الخميس ٥ آب (أغسطس) ٢٠٢١
بقلم رامز محيي الدين علي

السِّرُّ في أضعفِ خلقِه


(كلماتُ الأوبئةِ والفيروساتِ في حربِها ضدَّ البشرِ)

على خشَبةِ المسرحِ تَستعرِضُ الأوبئةُ والفيروساتُ بطولاتِها في القضاءِ على الكائناتِ البشريَّةِ، ويُقدِّمُ كلٌّ مِنها الأدلّةَ والبراهينَ على حكمتِه وحنكتِه وأساليبِه البارعةِ في حربٍ سجالٍ لم تَخمدْ أُوارُها ضدَّ تلكَ الكائناتِ، ويتَقدَّمُ كلٌّ منها إلى منصَّةِ المسرحِ للحديثِ عن بطولاتِه بثقةٍ، كمَا يقِفُ القادةُ المهزومُونَ في خداعِ شعوبِهم بالخُطبِ الحماسيَّةِ، والنَّياشينُ وأوسِمةُ النَّصرِ على صُدورِهم، ولكنْ معَ فارقِ تحْقيقِ النَّصرِ الحَقيقيِّ بينَ البطولتَينِ:

ومنَ المعلومِ على مَدارِ التَّاريخِ، فقدْ دمّرَ تَفشِّي الأمراضِ والأوبئةِ الكائناتِ البشريَّةَ وغيرَها، وأدَّى انتِشارُها إلى تَغييرِ مَسارِ التَّاريخِ، وتمَادَتْ في سَيْطَرتِها حتّى أَفْضَتْ إلى اندِثارِ حضَاراتٍ بأكْملِها.

ولكيْ أَدخُلَ مسرحَ التَّمثيلِ لإعدادِ الأدوارِ، كانَ لا بدَّ لي مِن استِحضارِ أهمِّ الشَّخصيَّاتِ الفيروسيَّةِ الّتي عصفَتْ بالبشريَّةِ منذُ ولادتِها إلى اليومِ، وفيْما يلي عددٌ منْ أسْوأِ الأوبئةِ والجوائحِ الّتي تبدأُ منْ عصورِ ما قبلَ التَّاريخِ إلى عصرِنا الرَّاهنِ، وصولاً إلى أخْطرِها، وهوَ منْ أعظمِ ابتِكاراتِ العربِ في كلِّ أزمِنتِهم، بعدَ أنْ تكالبَتْ علَيهم الأممُ بمُؤامرَاتِها ودسائِسِها وتَداعِيها علَيها كمَا يتَداعى الذُّبابُ على قصْعةِ الطَّعامِ، فمَا كانَ أمامَهم منْ سلاحٍ يَقْضي على كلِّ المؤامراتِ، ويردُّ عنهُم شتّى أنواعِ العُدوانِ، إلّا اختِراعُ فيروسِ (أرابْيُون 99 المستَحْدَث) الّذي سيُغيِّرُ تاريخَ العالمِ ومعالمَ الكرةِ الأرضيَّةِ ببِحارِها وأنهارِها، بجبالِها ووديانِها، وهِضابِها وسهولِها، بثرواتِها وعروشِها، وربَّما يَنْتهي بإزالةِ ما يُسمَّى بخطوطِ الطُّولِ والعَرضِ وخطِّ الاستِواءِ منَ الخرائطِ الجغرافيَّةِ، بعدَ أنْ تسودَ إمبراطوريَّةُ العربِ على الكرةِ الأرضيَّةِ وطردِ جميعِ سكّانِها إلى الفضاءِ الخارجيِّ! وهَا هيَ شخصيَّاتُ المسرحيَّةِ منْ أقْدمِها إلى أحْدثِها:

1- الفيروسُ الصّينيّ (5000 ق.م):

أُحيِّيكمْ أصدِقائيَ الفيروساتِ وتحيَّاتي لجمهُورِنا الكريمِ من شتّى أنواعِ الأوبئةِ والفيروساتِ.. يُسعِدُني أنْ أُعرِّفَكم بأهمِّ إنجَازاتي في حُروبِنا ضدَّ البشرِ.. معكُمُ الفيروسُ الصِّينيُّ المتواضعُ المجهولُ (تشاو شونغ) من تَسمِيَتي:

قبلَ نحوِ خمسةِ آلافِ سنةٍ قبلَ التَّاريخِ، قضيْتُ على قريةٍ بكلِّ سكَّانِها في الصّينِ.. جعلْتُ جثثَ القَتْلى مَحشوَّةً داخلَ منزلٍ، حتّى لجؤُوا إلى إحراقِهِ لإخفاءِ بطُولاتي في القضاءِ عليهِم وتَجنَّباً لمهاجمةِ جميعِ قُراهُم ومُدنِهم، ولمْ يتَمكَّنُوا من إنقاذِ مخلوقٍ بشريٍّ من بطْشِي، وتركْتُ الجثثَ هياكلَ عظميَّةً للأطفالِ والشُّبَّانِ والكهُولِ داخلَ المنزلِ.

وإذَا أردتُم الدَّليلَ على بطُولَتي ضدَّ البشرِ فتأمَّلُوا ذلكَ الموقعَ الأثريَّ الّذي أطلَقُوا عليهِ اسمَ "هامين مانْغا" وهوَ أحدُ أهمِّ المواقعِ المحفوظةِ في شمالِ شرقِ الصِّينِ.

ولمْ يكُنْ أمامَ الصِّينيّينَ إلّا القيامُ بالدِّراساتِ الأثريَّةِ والأنثروبُولوجيَّةِ؛ ليكتشِفُوا أنّني وباءٌ سريعُ الانتشارِ لمْ أترُكْ لهُم وقتاً كافياً لدفْنِ جثَثِهم الّتي أنهكْتُها بسرعةِ الرّياحِ.

وفي المرحلةِ الزمنيَّةِ نفسِها أهلَكْتُ الكثيرينَ منهُم، ودفَنُوا موتاهُم دفْناً جماعيَّاً في موقعٍ سمَّوهُ Miaozigou في شمالِ شرقِ الصّينِ، وقمْتُ بالكثيرِ من أعمَالي البطوليَّةِ، لكنَّهم لم يتمكَّنُوا منْ معرفةِ إلّا القليلِ ممّا أوقعْتُ فيهِم منَ الهلاكِ والدَّمارِ وحصْدِ الأرواحِ!

2- طاعونُ أثيْنا (430 ق.م):

احتِرامي لكُم جمْهوريَ العزيزَ وتَقْديري لزُملائي على خشَبةِ المسْرحِ.. معكُم العبدُ الفقيرُ طاعونُ أثِيْنا منَ القرنِ الرّابعِ قبلَ الميلادِ، في حوالي 430 قبلَ الميلادِ، وبعدَ فترةٍ وجيزةٍ منْ بدءِ الحربِ بينَ أثيْنا وإسبَرطةَ، دمّرتُ شعبَ أثيْنا، واستمرَّ عمَلي لمدّةِ خمسِ سنواتٍ.

وقدْ بلغَ عددُ ضحَايايَ نحوَ مئةِ ألفِ شخصٍ حينَ انقضَضْتُ على فرائِسي بهجومٍ مُباغِتٍ، وكانُوا يتمتَّعُون بصحَّةٍ جيّدةٍ، أدّى إلى ارتفاعِ درجاتِ الحرارةِ في رؤُوسِهم، واحمِرارٍ والتهابٍ في أعيُنِهم، وأصبَحَتْ حلُوقُهم وألسنَتُهم بلَونِ الدَّمِ، حتّى انبعثَتْ منْ أنفاسِهم رائحةٌ نتِنَةٌ لا تُطاقُ.
وبسببِ ضعفِ خبرةِ البشرِ بمعرفةِ أنواعِ الفيروساتِ، فقدْ بقيْتُ مصدرَ نقاشٍ بينَ العلماءِ؛ لمعرفةِ نَوعي وطَبيْعتي، فطرحُوا احتِمالاتٍ عديدةً حولَ ماهِيَتي، فظنُّوا أنَّني حُمَّى التّيفُوئيد أو فيروسُ الإيبُولا.

وبسببِ الاكتِظاظِ النَّاجمِ عنِ الحربِ في الجيوشِ أو المجتَمعاتِ، فقدْ سهَّلُوا مَهمَّتي للانتشارِ السَّريعِ بينَهم. وللحقيقةِ فقدْ كان جيشُ إسْبرطةَ أقْوى من جيشِ أثيْنا الّذي اضطُرَّ للُّجوءِ إلى سلسلةٍ منَ التَّحصيناتِ سمَّوهَا (الجُدرانَ الطَّويلةَ) الّتي ساهمَتْ في حمايةِ مدينتِهم من هجمَاتِ الإسبارطيّينَ.

وعلى الرَّغمِ من انتِشاري الكبيرِ بينَهم، لم يتَّعِظوا، ولم يُدركُوا أنّني عدوُّ هُم جميعاً، فاستمرُّوا في الحربِ، ولم تَنْتهِ حروبُهم حتّى عامِ 404 قبلَ الميلادِ، حينَما اضطُرَّتْ أثيْنا إلى الاستِسلامِ لإسبرطةَ.

3- الطَّاعونُ القُبرصيُّ (250 -271 م):

أهلاً ومَرحباً بكُم أيُّها الجُمهورُ الكريمُ: معكُم الطَّاعونُ القُبرصِيُّ المشهورُ (250-271 م)، ودليلُ شُهرتي أنَّهم أطلَقُوا عليَّ اسمَ القدِّيس (سيبريان) أسقفِ قرطاجَ (في تونسَ). وكانَ من أعراضِ الإصابةِ بي: الإسهالُ الشَّديدُ والقيءُ وتقرُّحاتُ الحلْقِ والحُمّى وغرْغَرينا اليَدينِ والقدمينِ.

وكانَ ظُهوري كارثةً على البشرِ، حتّى ظنُّوا أنّني إشارةٌ قويَّةٌ على نهايةِ العالمِ، إذْ كنْتُ أقتلُ منهم حَوالي خمسةِ آلافِ شخصٍ يوميَّاً في رومَا وحدَها، فمَا بالُكم بعددِ الضَّحايا في شتّى أنحاءِ العالمِ الأخْرى؟!

4- طاعونُ جِستِنْيان (541-542 م):

مرحباً بكُم جمهوريَ العزيزَ: معكُم طاعونُ جِستِنْيان (541-542 للميلاد) لعلَّكم تعرفُونَني جيِّداً! أنا مَن دمَّرَ الإمبراطوريَّةَ البيزنطيَّةَ، وكنتُ بمثابةِ بدايةٍ لانهيارِها. ورحْتُ أجتاحُ العالمَ بشكلٍ دوريٍّ حتّى قضيْتُ على نحوِ ما يصِلُ إلى 10% من سكّانِ العالمِ.

وبسببِ شُهْرتي أطلقُوا عليَّ اسمَ الإمبراطورِ البيزنطيِّ جِستِنْيَان الّذي ظهَرْتُ في عهْدِه (527-565م)، وقدْ وصلَتِ الإمبراطوريَّةُ البيزنطيَّةُ إلى أقْصَى ازدهارِها، حينَما سيطرَتْ على المنطقةِ الممتدَّةِ منَ الشَّرقِ الأوسطِ إلى أوروبَّا الغربيّةِ.

ولكنَّني شُجاعٌ لا أهابُ الملوكَ، إذْ هاجمْتُ الملكَ جِسْتنيان وتسلَّلتُ إليهِ، لكنَّهُ نجَا منّي، ومعَ ذلكَ فقدْ أفقدْتُ إمبراطوريَّتَه الأراضيَ الّتي كانتْ قدْ سيطرَتْ علَيها تدريجيَّاً حينَما علَّمْتُها درساً في التَّخلّي عن أطماعِها التَّوسعيَّةِ!

5- الموتُ الأسْودُ (1346-1353م):

مرحَباً بكُم جمهوريَ الموقَّرَ: معكُم الجِنرالُ الموتُ الأسودُ (1346-1353م)، لعلَّكم تعرفُونَني على ما يُرامُ حينَ سافرْ تُ من آسيَا إلى أوروبَّا، تاركاً الدَّمارَ في أعقَابي. فقدْ قضيْتُ على أكثرَ مِن نصفِ سكّانِ أوروبّا، وقدْ سلكْتُ مسلكاً لا يَخطُرُ على بالٍ عنْ طريقِ البراغيثِ في القوارضِ المصابةِ، حتّى دفعْتُهم إلى دفنِ جُثثِ ضحَاياهُم في مقابرَ جماعيَّةٍ.

وليسَ هَذا فحسْبُ! فقدْ غيَّرتُ مسارَ تاريخِ أوروبّا. معَ وجودِ العددِ الهائلِ منَ الضَّحايا، حتّى أصبحَ عندَهُم منَ الصُّعوبةِ بمكانٍ العثورُ على عمَّالٍ، وهَذا ما أدَّى إلى دفعِ أجورٍ أفضلَ للعمَّالِ وإنهاءِ نظامِ العبوديَّةِ في أوروبّا، وهَذا ما دفعَ بالعمَّالِ الباقينَ على قيدِ الحياةِ للحصولِ على مُستوىً أفضلَ منَ المعيشةِ بتناوُلِ اللُّحومِ والخبزِ العَالي الجَودةِ، وساهمَ نقصُ العَمَالةِ الرَّخيصةِ أيضاً في الابتِكارِ التِّكنُولوجيِّ.

6- الطَّاعونُ الأمريكيُّ (القرن 16):

عِمْتُم مساءً أيُّها الحضورُ الكريمُ: معكُم الطَّاعونُ الأمريكيُّ (القرن السَّادس عشَر) وأنا في الحقيقةِ مجمُوعةٌ منَ الأمراضِ الأوراسيَّةِ الّتي حمَلَها المستَكْشِفُونَ الأوروبيُّونَ إلى الأمريكتَينِ، ومنْ بينِها مرضُ الجُدَري الّذي تَعرفُونَه بلا شكٍّ. وقدْ ساهَمْنا جميعاً في انهيارِ حضارتَي الإنْكا والأزتِيْك. وقدْ قضَيْنا على نحوِ 90 % منَ السكّانِ الأصليِّينَ في نصفِ الكرةِ الغربيِّ.

7- الحُمَّى الصَّفراءُ (فيلادِلِفْيا: 1793م):

مساؤُكُم سعادةٌ أيُّها السَّادةُ: معكُم الآنِسةُ الحُمَّى الصَّفراءُ (فيلادلفيا: 1793) وربَّما لا تَعلَمُون أنَّ فيلادِلفْيا كانَتْ عاصمةَ الولاياتِ المتَّحدةِ الأمريكيَّةِ في ذلكَ الوقتِ، والنُّكْتةُ الّتي لم تَسمَعُوا بها حتّى اليومِ أنَّ المسؤولينَ هناكَ اعتقَدُوا خطأً أنَّ العبيدَ مُحصَّنونَ منَ الأمْراضِ؛ ولذلكَ دعَا مُناصِرو التَّحرُّرِ منَ العبوديَّةِ إلى تجنيدِ أشخاصٍ من أصلٍ إفريقيٍّ لرعايةِ المرْضَى.
وقدْ سلكْتُ مسلَكاً عجيباً لانتِشاري حينَ اتَّخذْتُ البَعُوضَ وسيلةً لنقلِ عَدْوايَ، ولا سيّما خلالَ طقسِ الصَّيفِ الحارِّ والرَّطبِ في فيلادلفيا في ذلكَ العامِ، ولم تتَوقَّفْ إصَاباتي حتَّى حلُولِ فصلِ الشِّتاءِ، حينَ خيَّبَ البعُوضُ أمَلي بمَوتِه، وبحلُولِ ذلكَ الوقتِ كنْتُ قدْ قضيْتُ على أكثرِ من خمْسةِ آلافِ شخصٍ قَضَوا نحْبَهم جميعاً.

8- الإيدز (1981م):

أحبّائي وعشَّاقي الكِرامَ: اسْمي طويلٌ أرهَقَ الكثيرينَ بلفظِهِ وفهْمِ معْناهُ، اسْمي مَنحُوتٌ من عبارةِ (نَقْصُ المناعةِ المكتَسَبةِ)، اختَصرُوه إلى كلمةِ (الإيدز) منذُ أنْ عرَفُوني سنةَ 1981م، وأكثرُ مَن يَعرِفُني أصحابُ الشَّهواتِ والملذَّاتِ الّذينَ خالفُوا شرائعَ السَّماءِ، وراحُوا يتَباهَونَ ببطُولاتِهم الجنسيَّةِ معَ شتّى مخلوقاتِ اللهِ، فوجدْتُ الفرصةَ مُواتيةً لتَأْديبهِم و الحدِّ منْ جرائمِهم اللّا أخلاقيَّةِ.. فأوديْتُ بحياةِ ما يُقدَّرُ بـخمسةٍ وثلاثينَ مليونَ شخصٍ منذُ مَعْرفتِهم بي.
وظلَّ أطبَّاءُ البشرِ وعلماؤُهم يَبْحثُونَ عنْ أدويةٍ تَشْفي المصابينَ، ولكنَّهم لم يُفلِحُوا في ذلكَ حتَّى الآنَ، ولم يَكُنْ أمامَهم منْ وسيلةٍ للحدِّ منْ انتِشاري سِوى التزامِهم بتعليماتِ القيمِ والأخلاقِ والمثلِ العلْيا، إضافةً إلى تعليماتِ خُبثائِهم بارتداءِ الواقياتِ البلاستيكيَّةِ الّتي تصدَّرَتْ قائمةَ مبيعاتِهم في كلِّ بقَّالةٍ وفي كلِّ مركزٍ للتَّسوُّقِ وفي صيدليَّاتِهم!

9- إِنْفلُونْزا الخَنازيرِ (2009م):

طابَ مساؤُكُم معَ نسماتِ الهواءِ العليلِ: معكُم الآنسةُ إنفلُونزا الخَنازير مِن سُلالةٍ جديدةٍ مِن فيروسِ H1N1)) وُلِدْتُ ونشأْتُ في المكْسيكِ في ربيعِ عامِ 2009 م، ثمَّ رأيتُ أنْ أوسِّعَ إمبراطوريَّتي لأنتشِرَ في بقيَّةِ أنحاءِ العالمِ. وفي عامٍ واحدٍ فقطْ أصبْتُ ما يصِلُ إلى ما يُقاربُ مِلياراً ونصفَ المليارِ منَ الأشخاصِ في جميعِ أنحاءِ العالمِ، وقتلْتُ ما يَتراوحُ عددُهم بينَ (151700 و575400) شخْصاً.

10- كوفيد 19 (2019):

طابَ مساؤُكم جميعاً أبطالاً على المسرحِ وجُمهوراً كريماً.. معكُم الفيروسُ الشَّيطانُ الأكبرُ كُوفيد (19).. يَعرفُني البشرُ باسمِ فيروسِ المتَلازمةِ التَّنفسيَّةِ الحادَّةِ الوخيمةِ كُورونا 2 (سارز كوف 2). ويُسمُّون المرضَ النَّاتجَ عنّي مرضَ فيروسِ كورونا 2019 (كوفيد 19). ففي مارسَ/آذارَ 2020، أعلنَتْ منظمَّةُ الصِّحَّةِ العالميَّةِ أنَّها صنَّفَتْ مرَضي فيروسَ كورونا 2019 (كوفيد 19) كجائِحَةٍ.

لقدْ أحدثْتُ انقِلاباً جذريَّاً في حياةِ البشريَّةِ، حينَ بدأْتُ بأكبرِ الإمبراطوريَّاتِ، ثمَّ أخذْتُ بالانتِشارِ بسرعةِ الضَّوءِ حتّى وصلْتُ إلى جميعِ أنحاءِ العالمِ الّذي بدأَ بالتَّخبُّطِ وكَيْلِ التُّهم بينَ الدُّولِ، وفي خِضمِّ هذا التَّخبُّطِ، ظنَّ البشرُ أنَّني بِدعةُ العصرِ أو الحربِ الفيروسيَّةِ والإعلاميَّةِ بينَ الإمبراطوريَّاتِ الطَّاغيةِ، فسلَكْتُ كافَّةَ السُّبلِ للانتِشارِ؛ حتّى بلغَتْ إصاباتي الآلافَ ثمَّ الملايينَ، وهُنا استَيْقظَ العالمُ، وأدركَ أنَّ الأمرَ ليسَ هَرْجاً ومَرْجاً، بلْ كارثةٌ حقيقيَّةٌ كُبرى، حينَ غصَّتِ المشَافي بالمصابينَ، ولم يسلَمْ منّي حتّى الأطبَّاءُ والممرِّضُونَ، وارتفعَتْ نسبةُ الموتَى إلى عشَراتِ الألوفِ ولا سيّما منَ البالغينَ والكُهولِ والمسنِّينَ، ولكنَّني استثَنيْتُ منْ إصابَاتي الأطفالَ؛ لصِدْقِهم وبراءَتِهم وصفاءِ نوايَاهُم، وكنْتُ أودُّ تغييرَ وجهِ العالمِ؛ لأُنشِئَ جيلاً جديداً وجِنْساً بشريَّاً صادِقاً لا يَعرِفُ الخُبْثَ والدَّهاءَ، ويَقتربُ في صفاتِهِ من عالمِ الملائكةِ، وبهَذا أكونُ قدْ قضيْتُ على البشريَّةِ الشِّريرةِ، وحقَّقْتُ عالماً آخرَ يَنْتَفي فيهِ الظُّلمُ والاستِبدادُ والفسادُ، ولا يَبْقى بعدَها دورٌ لأيِّ فيروسٍ يُريدُ الانتِقامَ منَ البشريَّةِ الاستِبداديَّةِ المتوحِّشةِ الفاسدةِ!

لقدْ جمَّدْتُ حركةَ الملاحةِ البرّيَّةِ والبحريَّةِ والجوِّيَّةِ، وأوقفْتُ جميعَ المؤسَّساتِ الحكوميَّةِ والخاصَّةِ عنِ العملِ في العالمِ، وساويْتُ بينَ جميعِ البشرِ، كمَا يُساوي الموتُ بينَهم، الموتُ يُلبِسُ الجميعَ مُلوكاً وعبيداً كَفَناً منَ القُمَاشِ الرَّخيصِ، وأنا أَلْبستُهم قطعةَ قُماشٍ رخيصةٍ يُكَفِّنُون بها منافِذَ أنفاسِهم.. ولم أُمَيِّزْ بينَ فقيرٍ وغنيٍّ أو بينَ ملِكٍ ورعيَّةٍ، لقدْ أصبْتُ الجميعَ.. بربِّكُم أليسَتْ هذهِ هيَ العدالةُ في أرقى معَانيها؟!

لقدْ أعدْتُ البشريَّةَ إلى فِطْرتِها حينَ جعلْتُ المتَغَطْرسين والمستَبِدّينَ والطُّغاةَ يُؤمِنون بأنَّهم لا يَملكُون سِوى هذهِ القطعةِ القُماشيَّةِ (الكِمَامة) تُخْفي أحقادَهم وبشاعةَ وجوهِهم خلْفَها!
صحيحٌ أنّني حرَمْتُ الكثيرينَ من وظائفِهم ومُرتَّباتِهم، ونشرْتُ الفقرَ في العالمِ، لكنّني حرَّكْتُ في ضمائرِهم الإحساسَ بقيمةِ الحياةِ والإحساسَ بأنَّ لقمةَ العيشِ ليستْ هيَ كلَّ شيءٍ، بل هناكَ الأهمُّ الّذي يجِبُ أنْ يتحرَّكُوا للبحثِ عنهُ والمطالبةِ بتحقيقِه.. وأتركُ النِّهايةَ دونَ شرحٍ؛ ليفهمَهُ المضطَهَدونَ في العالمِ! وسامِحُوني على الإطالةِ.

11- أرابْيُون 99:

وقفَ أمامَ الجمهورِ مُعترِضاً زملاءَه، كفاكُم افتِخاراً وتَبجُّحاً أصدقَائي.. لقدْ أَدْلى كلٌّ منكُم بدَلْوِه، وراحَ يؤرِّخُ لبطولاتِه، وكأنَّهُ القائدُ المظفَّرُ الأوحَدُ في التَّاريخِ.. دَعُوني أُسمِعَكم بطُولاتي الّتي سأقُومُ بها، وجميعُ بطولاتِكُم لا تُساوي قيراطاً منْ ذهَبِ البطولةِ أمامَ انتِصاراتي الّتي سوفَ أُحقِّقُها في الحِقَبِ القادمةِ منَ الزَّمانِ.. واقتَحمَ المنصَّةَ مُلْقياً خُطْبتَه التَّاريخيَّةَ:

السَّلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.. الحمدُ للهِ، ثمَّ الحمدُ للهِ، الحمدُ للهِ الّذي لا يُحمَدُ على مَكروهٍ سواهُ.. أمّا بعدُ.

فيَا عِبادَ اللهِ منَ الفيروساتِ والأوبئةِ.. أستَغفِرُ اللهَ لي ولكُم.. فيَا فَوزَ المستغْفِرينَ اتَّقُوا اللهَ في فشَلِكُم الذَّريعِ، وعدمِ قدرتِكُم على إحداثِ التَّغييرِ والثَّورةِ الشَّاملةِ في العالمِ.. لقدْ تحدَّثَ الزُّملاءُ والزَّميلاتُ عن أمْجادِهم، وأَبْدى كلٌّ منهُم بطولاتِهِ منذُ ظهورِهِم على مسرحِ الحياةِ وقيامِهِم بأدوارِهِم في إبادةِ البشريَّةِ، ولكنَّهم لم يُحقِّقُوا التَّغييرَ المطلُوبَ منْ ثَورتي الّتي سأقُومُ بها، وهوَ ما أُسمِّيهِ معركةَ (ملحمةَ العربِ) الّتي ستُغيِّرُ وجهَ التَّاريخِ على الأرضِ والكواكبِ الأخْرى!

لقدْ تحدَّثَ الزُّملاءُ عنْ بطولاتِهم في القضاءِ على ملايينِ البشرِ، لكنَّهم باؤُوا بالفشلِ بعدَ أنْ انكشَفَ أمرُهُم لعباقرةِ أعدائِنا الّذينَ طوَّرُوا طرُقاً ووسائلَ لمحاربتِنا، ولكنَّ أعظمَ بطولةٍ أعجبَتْني هيَ بطولةُ زميْلي فيروسِ كورونا الّذي شلَّ حركةَ العالمِ، وقضَّ مضاجِعَه، وأنهكَ اقتِصادَه، ونشرَ الفسادَ، وأجَّجَ حركةَ الدُّولِ الاستِعماريَّةِ لاحتلالِ الأممِ الضَّعيفةِ، وكادَ أنْ يُغيّرَ مَجْرى تاريخِ العالمِ الحديثِ، ولكنَّهُ انتَهى باكتِشافِ اللَّقَاحاتِ الّتي عزَّزتْ مناعةَ البشرِ وقاومَتْ خطورتَه، وحدَّتْ منْ انتشارِه، فلمْ يُحقِّقْ ما نَصْبو إليهِ من حربِنا الشَّاملةِ ضدَّ البشريَّةِ!

والآنَ دعُوني أُحدِّثُكم عنْ نفْسي، وأنا في غايةِ التَّواضُعِ.. معكُم فيروسُ (أَربْيُون 99).. عربيُّ المحْتِدِ والمنْشأِ.. إنَّني لنْ أقُومَ بمَا قامَ بهِ زميْلي كورونا بشلِّ حركةِ البشريَّةِ على الأرضِ، بلْ سأُنشِّطُ حركتَهم للتَّخلّي عنْها إلى كواكبَ أُخْرى بعدَ أنْ يَعجَزوا عنِ اكتِشَافي، لكنّني سأُبْقي على العربِ في مَنأىً عن شُروري، حتّى أُسهِّلَ مَهمَّتي في نهايةِ العالمِ! وربَّما يَسأَلُني سائِلُكم: لماذَا؟ وكيفَ؟

فأُجيبُه بالقَولِ: حينَما تنتَقِلُ جميعُ أممِ الأرضِ إلى كواكبِ الفضاءِ الأخْرى، ولا يَبْقى على هذهِ الأرضِ البائسةِ غيرُ العربِ، أَكُونُ قدْ قطَعْتُ نصفَ الطَّريقِ مِن غايَاتي وأهْدافي، فلا يَبْقَى علَيها سِوى العربِ يَحتلُّونَ الكرةَ الأرضيَّةَ، ويُغيِّرُونَ ملامِحَها الّتي تتَجاوزُ خُطوطَ الطُّولِ والعَرضِ، وتُصبِحُ هذهِ المسمَّياتُ منْ أساطيرِ الماضِي، وتَمتَدُّ الإمبراطُوريَّاتُ العربيَّةُ منَ القُطبِ الشَّماليّ إلى القُطْبِ الجَنُوبيّ، ويُمْسي شِعارُ الأمَّةِ العربيَّةِ (منَ المحيطِ إلى الخليجِ) عنواناً لأغنِيةٍ كانتْ تُغَنّيها سيِّدةُ الغِناءِ العربيِّ كوكَبُ الشَّرقِ وهيَ تَصْدحُ (ذِكْريَات)، وحينذَاكَ تَبدأُ المرحلةُ الثَّانيةُ من معْركَتي الكُبْرى معَ البشرِ!

وربَّما يتَساءَلُ بعضُكُم: وأينَ البشرُ يا عَزيزي؟! ألَمْ تُطارِدْهُم في الأرضِ، وتَجْعَلْهم لاجئينَ في كواكبِ الفَضاءِ، ولمْ يَبْقَ منهُم إلّا أُمَّتُكَ الّتي حرِصْتَ على بقَائِها لاحتِلالِ الكوكبِ الأرضيِّ برُمَّتِه؟!

ولكنَّني أُجِيبُكُم حتّى لا يَشُكَّ أحدٌ في خواتيمِ أهْدافيَ العُظْمى!

بعدَ أنْ يستَوليَ العربُ على الكرةِ الأرضيَّةِ، وتَستَتِبَّ لهمُ السَّيْطرةُ علَيها بشكلٍ كلّيٍ، لا يُنازِعُهم علَيها إنْسٌ ولا جانٌّ، سيَنْشَأ مِنهم زُعمَاءُ، وكلُّ فردٍ مِنهم سيُعلِنُ أنّهُ زعيمٌ، فيُصبِحُ عددُ الزُّعماءِ بعددِ رجالِ الأمَّةِ، وهُنَا يَبْدأُ الحلُّ سريعاً، إذْ يَغْتالُ الأبُ ابنَهُ، والابنُ أباهُ، والأخُ أخاهُ، والجَاريةُ سيِّدتَها، والخدَمُ أسيادَهُم، وأسلِحةُ الدَّمارِ الّتي تركَتْها الأممُ اللّاجئةُ إلى الفضاءِ جاهِزةٌ للمَهمَّاتِ الصَّعْبةِ.. فتَكُونُ نهايةُ العالمِ على الأرضِ، فلَا عباقِرةَ يَستطيعُونَ اكتِشافَ المضادَّاتِ، ولا فلاسفةَ يَقْدِرون على إدراكِ العِللِ، ولا مُخْترعِينَ يَتمَكَّنُونَ من إحْباطِ عملِ الأسلحةِ أو تَمْويهِ أهدافِها.. وبهَذا أكُونُ قدْ نجحْتُ في مَهمَّتي دونَ أن يَكتَشِفَني أحدٌ، ولا أنْ يُقاومَني مُقاوِمٌ!!

وإذا كنْتُم في ريْبٍ منْ أَمْري أيُّها الزُّملاءُ وأيُّها الحضُورُ الكريمُ، فمَا علَيكُم إلّا الانتِظارُ.. انتظَرْتُم ملايينَ السِّنينَ، فاصْبِرُوا مَعي عشَراتِ الأحْوالِ، وسوفَ تَرونَ بُرهَاني حقيقةً ماثلةً أمامَكُم..
ويَعلُو المسرحَ هُتافُ الحاضِرينَ: بالرُّوحِ بالدَّم نفديْكَ يا أَرَبْ!

ويَعْترضُ أربْيُون بصوتٍ عالٍ: أَنَسِيتُم أنّني فيروسٌ جُرثوميٌّ مِثلَكم، ولستُ واحِداً منْ هؤلاءِ الّذينَ يَخْتَزِلُونَ نهايةَ العالمِ؟! والسَّلامُ عليْكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه!!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى