صدفات تلك المرآة رأت أمامها شريط حياتها هناك حيث كانت طفلة بأوج براءتها عندما سرقت منها ابتسامتها واغتصبت ضحكاتها باسم الاختلاف الغير مقبول وكأنه وجب علينا أن نستنسخ بعضنا وتلك البيولوجيات لاتناسب هذا البلد أو ذاك ففي مكان ما يكون الأسود عبدا وفي آخر يكون الأبيض ناقص التكوين وهنا تكون المرأة عورة وفي أخر تكون سيدة لقد تذكرت كل أعوامها الماضية الطفولة المشوهة الوحدة القاتلة نظرات الشفقة والرفض من محيطها كانت تمشي على ركبتيها لم تمتلك أقداما كاملة لقد ولدت هكذا لم يكن لها يد في ذلك فعلى ما يحاسبها الناس
تساءلت
ما الذي صنعته لأكون ضحية تلك الأفكار
ماسبب ما أنا فيه يا إلهي
لم اخترتني أنا
ماذا لو كان واحد من اولئك الذين يهزؤون بشكلي

هل وجب علي دائما أن أخذ دور المدافع لأقنع ايديولوجياتهم الخاطئة المبنية على نظرة السطحية اللاإنسانية بأنني مثلهم

ماذا عن الإنسان متى سيدرك الإنسان أهمية الإنسان متى سيقبل ذلك الاختلاف بينك وبينه ليعلم أنك لست نسخة طبق الأصل عنه. وأنه هناك الكثير من الايدولوجيات البيولوجيات واللسيكولوجيات المتناقضة في هذا العالم

ماذا عن ماهية الإنسان أليس لها احترام في قوانينهم ألم يخلقنا الله وقد بث في داخلنا نفخة من روح لنقدر تلك الروح مهما كان شكل جسددها ومعالمه

أيها الكامن خلف ضبابك أنا إنسان ذكرا كنت او انثى أبيضا كنت او أسود طويلا او قصيرا مسلما او مسيحيا او يهوديا بوذيا او هندوسيا طفلا او كهلا مبصرا او ضريرا غنيا او فقيرا انا إنسان

متى سستنتهي حرب الأعراق والاجناس حرب الملوك والعبيد حرب الذكر والانثى

نظرت من نافذتها إلى ذلك الفراغ حيث اللاشيء يطفي على الليل شيئا من غطرسته في تلك اللحظة اثر حضور كل هذا السواد تراءى أمامها

كم من الموت عاشت كم مرة بكت وتألمت بصمت كم من الحروب خاضت داخل ذاتها لتحارب كل تلك الايديولوجيات المتخلفة لتبقى ها هنا على أهبة السقوط كم عرجت على عكاز الدموع المخبأة والكتمان المسموم لتبدو قوية غير مبالية وقفت تحدق في طفولة بترت ضفائرها مقصلات التخلف ورفض الذات البشرية
نظرت في صورة أبيها المعلقة على جدار ذاكرتها ذلك الرجل الستيني لقد غيبه الموت قبل اعوام كم من ألم فراق حاربت كم افتقدت كم مرة أخبروها أنهلم يكن يحبها وأنه أراد التخلي عنها بسبب شكل قدميها لكنها فكرت جيدا. ولم ترضخ لكل تلك الثرثرات فلو أراد التخلي عنها لفعل منذ وقت طويل

تطل على اللاشيء تحاول ألا تنطفئ ولكن ماذا باستطاعة كائن متلها أن يفعل وكل ما حولها آيل للسقوط تساءلت

ماهي الحياة
لماذا وجدت إن كانت ستنتهي
لماذا تركوني أعيش كل هذه الآلام
ألم يكن من الأفضل لهم لو تخلصوا من وجودي
ماذا لو رمونني على باب ملجأ أو في حاوية نفايات
ما كانوا ليحتملوا كل هذا السخط ممن حولهم

ماذا لو تركوني فريسة لملك الموت أما كانوا ليرتاحوا فلا شيء سوف يبقى مني في نظراتهم
ما هو الموت

أهو رحمة ترتقي بنا إلى حيث يصبح العدل ميثاقا

لماذا نترك لنعيش كل هذه الآلام وكل تلك الصراعات إن كان الموت قادرا على منحنا هذه الراحة الأبدية

ماذا عن الخلود تلك الكذبة الممنهجة

نحن مع الوقت ننسى ثم ننسى فكل شيء آيل للنسيان للعتم نحن فقط نكتب عنا عن أفكارنا نظن أنها ستخلدنا لكننا ننسى وكم من قراء حفظوا أبطال الروايات وافكار الفلاسفة ونسوا اسماء كاتبيها ستصدمنا الحقيقة بأن تلك النصوص والكتب سينتهي بها المطاف قابعة على الرفوف يغلفها الغبار واذا ما تذكرها أحدهم فليكنس عنها غبار السنين

ماذا عن النسيان

لماذا لايخترعون ترياقاً او كبسولات يبتاعها الناس ليتناسوا كل تلك الصور البشعة والموت والحروب
ألم تكن لتكون أفضل من الهيروئين

أم أنهم يحبون شعور الناس بالحاجة ليستعبدوهم

أغلقت نافذتها وخلدت إلى فراشها متكورة على نفسها تحدق في جدران تلك الغرفة المظلمة وفي عجلات ذلك الكرسي

قالت لنفسها وهي تحدق في ظلها المكسور كم اتمنى أن أفقد ذاكرتي وأن أمسح كل تلك الذكريات القاهرة أو ربما من الأفضل أن يغتصبني مرض الزهايمر مؤكد سأكون أفضل حالا من أن أعيش أسيرة لذاكرة بائسة
غابت في لاوعيها لتغط في نوم عميق

الثامنة صباحا الرياح في أول ميلادها تلفح خد الورد نهضت من فراشها لترى الفوضى العارمة من حولها ماذا تفعل الآن ستتأخر عن عملها تركت كل شيء على حاله بدلت ملابسها وغادرت المكان وبينما هي في الطريق وفي وسط الشارع صادفت ذلك الرجل الخمسيني وقد بدت ملامحه شاحبة غامضة سمعته يتحدث مع نفسه بصوت عال كالمجانين كلاما ملعثما غير مفهوم دفعها فضولها لتقترب نحوه محاولة التحدث معه
مرحبا ياعم كيف حالك

اهلا بخير

هل اساعدك في عبور الشارع الى الجهة الاخرى
لا بأس شكرا لك لكن لا اعرف الى اين انا ذاهب
كيف ذلك هل انت وحدك هنا
كنت وحدي ولكن فتاة عشرينية كانت تمشي بجانبي ولا أعلم من تكون ولا اين ذهبت
لا اعرف كيف وصلت الى هذا المكان ولا اعرف كيف اعود الى البيت لقد نسيت كل شيء
هي لا تعرفه ولكنها لا تسطيع تركه هكذا تائها في منتصف الطريق ماذا لو تعرض لحادث سير او اختطف من قبل عصابة لتجارة الاعضاء تساءلت لا لا يمكنني تركه هنا علي أن أفعل شيئا أمسكت بيده لتسير به إلى أقرب مركز للشرطة وقبل أن. تصل ظهرت فجأة تلك الفتاة العشرينية لتسألها من أنت
انا كنت مارة من هنا وحسب وجدته متعبا في وسط الطريق أردت مساعدته
شكرا لك

الرجل الخمسيني يحدث المرأة لو كان لدي بنت كانت ستكون بعمرها

بكت تلك الصبية العشرينية من حزنها وقالت اعذريني ياسيدتي إنه أبي لكنه مصاب بمرض الزهايمر لذا هو لا يتذكرني اتعلمين كم مؤلم هذا الا يتذكر أب وجه ابنته هل جربت يوما ان تنسي ملامح والدك أو ينسى هو وجهك

لقد صدمت تلك المرأة مما رأت قالت لابنته اعتن به وغادرت دامعة حزينة تفكر كم من الوقت اضاعت ليلة امس وهي تفكر في طريقة للنسيان لمسح كل ما ارتسم بين تلك الخلايا في الدماغ من معالم وكل ما حفر في القلب من اثار الحب والحنين

كم من الغباء ان افكر في هذا

انا على قيد الحياة يمكنني ان انبض بقلبي ان امنح العالم هذا الحب الذي يطوقني وان أنجب واربي واعلم وان احقق ما اردت بأن اكون محققة ناجحة تحلل وتبحث حتى تصل إلى الأدلة المنطقية المقنعة
ان ذاكرة الألم افوى من ذاكرة الفرح لانها تحفر اثارها بعمق اكبر في تلافيف الدماغ وبين اروقة القلب في التبضات

علا شيحه

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى