الجمعة ٤ شباط (فبراير) ٢٠١١
بقلم فلاح جاسم

الـوشـم

ضحكت وقالت لي: أحيانا أحس أنك طفل، طفلي المدلل، لكن بعقل رجل. فجأة وجدتُ نفسي أمام مدرسة الفتيات، وأكتب على الجدار؛ (فرح) أحبك، أنتِ أجمل فتاة عرفها التاريخ.. نظرتُ إلى نفس الجدار وقد كـُتِبَ عليه؛ "نهر حبك لا ينضب"، و "عيونك دنيتي يا هند لا تتركيني"، و"عاش الوطن.. يسقط الخونة"، و "صالون ماهر أحدث القصات، صبغ شعر، استشوار، إزالة الوشم بالليزر..".

على عمود الكهرباء القريب، تنتصب لوحة؛ "عصائر أبو الخير..طازج وفريش"، يا له من جاهل؛ لماذا كتب (أبو) بدل (أبي)، ألا يعرف ذاك المغفل الأسماء الخمسة!؟ قلت لنفسي: ربما غيروها هي الأخرى، وأصبحت اسما واحدا؟ كل شيء جائز في هذا الزمان. نظرتُ إلى صورة الفراولة في اللوحة، حمراء لامعة، شهية، فيها بعض النقط الصغيرة تغطيها، وجزء من الحبل السري مازال عالقا بها، ليذكرها بأمها؛ جزء من وريقات كانت خضراء، وبقيت كذلك في الصورة. تذكرتُ (فرحا)، وكيف كنتُ أحدثها عن طريقتي المزمعة في أكل الفراولة، إن لم يكن في هذه الدنيا، ففي الدار الآخرة، وكيف إنني أتذوق بقلبي قبل شفتي، ولساني، وألمس بروحي قبل يديّ.

في المدن التي أبوابها وجوه مغلقة، تعيش حبيبتي موتا مغايرا، وسط أناس مثقوبو القلوب، يعانون تخمة في الذاكرة لأجمل ما رأوه في العالم من مناظر. استأجر البعض منهم (شاعرا)، بأسنان مهترئة، تفوح من بينها رائحة التبغ، ليكتب له قصيدة عصماء عن ترك التدخين، والاحتفاظ بالمبادئ.

كل هذا لا يعنيني، جئت من أجل مهمة محددة؛ أن أكتب اسمك على الجدار، وأذيله بلقبي.. نظرتُ إلى ساعة (الجوفيال)، المشدودة إلى معصمي منذ عشرين عاما، وتراءى لي اسمك وقد كتبته حينها على ظاهر يدي. قرأتُ الإعلان مرة أخرى، لأتبيّن العنوان، كي أزيل ذلك الوشم، حثثتُ سيري، لكن حينما وصلت وجدت الباب موصدا، وقد كـُتِبَ عليه "انتقل محلنا إلى الشارع المقابل"، ذهبتُ إلى هناك، فوجدتُ أناسا يتزاحمون من شتى الملل والأعمار. نظرتُ إلى يافطة المحلّ وقد كـُـتِبً عليها " ننقش الوشم بالليزر".


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى