السبت ١٤ آذار (مارس) ٢٠٢٠

الطفل بين النجاح والضياع

سلس نجيب ياسين

1- الطفل صفحة بيضاء:

الطفل لا يختلف كثيرًا عن تلك الصفحة البيضاء النقية والصالحة للكتابة بشتى الألوان، فإن احتفظنا بها بقت، وإن مزقناها مزقنا مسار زهرة وإنسان نافع، ولهذا يكون لزامًا على الوادين أو المربين الأخذ بعين الاعتبار كل ما يقدمونه للطفل، وأن يكونوا قدوته سلوكيًّا واجتماعيًّا، وبطريقة إيجابية فعالة قدر الإمكان؛ ذلك أن ثقته بوالديه هي من توجهه وتسير طريقة تفكيره وتصرفاته.

2- الاستقرار العائلي أساس الاستقرار النفسي:

يعد الاستقرار العائلي وخاصة النفسي، والتفاهم بين الأب والأم، ووجود جو عام يغلب عليه الهدوء والسكينة، عاملًا مهمًّا لراحة الطفل وتكوينه النفسي والاجتماعي، فهو بحاجة لذلك، ولفهم الأمور والاستفسار عنها لدى والديه أو إخوته الأكبر منه إن وُجدوا، وبالتالي فإن تنشئة الطفل السليمة ترتكز أساسًا على جو عائلي شبه خال من التوترات والمشاكل اليومية والمستمرة.

3- من حقه أن يلعب وألا يبقى وحيدًا:

حاجة الطفل للعب والحنان والجماعة لا تقل أهمية عن حاجته للغداء إن صح التشبيه.
فهو بحاجة للعلب والجري والنشاط، وحنان أمه وأبيه، وأن يكون على رأس اهتمامهم واهتمام مربيه ومحيطه، فهو مثل الشجرة التي يجب الاعتناء بها، وتوفير لها أرضية مناسبة، فلا ينفع انتظار ثمار طيبة ناضجة دون سقيها ووضعها في الجو والمناخ المناسب.

4- ترك مساحة للطفل للحوار والتعبير:

من المهم بمكان ترك مساحة واسعة للطفل للحوار، والسؤال عن الأمور التي تشغل باله، وتدور في ذهنه، ومحاولة التأكيد له أن فضوله ذكاء، ويستحق النقاش والجواب، وكذا الأخذ والرد معه؛ مما ينمي رصيده الفكري المعرفي وثقته بنفسه وأبويه، ويجعله أكثر تفتحًا ومواجهة للواقع، ويدفعه نحو احتكاك إيجابي بالمجتمع والآخرين.

5- الطفل والقرآن:

باعتباره صفحة بيضاءَ فارغة، فإن الطفل مهيَّأٌ لاستقبال المعلومات، وإن صح القول تخزينها في الطفولة بيسر وسهولة، وكأي إنسان فإن قدرة الحفظ والاستيعاب ستكون أكثر في الصغر، ولذا يكون لزامًا علينا توجيهه لمدارس تعلم القرآن وحفظه، ويجعله ينافس أقرانه؛ ليتمكَّن من حفظ كتاب الله عز وجل في صغره.

6- الطفل والموهبة:

للطفل موهبة أو مواهب، وكلما تم اكتشاف موهبته في الصغر، طوَّرها أكثرَ، واستفاد منها بطريقة أكبر وأحسن، ولربما قد تكون مصدرًا لأرباح مادية ومعنوية كبيرة له في المستقبل أو لما يكبر، وبالتالي فعلى الآباء أو المربين توجيهه نحو ما يتقن ويحب من نشاطات رياضية أو فكرية ثقافية، أو حتى علمية وعملية؛ ليطور نفسه في الموهبة التي يجد نفسه فيها.

7- الطفل والرياضة:

الرياضة عادة مهمة ينبغي للطفل أن يحاول الالتزام بها وحبها والتعلق بها، ويكون ذلك باختياره مجالًا خصبًا يليق بإمكاناته وطموحاته؛ ذلك أنها تزيد وترفع من ثقته بنفسه، وتكون شخصيته بشكل أفضل، وتساعده على ملء فراغه، والابتعاد عن المشاكل ورفاق السوء، وتُغنيه عن الكسل، وتعطيه نشاطًا وجرعة وحماسًا للنجاح في دراسته وحياته بشكل عام.

8- أهمية البرامج التي يشاهدها الطفل:

تلعب البرامج التي يشاهدها الطفل في التلفزة أو عبر مختلف الوسائل المتاحة - دورًا لا بأس به في تكوين وتوجيه شخصيته، فكلما كانت البرامج هادفة تربوية فعَّالة، كان أثرها طيبًا وجيدًا على الطفل، وخاصة تلك التوعوية منها، ولهذا فعلى الآباء والمجتمع التوافق على مشروع في هذا يخدم الأجيال القادمة والصاعدة.

9- الطفل وأهمية التوعية الدينية والخلقية:

مسار الطفل وحياته مبنية على من يربونه، فللوالدَيْن دور وأهمية كبيرة في تصحيح الأخطاء، سواء السلوكية أو غيرها، فوجب تعليمه من الأول، فلما يتلفظ بكلمة نابية التقطها من الشارع أو التلفاز، أو أي كان وجب أن نفهمه إياها بأنها لا تجوز، وبلُطف نقنعه نفس الشيء إن أخطأ وسرق من زميله قلمًا في القسم أو غير ذلك، فينبغي أن نوضح له الأمر بلطفٍ، وننهيه عنه.

10- الطفل وحالته النفسية:

من المهم جدًّا الانتباه لسلوكيات الطفل وتصرفاته، ومدى انفتاحه على الآخرين، ومدى قدرته على إدراك المعلومات، فالخلل يمكن علاجه من الصغر، وفي أقرب الآجال عوض تراكمه أو التغاضي عنه، لذا فإن اهتمام الآباء بمثل هذه الأمور والمعطيات، سيسهم في نجاح وارتياح الطفل النفسي والمادي أنيًّا ومستقبلًا.

11- الاعتناء به مسؤولية الجميع:

الطفل مسؤولية الجميع، فتأديبه ونصحه وتوجيهه، وكذا تكوينه - ليس محصورًا في زاوية ما، بل هو أكثر من ذلك، فنحن كأمة أو مجتمع علينا التأكد والإحساس أن هذا هو بذرتنا جميعًا، البذرة التي يجب أن نحرص على أن تعطي ثمارًا طيبة في المستقبل القريب؛ ليكون أساسًا صحيحًا لنا، لا سلبيًّا فاقد الإحساس والمسؤولية.

12- زرع الثقة في النفس:

زرع الثقة في نفس أو نفسية الطفل أمر في غاية الضرورة والأهمية، فكيف تريد بناءً قويًّا، ولا تُمتِّن أساسه، هكذا هي القضية، لذا وجب تشجيع الطفل وملْؤه بأقوى عبارات التشجيع والتحفيز، كأن تقول له أنك ستدرس جيدًا، وتنال فرصًا ومكانة راقية في العمل والمجتمع.

أنت طيب، أنت خلوق، أنت شجاع، وكلها تعابير تزيد من ثقته بنفسه، وحُسن تنشئته لما نوازن بينها وبين تحذيره من الأمور التي يكون سلبيَّا فيها، وتوجيهه نحو الأفضل.

13- الطفل كتاب بدون عنوان:

وجب النظر إلى الطفل أو الأطفال بأنه كالكتاب الذي يمكن أن يحوي الكثير من المعلومات المفيدة، ولا بد علينا إعطاؤه عنوانًا مناسبًا؛ لكي يكون معبرًا عما بداخله.
حتمًا لن يضيع الطفل بإذن الله وسيتمسك بمبادئه وأخلاقه ودينه إن علَّمناه إياها جيدًا، وأفهمناه قيمتها على حياته؛ لكي نجعله يخشى الله، وفي نفس الوقت يحبه، فنحن مطالبون بتعليمه حسنَ الاختيار؛ ليضع الأمور في موازينها، ويتأكد من حقيقة ما علمناه إياه، فكلما يتقرب من الله ويحصل على شيء إيجابي في حياته، نذكره بأن الله صاحب الفضل لما تقرب إليه، وكلما ابتعد ودخل في السلبية والمشاكل، نُذكره بأن من أسباب ذلك ابتعاده عن الله؛ ليكون ناجحًا في اختيار طريقه الأنسب الذي حتمًا سيكون فطريًّا ربانيًّا خالصًا، خاصة إن رأى ذلك السلوك الديني في أبويه وأسرته ومجتمعه.

14- الطفل مرآة والديه:

الطفل هو ثمرة ومرأة والديه، ومن خلال تربيته بإمكان المجتمع أن يحكم بالخير ويدعو له ولمن رباه بالصحة وطول العمر، أو يترحم عليهم، وبالتالي فإن كل ما يدور في حياة وتنشئة الطفل، لن ينعكس فقط عليه، بل إنه يلعب دورًا مهمًّا في التعريف عن عائلته ووالديه، من خلال سلوكياته وتربيته، فهو الدرجة الأولى معيار أسرته ومحيطه.

15- التوعية المستمرة للطفل:

تنشئة الطفل وتربيته عملية مراقبة مستمرة وتصحيح واضح المعالم، فلا ينفع تركه كتلك الشجرة التي يصبح همُّها أن تكبر، سواء كانت مائلة أو محدودبة، لا بل وجب أن نصنع منه تلك الشجرة المستقيمة القوية الجميلة بفضل متابعتنا لتربيته، والحرص على توجيهه كلما رأينا أو شاهدنا خطأً ما، ولكن بطريقة لينة مضبوطة مدروسة غير مفرطة، حتى يفهم ويدرك ما نقصده، لا أن يحاول تفاديه أمامنا ويفعله لما يكون بعيدًا عنا.

16- ترك مساحة منضبطة من الحرية للطفل:

يبقى الطفل إنسانًا حرًّا بفطرته، فينبغي علينا ترك مساحة له للتعبير وإبداء الرأي والسؤال والتفكير الصحيح، وكلما لعبنا جيدًا على هذه المساحة وضبطناها، كبرت وزادت ثقته بنفسه، وأيضا بوالديه، أما الرد السلبي والتعنيف في كل مرة، فسوف يكون له أثر عكسي.

17- اتركه يتعلم:

من المهم جدًّا ترك الطفل يشبع فضوله وفراغه الفكري العلمي الثقافي بالمعلومات السليمة، بل وجب تشجيعه على هذا الأمر، ويكون ذلك بالرد عن الأجوبة التي يطرحها، وأن نحقق له من حين لآخر في زيارة الأماكن التي يحبها، وتركه يتمتع بها، ويتعرف عليها أكثر عن قرب، وبهذا يكون قادرًا مستقبلًا على إدراك الأمور والوعي بها أكثر، متفتحًا متعقلًا لتجارب أكبر، محققًا أكبر استفادة ممكنة منها.

18- الطفل مشروع يتشكل:

النظرة الواقعية للأمور تجعلنا نتأكد أن الطفل مشروع لوالديه ومجتمعه وأمته، وبالتالي وجب أن نستثمر فيه أحسن استثمار، من خلال تعليميه واحتوائه وإعطائه رأسَ مالٍ ثقافي وتوعوي وخلقي وديني كبير، والحرص على توفير هذا الجو الملائم له منذ نعومة أظافره، وهكذا يستطيع إنقاذنا ومساعدتنا جميعًا في المستقبل، ويكون بارًّا بوالدية صابرًا على الابتلاء، موقنًا بقدرة الله وفضله وعطائه، صابرًا محتسبًا، وهذا هو الجيل الذي نوده من أجيالنا وأطفالنا إن شاء الله.

19- تعليمه الاحترام:

أعظم ورث يتركه الآباء لأبنائهم، هو الأخلاق والتربية السليمة الصحية، وبالتالي فإن تعليم الطفل ومنذ الصغر احترام الناس والمجتمع أمر مهم، ولزِم أيضًا التوضيح له بلُطف ما الفرق بين الخجل والحياء، كأن نقول له: لما تذهب عند عمك، فلا تخجل من القول لهم: أنا أشعر بالجوع، أو أين دورة المياه، وغيرها من الأمور التي قد يبدو له فيها نوع من الحياء، ولكنه خجل في الحقيقة، وبهذا المعيار نسير معه في توضيح الفروقات والأمور المتشابهات لأن يدرك ويعقل ويتفتح أكثر.

20- علِّمه روح الجماعة:

تعليم الطفل روح الجماعة كتلك التي تجعله ينضم لأقرانه من العائلة، واللعب معهم وحبهم، شيء جميل ينمي روح المحبة والتعاون والتآزر لديه، ويجعله يتفتح أكثر، ولهذا فمن الرائع أن يحمل الوالد ابنه من حين لآخر، والذهاب به عند عمه، والقول له: أنت مؤدب جدًّا يا بني، وتستحق أن نذهب لرؤية عمك وابن عمك الصغير؛ لتلعب معه هذا المساء وسأشتري لك حلوى لما نعود في طريقنا؛ لأنك ستلعب وتبقى مؤدبًا أيضًا مع ابن عمك وأخيك وصديقك في البيت، وحتى خارجه.

21- علمه الدين والأخلاق:

كلما أُتيحت لك الفرصة لتعليم طفلك خلقًا جميلًا، وأن تعرفه به أكثر، زدت في رصيده النفسي والاجتماعي، ومن قاعدته الرئيسية في الحياة، أنه سلوك حضاري أن يأخذ منذ الصغر قواعد وأركان وثوابت، وكذا المفاهيم الصحيحة لديننا الإسلامي القويم، ومن ثم تدريجيًّا ستنمو شخصيته، وتصبح أكثر مرونة ونُضج؛ مما يسهل اتساع أفقه ونظرته لأمور الدنيا والحياة.

22- علمه واتركه يبحث ويتعلم:

عندما تمر فترة من الزمن ويصل الطفل لسن متقدم نسبيًّا، ولنقل ثلاث عشرة أو أربع عشرة سنة، ونكون قد وعَّيناه وعلَّمناه أسس وقواعد الحياة، يمكن أن نتركه يسافر مع بعض أفراد العائلة من الخيرين الإيجابيين المتقين لله، أو يخرج معهم في رحلة؛ ليتعرف أكثر على الناس والطبيعة، وتزيد تجربته ويتعلم أكثر؛ مما يضيف عمقًا لفكره وشخصيته، ويجعله يتطلع بشغف وحب وسعة خاطر إلى ما هو قادم

سلس نجيب ياسين

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى