السبت ٢٧ حزيران (يونيو) ٢٠٢٠

الفيروس

منصور محمد أبوصفيّة


أغلقتْ باب سيارة الأجرة بيد مرتبكة مترددة يغلّفها قفاز أشدّ زرقة من الكمّامة الطبيّة التي تلجم نصف وجهها الأسفل، ألقت بضعة أكياس مشتريات غذائيّة على الكرسيّ الخلفيّ المجاور، تمتمت للسائق بوجهتها، وانطلقت السيارة تشقّ طريقها عبر شوارع المدينة التي بدت أقلّ ازدحامًا من ذي قبل.

نظرت إلى حقيبتها النسائيّة السوداء تجاور الأكياس بجانبها، أخذت الأفكار تنساب في رأسها:"كم من الناس صعدوا قبلي هنا ؟، من يضمن أنّهم لا يحملونه؟"... بحركة خاطفة سحبت حقيبتها ووضعتها في حجرها بين يديها.

السائق كان يرتدي كمّامة أيضًا ويمسك المقود بيد واحدة وينقّل بصره أمامًا وجانبًا متابعًا حركة السيارات، خطر لها:"مثل هذا السائق يتعامل يوميّاً مع أعداد هائلة من البشر ولا شكّ أنهم مهملون في الوقاية، من المؤكد أنّه يحمله، ربما حرارته مرتفعة وهو يكابد المعاناة والمرض مجبرًا لأجل قوت أسرته، السيارة مكان ضيّق والهواء.. يا إلهي، لقد قالوا إنّه يمكن أن ينتقل عبر العينين". ارتجفت يداها وهي تخرج نظارة شمسيّة سوداء كبيرة أغلقت بها ما تبقى من وجهها وأزاحت نظرها نحو النافذة الجانبيّة، كانت الأشجار والبنايات تهرب بخوف إلى الخلف.

مرت السيارة جوار مبنى أبيض ضخم، إنّه مستشفى المدينة الرئيس، قبل شهور حملتها سيارة الإسعاف إلى قسم الطوارئ فيه، قالت لهم :إنّها تشعر باختناق وضغط كبير على صدرها، و إنّها تشعر بدنوّ أجلها ؛ تراكض الأطباء والممرضون وتجمهروا حولها، وضعوا أجهزة لتخطيط القلب و لقياس التنفس، قاسوا حرارتها وسحبوا عينات من دمها، أوصلوا أكياسًا من الأدوية السائلة في وريدها ثمّ بدأ تجمهرهم يقلّ شيئًا فشيئًا مع مرور ساعات ذلك اليوم حتى وجدت نفسها مساء وحيدة على السرير إلى أن جاء ذلك الطبيب الأشيب الطويل، بادرته :"هل أنا بحاجة إلى عمليّة جراحيّة؟ هل ستدخلونني إلى المستشفى؟"هزّ رأسه نافيًا وقال بنبرة هادئة واثقة:"الأمور على ما يرام؛ الفحوصات كلّها سليمة، لا داعي للقلق يمكنك المغادرة الآن، لقد أخبرتُ الممرضة أن تجهّزك للخروج". سألَتْه بصوت متلاش:"ألن أحتاج أدوية؟"أجابها:"لا، فقط عليك الاهتمام بالغذاء الجيّد والابتعاد عن التوتر".. قالت لها الممرضة مبتسمة وهي تضمّد مكان الإبرة الوريديّة :"اطمئني سيدتي، حمدًا لله على سلامتك". خرجتْ متجهة إلى البوابة الزجاجيّة وهي تضغط مكان الإبرة وتتلفت مستغربة ممّا حدث."هؤلاء الأطباء يقفون دائمًا عاجزين أمام ذلك الألم الذي يعصرنا من الداخل".

هي متأكدة الآن أن غرف المستشفى تعجّ بالمصابين."ربما الممرات الآن لا تتسع إليهم والأطباء والممرضون ينهكهم التعب والعجز والخوف، ويتعثرون بالأجساد المنهكة الملقاة على الأرض وسط دوّامة من الأنين والصراخ".

"ترى ما حال عائشة العنيدة الآن؟"صديقتها الممرضة التي تعمل في هذا المستشفى، آخر مرة تواصلت معها هاتفيًا قبل ما يزيد على شهرين، في ذلك الاتصال قالت لها:"يا عائشة؛ الأمر خطير؛ اتركي هذا العمل، طفلاك بحاجة إليك".

لكنّها ردت عليها بعناد:"أطفالي بحاجتي والمرضى كذلك بحاجتي لن أتخلى عمّن يحتاجني".

كان هذا آخر اتصال بينهما، وكانت عائشة آخر ما تبقى لها من علاقات؛ فبعد وفاة أمّها أخذت تلك الوجوه التي اعتادت رؤيتها من الجيران وبعض الأقارب البعيدين والصديقات تتفلت منها وتضيّق عليها دائرة الوحدة.

نظرت إلى السيارات و المارّة من خلف زجاج نظارتها الأسود، زاد حنقها، قالت في نفسها:"مستهترون، لا يقدّرون ما تمرّ به البشريّة، ما الذي يدفعهم للخروج ؟، لم أخرج اليوم إلّا لأني مضطرة لشراء بعض الأغذية الضروريّة".

توقفت السيارة قرب العمارة التي تسكنها، جمعت أكياسها القليلة على عجل، و نقدت السائق أجرته لم تنتظر أن يُرجع السائق ما تبقى من النقود؛ لأنّها تعرف أنّ النقود خطيرة وقد تكون مكسوّة به.

خطت بسرعة نحو بوابة العمارة، لكنّها تسمّرت فجأة؛ قطة بيضاء سمينة تتمدّد عند بوابة العمارة، داهمها الغيظ:"هذه الحيوانات عبء على الناس الآن، إنّها شرّ مستطير لا بدّ أنّها ملوثة وتنقل البلاء من مكان إلى مكان، لماذا لا يسارعون إلى التخلص منها؟".. وقفت القطة، قوّست ظهرها متمطّية ثم سارت بهدوء قاتل في فيء العمارة الذي أخذ يتسع شرقًا.

عندما أخلت القطة الطريق لها، دلفت إلى مدخل العمارة، وقفت عند بوابة المصعد ثمّ تذكرت:"كم حذّروا من المصاعد"؛فأسرعت تتقافز على الدرج إلى أن وصلت شقتها، فتحت الباب بحركة عصبيّة، ألقت الأكياس في زاوية المطبخ، وألقت مفاتيحها وحقيبتها ونظارتها في سلة ليتم تعقيمها لاحقًا، خلعت كمّامتها وقفازاتها في سلة مهملات محكمة الإغلاق و ركضت إلى الحمّام خلعت ملابسها في سلّة خاصّة.

كان الماء الحارّ المتدفق يلسع جسدها النحيل، وهي تفرك كلّ جزء منه بليفة خشنة أغرقها الصابون، تريد التخلص من أيّ أثر للفيروس الملعون.

خرجت من الحمّام، جفّفت شعرها، ارتدت قفازات جديدة وكمّامة جديدة وواقيا للملابس وأخذت تخرج ما في الأكياس و تغسله بحرص تحت صنبور الماء وتكوّمه في وعاء كبير.

نظّفت يديها جيّدًا، بدأت بإعداد كأس الشاي."لقد قالوا: إنّ الحمضيات مفيدة في مقاومة الفيروس"، رأت أن تعصر ليمونة في كأس الشاي، أمسكت السكين ومدّت يدها إلى ليمونة في الوعاء الكبير غسلتها للتوّ، قبل أن تهوي عليها بالسكين فكّرت في رحلة الليمونة من الشجرة حتى وصلت إلى يدها؛ ارتعبت،"ما الذي يضمن ألّا يكون الفيروس مختبئًا في مسامات هذه الليمونة ؟ لقد قالوا: إنه جدّ صغير، جدّ خطير".

سريعا ألقت الليمونة في سلّة المهملات المحكمة الإغلاق واتبعتها القفازات وغسلت يديها.

جلست على أريكتها قبالة التلفاز، وضعت كأس الشاي على طاولة صغيرة أمامها، ثمّة طبيب على شاشة التلفاز يتحدث عن الفيروس قال كلامًا لم يرق لها. تساءلت في نفسها:"لِمَ يصوّر هذا الطبيب الأمر بهذه البساطة ؟، هل يريد من الناس أن يلاقوا حتفهم مطمئنين؟"ضغطت زرّ المتحكِّم، انتقلت إلى شاشة جديدة مليئة بالأرقام الملوّنة التي تصعد وتصعد دالّة على السباق المحموم نحو الهاوية، دقّقت النظر أكثر في الشاشة، تابعت وتابعت، غرقت المدينة في الظلام، نقلت نظرها إلى هاتفها، قلّبت مجموعة كبيرة من الفيديوهات المرسلة التي تصوّر الفاجعة،أحست بصداع متزايد يسيطر على رأسها، عادت إلى التدقيق في شاشة الأرقام المرعبة، بلعت ريقها ؛ فأحست بجفاف في حلقها،"إنّه الفيروس الملعون بلا شك، بدأ يهاجمها، هذه بداية أعراضه"، أظلمت الدنيا في عينيها، نفسها يضيق شيئًا فشيئًا، وتشعر بأنّ حرارة جسدها ترتفع، تركت الصّالة، عند باب غرفة نومها أحسّتْ أنّ الفيروس يهاجم كلّ خلاياها ويسري في عروقها يلتهم دمها، بدأ نفسها يتردد في صدرها باضطراب، تراجعت حتى التصقت في زاوية الغرفة، الألم يحاصرها من كلّ مكان، انزلق ظهرها هابطًا مع الجدار، لمست قدميها كانتا باردتين، تذكرت برودة أقدام أمّها التي توفيت منذ سبع سنين.."برودة الاقدام أولى علامات الموت"هي متأكدة من ذلك، سحبت رجليها نحوها احتوت رأسها بكفيها وغرزت أصابعها في فروة رأسها.

بكت بكاء طويلا مخنوقًا، التقى عند ذقنها خيطان مستمران من دموع الخوف والأسى والوحشة ثمّ خطر لها:"أنّه من غير اللائق أن يجدوا جثتها كفأرة مذعورة ملتصقة في زاوية الغرفة"؛ تحاملت على نفسها وحبت حبوًا نحو سريرها، ضمّت ركبتيها إلى صدرها، تكورت فوقه، وغرقت في نحيب تبعه صمت مطبق وعالم آخر.

ثمّة ما يداعب أنفها فتحت عينيها، كانت الستارة التي حرّكها نسيم الصباح تضرب وجهها برفق، تفاجأت.. إنها لا تزال على قيد الحياة، هبّت واقفة،لقد نسيت إغلاق النافذة بإحكام أمس، مدّت يدها فتحت النافذة أكثر، كان النسيم عليلًا منعشًا، اقتربت أكثر من النافذة، لحن صباحيّ صاخب تعزفه العصافير على الشجرة المقابلة للنافذة، حركت رأسها لتوسّع مدى رؤيتها، كانت أشعة الشمس الذهبيّة تتسلل برقة بين البنايات،تابع بصرها سربًا من الحمام يهبط بتؤدة نحو المسطح العشبيّ، على الرصيف عامل نظافة يرتدي كمّامة ويكنس بنشاط، مرت قربه سيدة تتدفق حيويّة، حيّته وهي تحثّ الخطى باتجاه الشارع الرئيس، رجال يسيرون بثقة في اتجاهات مختلفة،"ربما هم متجهون لأعمالهم"، السيارات منطلقة تذرع الشارع الرئيس في الاتجاهين، توقفت حافلة، نزل منها كهل وصعد إليها مجموعة من الناس ثم تابعت مسيرها.

تسرب إليها الخوف من جديد، أغلقت النافذة بسرعة، وبحركة مضطربة نشرت الستارة السوداء على النافذة؛ فأظلمت الغرفة ثانية، ركضت نحو أريكتها قبالة التلفاز، لا يزال كأس الشاي الذي لم يشرب جامدًا على الطاولة الصغيرة، ضغطت على زرّ المتحكِّم، تكوّرت في أريكتها وأخذت تتابع باهتمام الشاشة ذات الأرقام المخيفة.

منصور محمد أبوصفيّة

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى