الأربعاء ٢٩ آب (أغسطس) ٢٠٠٧
بقلم هيثم جبار الشويلي

العشاءُ الأخير

ها هي الساعة قد دقت الرابعة عصراً معلنة انتهاء العمل بعد يوم مضني تصارع فيه مع رزقه، بدء يلملم أغراضه على أمل يوم آخر جديد يتصارع فيه مع قوت اولاده الخمسة، وها هو يضع أغراضه في حقيبته بانتظام كبير، حوّلَ حباتُ العرقِ المتدفقة من أعلى الجبين والمتراكمة عليه الى مسحة اعتلاها بعض الأمل، بعد أن قبض أجره اليومي، حمل حقيبته على كتفه عائداً الى بيته، أشبه بمن يحمل هموم الدنيا على ظهره، وبعد يوم ٍ مرير تجرع فيه مرارة العمل والحياة معاً، كان الأطفال ينتظرون كأفراخ العصافير التي تحدق في السماء منتظرة قدوم أبويها، فالأطفال ينتظرون قدوم الاب بفارغ الصبر اذ وفقه الله بهذا العمل اليومي وهم ينتظرون ما سيحمل لهم الاب في جعبته من حلوى وبقايا القوت اليومي الذي يحصلون عليه بفضل الله وعمل الأب، فالكل يترقب قدوم الأب، الأم والأولاد ينتظرون مقدمهِ ويراقبونه عن كثب، فالشمس أشرفت على المغيب والاستتار خلف البيوتات الصغيرة التي تغفو مع مغيب الشمس وعند بزوغ الحمرة المغربية التي تتصاعد مع الأفق، وصل الأب إلى بيته منهمكاً من التعب، وبعد أداء فريضتي المغرب والعشاء همّ الجميع بالعشاءِ، لم تكن مأدبة للسلاطين ولا الملوك، إلا أنها كانت مأدبة بسيطة جداً، كمأدبة الفقراء والمساكين فكانت أشبه بمأدبة الأموات التي تصل اليهم كل خميس وعبر شبكات الأحياء، لم تكن تلك المأدبة سوى قطعاً صغيرة من الجبن وكوب ٍ من الشاي وبقايا فتات الخبز، كان الأب يأكل بشراهة كبيرة جداً بسبب الجوع الذي شغل حيزاً كبيراً من بطنه، إذ تتدافع تلك اللقمات في فمه بصورة غريبة كمجنون ٍ لا يقدر ان يتمالك نفسه، فالأم والأطفال ينظرون له، أحسوا بجوع أبيهم، آلمهم ذاك المنظر كثيراً، فقد أحسوا بالتعبِ الذي يعانيه، وفي لحظة غريبة تفاجأ الأبُ بتلك النظرات التي أذهلته، أحس بإجحافٍ كبير من قبل الام والاطفال من خلال اطلاقهم تلك النظرات اتجاهه، فعلى الرغم من ولوج الذباب على وجوه الاطفال الا انهم لم يحركوا ساكناً، إذ كانت الذبابات تمسح بؤس شديد ارتسم على وجوه الأطفال، بقوا ينظرون اليه وهم جالسون يفترشون الأرض، أشبه بمظلومين كان للقدر حصة كبيرة بظلمهم، كان عواء الطائرة يزعجهم وهي تحلق فوقهم كالنسر الذي يحوم حول فريسته، ما هي الا دقائق حتى حول المكان الى اتربة متصاعدة الى السماء تشكو حالها الى الله من هول المنظر... من تجمع حول المنظر لم يشاهد سوى بقايا خربة لمساكين كانوا هنا، وبقايا يدٍ لرجل كانت تمسكُ متشبثة بلقمةٍ تدرك بانه ما تبقى لها من عشاؤها الأخير.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى