الأحد ١ أيار (مايو) ٢٠٠٥
بقلم ضرغام فاضل

الكنز ـ القسم الثالث من أربعة

الكنـز.. لمن يصل إليه أولاً

في الباص الكبير..جلس عبدالرحمن إلى ناحية الشباك وإلى يساره جلس سامي,وخلفهما بالضبط جلس بدر وصهيب.أما أبو الليل ومرهون فقد اختارا مقعدين بموازاة عبدالرحمن وسامي,ليسترقا السمع ,ويراقبا تحرّكاتهما عن كثب.كانا قد ارتديا قبّعات اشترياها من الساحة..ونظّارات شمسية سوداء.نظر أبو الليل وتطلّع في وجه صديقه وقال له موبّخا ً:
 ألم تشغل مخّك قليلاً ؟؟كان عليك أن تختار لوناً آخرغيرلون قبّعتي..وحتى النظّارة التي ترتديها, هي نفس شكل نظارتي .
سأل مرهون بسذاجة:
 وماذا في هذا؟
أجاب أبو الليل مشمئزّاً:
  ياأخي نبدو كفرقة استعراضية..أو..أو لاأدري..المهمّ إنه شيء مضحك .
إلى يمينهما كان عبدالرحمن منشغلاً بإفهام أصدقائه الثلاثة ماينبغي عليهم فعله,مستعيناً بمخطّط صغير رسمته والدته بشكل بسيط,وحسب تذكّرها للطريق, الذي ماعاودت الرجوع فيه منذ مايقرب من الثماني سنوات مضت.
  بعد أريع ساعات من الآن سنصل إلى المدينة إن شاء الله..ومن هناك سنركب سيّارة صغيرة باتجاه القرية..وعندما نصل إليها سنتتبّع الطريق بواسطة هذه الخريطة .
كان عبدالرحمن حريصاً على عدم رفع صوته,بالكاد كان أصدقاؤه يفهمون كلامه,ومع هذا استطاع أبو الليل أن يلتقط بعض الكلمات..فهمس في أذن صاحبه قائلاً بسخرية:
  مساكين..يظنون أن الكنز سيكون من نصيبهم..أين أنتم من أبي الليل..
ثم توقّف فجأة عن قهقهاته الخبيثة,ليرى مرهون وهو يحدّق فيه مليّاً..فسأل:
  لماذا تنظر إليّ هكذا !؟.
أجاب مرهون بصوت خافت وبيأس :
  أخشى أن تغدر بي كعادتك..فهذه المرة ليست كبقية المرات..إنه كنز..يعني مال.. وذهب ..وجواهر,وأنت ضعيف أمام هذه الأشياء.تنسى كل اتفاقاتك مع أول بريق لها.
مدّ أبو الليل وقرص مرهون من رجله القريبة منه بخبث,وقال له والكلمات تخرج من بين أسنانه المصطكّةغضباً:
  أنت دائماً هكذا..تظنّ بي الظنون السيئة..ولاأدري سبب إصراري على صداقتك..ربّما قلبي الطيّب هو السبب..ولكن ربمّا من حقّك أن تقول:(( أخشى أن تكون حصّتك أكبر من حصتي)) ..وهذا ماسيحصل بالطبع..لأنني أنا من خّطط ودبّر,وعرّض نفسه للمخاطر..أما أنت فتأتيك اللقمة سائغة لفمك .
انتهز أبو الليل فرصةارتفاع صوت هدير محرّك السيارة,التي انطلقت بهم قبل دقائق قليلة,ليحاول ترضية صديقه,الذي انزعج من فكرة أن تكون حصة صديقه أكبر من حصته,بعد أن كان قد وعده قبل يوم واحد أن الكنز سيتقاسمانه مناصفة,ولكن يبدو أن كلام الليل يمحوه النهار كما يقال.اقترب منه ليهمس في أذنه:
 لو كنت أنت مكاني يامرهون.كنت ترضى أن تكون حصّتك بقدرحصّتي..لوكنت قد خطّطت وعرّضت نفسك للمخاطرة والتعب الذي تعرّضت أنا إليه..ثم إننا منذ البداية اتفقنا..أن تكون حصّة من يجمع المعلومات,ويدبّر المخطّطات,أكبر من حصّة الآخر..أليس كذلك؟
خزر مرهون صديقه بعينيه وقال له:
 منذ أن بدأنا العمل ولحد الآن وأنت تأخذ حصّة تكاد تكون أكثر من ضعف حصّتي..حتى في المهمّات التي أكون أنا من جمع المعلومات عنها ودبّر وخطّط لها..فجأة أجد نفسي أتلقّى التعليمات منك ..وفي النهاية تنقلب الأمور إلى جانبك,وتصبح أنت المخطِّط لها,كيف لاأدري ..
وضع أبو الليل يده على ركبة مرهون وقال له مبتسماً:
 أنت حاقد عليّ إذن ؟؟ لاعليك..هذه المرة ستكون راضياً عن حصّتك,المهم لاتدعنا نخسر ثروة كبيرة بسبب زعلك,كما يفعل الأطفال,هيا ..هياابتسم.. تبتسم لك الدنيا..هيا
ماكان من مرهون إلا أن يرضخ لإلحاح صديقه,الذي تفنّن كثيراً في إرضائه ..
بعد أربع ساعات من انطلاقه وصل الباص إلى مدينة مزدحمة بالناس والسيارات,توقّف الباص في ساحة كبيرة خصّصت لهذا الغرض,لينزل الركّاب منه,أما عبدالرحمن وأصدقاؤه فراحوا يبحثون عن سيارة أجرة صغبرة تقلّهم إلى قرية مجاورة, تبعد زهاء النصف ساعة عن المدينة هذه,وماكان من أبي الليل وصاحبه مرهون إلا أن يحذوا حذو عبدالرحمن وأصدقائه .
جلس عبدالرحمن في المقعد الأمامي للسيارة,وفي المقعد الخلفي جلس الأصدقاءالثلاثة:سامي وبدر وصهيب.وانطلقت السيارة متوجّهة للقرية,التي كان يسكنها عبدالرحمن عندما كان صغيراً,تتبعهم سيارة أخرى تقلّ أبا الليل وصاحبه مرهون.
فتح عبدالرحمن الورقة التي خطّطتها له والدته,ليستدلّ بها على المكان الذي يقصدونه,ثم وضعها على حجره,انتبه إليه السائق ذو السحنة السمراء,فابتسم..بعد أن لاحظ عبدالرحمن أن السائق يرمقه بنظراته..بادله الابتسامات...فقال السائق وهو يوزّع نظراته بين عبدالرحمن الجالس قربه,وبين الأصدقاء الذين يراهم من خلال المرآة الأمامية:
 حمداً لله على سلامتكم..
أجاب عبدالرحمن :
 الحمد لله .
كان حريصاً كما اتفقوا جميعاً على أن يحاولوا عدم إعطاء أي معلومة,حول المهمّة التي من أجلها جاؤوا للقرية.لذلك كان يكتفي بأن يعطي جواباً على قدر السؤال.
لاحظ السائق أن الأصدقاء الأربعة يتلفّتون يميناً ويساراً,مبهوتين بما يحيط بهم من جمال وطبيعة,ممّا يدلّ على أنهم غرباء عن المدينة..والقرية أيضاً,كما لاحظ أنهم لاينبسون بكلمة واحدة,ممّا أثار فضوله ليسألهم :
  هل من خدمة أستطيع أن أقدّمها لكم؟ لأنّني أعتقد إن لم أكن مخطئاً..أنكم تزورون هذه القرية للمرة الأولى .
لم يجد عبدالرحمن مايجيب به السائق إلا الحقيقة,فالذي اكتشفه السائق من السهل على أيّ شخص معرفته,لذلك أجاب بعد تفكير قصير:
  نعم ياعم,نحن فعلاً غرباء عن هنا,لكنّنا..أقصد أنا بالذات..كنت أسكن هذه القرية منذ زمن بعيد ,ثم انتقلت للعيش في مدينة بعيدة,وجئت لزيارة بعض الأقارب لي ..
ضحك السائق بعد أن سمع من عبدالرحمن ماسمع..فاستغرب عبدالرحمن ردّة فعل السائق..فسأله:
  عفواً ياعمي,هل لي أن أسأل عمّا يضحكك في كلامي ؟؟
ابتسم السائق وهو يوزّع تركيز نظره مابين الطريق وبين عبدالرحمن إلى يمينه,ليقول والابتسامة المرحة لاتفارق وجهه:
  أضحك لسببين..أولهما لأنك تقول:إنك كنت تسكن في القرية منذ زمان بعيد وأنت..عفواً يعني ..ماتزال صغيراً ..
ابتسم عبدالرحمن هو الآخر قائلاً:
  كنت أقصد أنني كنت صغبيراً جداً..يعني قبل حوالي سبع سنوات أو ربما ثمانية..
ثم تابع ليقول:
  السبب الأول عرفناه..والثاني ؟؟
أجاب السائق :
  السبب الثاني لأن من حسن حظّكم أنني من السكّان الأصلاء في هذه القرية,التي نتوجّه إليها,فأنا أصلاً ولدت فيها قبل أكثر من أربعين سنة تقريباً .
لم يجد الأصدقاء مناصاً للهرب من الحقيقة التي أمامهم..وشعر عبدالرحمن بالحرج والارتباك.إذ ِبم سيجيب السائق إذا ماسأله ((من هم أقرباؤك لأوصلك إليهم ؟؟))..وهل هذه الصدفة ستنفعهم في المهمّة.. أم جاءت لتعترض كلّ ماخطّطوا له ؟
نظر بدر إلى صهيب الجالس قربه وتبادلاالنظرات..وكأنهما يريدان أن يقولا لبعضهما..((هل من بين عشرات السائقين الذين اصطفّوا في ساحةوقوف الباصات الكبيرة ..جئنا لهذا السائق ليكون من سكّان القرية التي نقصدها ؟!! ماهذا الحظ !!)).
وماكان خائفاً منه عبدالرحمن قد حصل فعلاً..فهاهو السائق يسأله :
- من هم أقرباؤك يا..صحيح نسينا أن نتعارف..خصوصاً بعد أن اكتشفنا أننا من منطقة واحدة ..فمحسوبكم سالم ..عمّكم سالم..أو أبو ماجد ..فولدي ماجد بمثل أعماركم..لكنّه للأسف لم يدخل المدرسة بسبب بعض الظروف ..
وجد عبدالرحمن أنها فرصة للتملّص من الإجابة عن السؤال الأول,فراح يعرّف بنفسه وبأصدقائه الجالسين خلفه..فقال:
 تشرّفنا بمعرفتك ياعمّي..أما أنا فاسمي عبدالرحمن..وهؤلاء أصدقائي سامي وبدر وصهيب .
هزّ العم سالم رأسه وهو ينظر للأصدقاء من خلال المرآة .وقال:
 أنا سعيد بالتعرّف عليكم .
مدّ بدر يده ليخزعبدالرحمن من كتفه الأيمن خلسة.وعندما أحسّ عبدالرحمن بوخزةصديقه, التفت إليه .قرّب بدر رأسه من أذن عبدالرحمن وراح يهمس له:
 يبدو رجلاً طيباً,وقد بعثه الله لنا ليساعدنا في مسعانا.وسيختصر علينا عناء البحث عن بيت جدّك ..فتصرّف .
ظنّ العمّ سالم أن الأصدقاء ربما يكونون في مأزق ما ,فسألهم:
 هل من شيء أساعدكم فيه ؟؟أضعتم نقودكم مثلاً ؟؟أم نسيتم بعض الحاجات في الباص ؟؟أنا حاضر لأيّ شيء,حتى لو اضطررنا للعودة للساحة ..ولاتقلقوا لن أزيد الأجرة ..
ثم ضحك..وضحك معه الأصدقاء ..وقال صهيب :
  جزاك الله خيراً ياعمّي..أنتم دائماً هكذا ياسكّان القرية والريف,تتميّزون بالطيبةوالنخوة والضيافة ..أكثر منا نحن سكان المدينة ..
وردّ سامي"
  شكراً ياعمّي..رحلتنا كانت سهلة وموفّقة والحمد لله ..ولقد تكلّلت بالتعرّف عليك..وهذا أحسن شيء فيها لحد هذه اللحظة .
خجل العمّ سالم من هذا الإطراء .فقال خجلاً:
  شكراً ياأولاد ..ها ..كيف لي أن أساعدكم؟؟أو بالأحرى كيف يمكنني أن أقوم بالواجب تجاهكم؟ .
تشجّع سامي ليقول:
 قلت لنا قبل قليل إنك من سكّان القرية منذ أن ولدت..وهذا يعني أنك على علم بكل سكّانها القدامى..أليس كذلك ؟
أجاب السائق :
 بلى ..
تابع هبد الرحمن ليسأل:
 وهذا يعني أنك تعرف عائلتي التي رحلت من القرية قبل سنوات ..
أجاب السائق :
 إن شاء الله ..
سأل عبدالرحمن:
  أنا ابن أحمد.ووالده _ يعني جدي _ كان معلّماً,ثم تقاعد عن العمل,واسمه راشد..كنّا نملك أرضاً زراعية..ثم بسبب بعض الظروف بعناها لننتقل إلى المدينة..بعد وفاة والدي وجدّي .
وضع العم سالم ّسبّابته على شفته العليا يداعبهاوهو يتمتم مستذكراً :
  رحمة الله عليهما وعلى موتانا وموتاكم..أحمد ..ابن راشد ..أحمد...
أما عبدالرحمن فقد راح ينتظر بشغف ماستسعفه ذاكرة العمّ سالم..فراح يستعجله بالقول:
  راشد أبو أحمد..حاول أن تتذكّر جيداً ياعمّي ..
انتقلت يد العمّ سالم من غير شعور منه, لتداعب هذه المرة جبينه, في محاولةللاستذكار..وهو مايزال يتمتم مع نفسه ببعض الكلمات:
  أبو أحمد..الأستاذ راشد ..ها..الأستاذ راشد..
وفجأة تغيّرت ملامح العمّ سالم السائق,وكأنه قد تذكّر شيئاً مهماً ..فقال:
  نعم ..إنه الأستاذ راشد..كيف لاأعرفه ..إنه معلّم اللغة العربية في المدرسة التي مررنا بجانبها عندما كنّا في المدينة قبل قليل..لقد درّسني العربية عندما كنت تلميذاً فيها..بالمناسبة حتى أبوك كان تلميذاً في المدرسة نفسها ..
انتابت عبدالرحمن مشاعر غريبة,تجمع مابين الفرح والحزن,ودمعت عيناه بعد ماسمعه من العمّ سالم ,وكأنه عثر على واحد من أقربائه,ممّن عايشوا الأحداث التي مرّت بها عائلته منذ زمن بعيد بالنسبة إليه .ثم واصل العم سالم حديثه قائلاً:
 ياه..لقد ذكّرتموني بسنوات مضت..رحمك الله ياأستاذ راشد..كان معلّماً نزيهاً, تعلّمنا منه كل شيء ..المثابرة,والأمانة,والحرص على أداء الواجبات ..
ثم نظر إلى عبدالرحمن..وهز سبّابته..وهو يقول:
  نحبّه رغم أنه كان قاسياً علينا في حينها..لكن بصراحة..كان معه الحق .لأننّا لولا قسوته ماكنا تعلّمنا شيئاً أبداً ..
ثم ضحك ضحكةخفيفة..أتبعها بحسرة طويلة,وكأنه يستذكرأياماً أصبحت تاريخاً ماضياً لن يعود..بعدها التفت إلى يمينه حيث يجلس عبدالرحمن..وقال:
  أهلاً وسهلاً بك وبمن معك..أنتم ضيوفي منذ الآن..ولن أقبل أي عذر للتملّص من هذا..ما رأيكم ؟
نظر عبدالرحمن إلى أصدقائه خلفه..وتلعثم وهو يقول:
  بصراحة..يعني ..
قاطعه العمّ سالم :
  لاأقبل أي عذر..مفهوم؟؟

أرض .. ذكرياتها مرّة ..ومستقبلها سعيد

في القرية الجميلة..وفي ظلّ شجرة وارفة..افترش أبو الليل الأرض,برفقة مرهون..وكلاهما مدّد رجليه أمامه..مستندين على الأرض بأذرعهم الممدودة خلفهم .ليريحوا أجسادهم المثقلة بتعب الرحلة الطويلة ,ولينتظروا وصول السيارة الصغيرة,التي أقلّت عبدالرحمن وأصحابه.هذا طبعاً من وجهة نظرهم..نظر مرهون إلى صاحبه وسأله:
 أنا محتار من شيء..وهو أنهم كانوا أمامنا لأكثر من نصف الطريق..لولا أن توقّف سائقنا ليتفحّص عجلات السيارة,لكنّاوصلنا سوية,ولكن رغم هذا,فإنّه لاينبغي لنا أن نتفاوت في الوصول كلّ هذه الفترة الطويلة!! فنحن هنا منذ ربع ساعة تقريباً ,ولم يصلوا لحد الآن.
تأفأف أبو الليل.وقال بعدما تفحّص الشارع الذي من المفترض أن تدخل منه السيارات القادمة إلى القرية ..وقال:
 لاأدري لماذا يراودني إحساس أنهم وصلوا قبلنا وليس العكس..
أجاب مرهون:
  أيعقل هذا!!..أين اختفوا إذن بهذه السرعة ؟
لم يكن يخطر على بال أبي الليل ومرهون أبداً ماحصل مع عبدالرحمن وأصدقائه..إذ اصطحبهم العمّ سالم إلى بيته مباشرة,من دون أن يضطرّ للوصول أو التوقّف في المكان المخصّص لوصول السيارات القادمة لهذه القرية ..قال أبو الليل بعد تفكير:
  سننتظر عشر دقائق أخرى,وبعدها نقرّر ماسنفعله.
جلس الأصدقاء الأربعة ( عبدالرحمن وسامي وبدر وصهيب) في بيت العمّ سالم,وتناولوا الغداء معه ومع زوجته( الخالة أم ماجد)أمّا ماجد فكان مايزال في عمله .إذ يعمل في ورشة للميكانيك على الطريق مابين القرية والمدينة ,وعندما حضر وتعرّف إلى الأصدقاء,دارت بينهم أحاديث ودّية كثيرة,لكنّهم لم يتطرّقوا أبداً إلى موضوع الكنز المدفون في غرفة جدّ عبدالرحمن, في البيت القديم الذي كانوا يسكنونه منذ سنوات..وعندما سألهم ماجد عن سبب زيارتهم هذه,أجاب عبدالرحمن وهو يمسك بآلة التصوير التي أخرجها من حقيبته :
  أخذت الإذن من والدتي أن أصطحب أصدقائي للقرية التي ولدت فيها,ولأوثّق بالصور المناظر والأماكن التي ترعرعت فيها,وخصوصاً ونحن نعيش أيام العطلة الربيعية,,وهي فرصة مناسبة للقيام بهذه الرحلة.
قال العمّ سالم موجّهاً حديثه لعبدالرحمن, بعد أن لاحظ أنه ينوي أن يلتقط بعض الصور للقرية ولبيتهم القديم :
  في القرية مناطق خضراء جميلة,ربما ستعجبكم وتستأهل أن تصوّرها,أما البيت الذي كان يسكنه جدّك فإنه للأسف أصبح مهجوراً،بعد أن تركهه أصحابه الذين سكنوه بعده,وصار مأوىً للحيوانات البريّة من كلاب وذئاب..
سأل بدر:
  هذا يعني أنه غير مسكون..وهذا أفضل بالنسبة لنا.
كاد لسانه أن يزلّ,لولا أن خزره عبدالرحمن بنظرة ,في حين استغرب العمّ سالم ممّا قاله بدر ,فسأل:
  أفضل !! ولماذا ؟
استدرك عبدالرحمن الأمر ليقول:
  يقصد بدر أننا يمكن أن نلتقط له مانشاء من الصور الفوتوغرافية بسهولة,على عكس ممّا لو كان مسكوناً.
ابتسم العمّ سالم وهو يقول:
  لاأعتقد أنكم تستطيعون الدخول فيه,بعد أن أصبح خربة مهملة ,ومرتعاً للحيوانات البريّة..هذا صعب .
تبادل الأصدقاء الأربعة نظرات الخيبة ممّا سمعوه,وسرعان ماأحسّ ماجد بخيبتهم..فقال لهم مطمئناً:
  لاعليكم ,سأصحبكم بعد قليل إلى البيت,لتلتقطوا له الصور على بعد مسافة قريبة .ولكن بعد أن نحتسي الشاي.
  على بعد مئات الأمتار من بيت العمّ سالم .كان أبو اللّيل ورفيق دربه مرهون يبحثان بين البيوت الصغيرة المتناثرة عن سيارة بيضاء صغيرة ,تقلّ أربعة فتيان .كان التعب بادياً عليهما, بعد أن أمضيا أكثر من ثلاث ساعات منذ أن يئسا من الانتظار,و قرّرا البحث عن عبدالرحمن وأصدقائه .وفجأة نسي مرهون كلّ تعبه وصرخ بعد أن لاحظ شيئاً جذب انتباهه:
  انظر ياأباالليل هناك!!
نظر أبو الليل صوب الجهة التي أشار إليها مرهون .ليرى من بعيد خمسة فتيان متتقاربين في أطوالهم ومعهم رجل .نظر أبو الليل إلى مرهون ليسأله:
  ماذا يامرهون ؟؟لقد أرعبتني.وظننت أنك لمحتهم.
أجاب مرهون :
  إنهم هم فعلاً..تمعّن جيداً,وستتأكّد من هذا.إنهم يرتدون الملابس نفسها,ويحملون الحقائب نفسها..أنا أعرفها جيداً .
عاد أبو الليل لينظر من جديد ولكن هذه المرة بتركيز :
  لاأستطيع أن أميّز ملامحم من هذه المسافة فنظري يخونني..علينا أن نقترب منهم أكثر,من غير أن يحسّوا بنا .
طارالتعب منهما,وراحا يتابعان سيرمن شكّوا في أمرهم ..وعندما صارا أكثر قرباً منهم ,قال أبو الليل :
  صدقت يامرهون ..أحسدك على نظرك الثاقب,إنهم هم فعلاً..
ابتسم مرهون بعد أن شعر بالنشوة :
  ألم أقل لك ..
ثم سأل أبو الليل باستغراب:
ولكن مَن هذان الشخصان اللذان يرافقانهم ؟!!..ياللشياطين !! كيف تعرّفوا إليهما بهذه السرعة؟؟
قال مرهون:
  ربما يكونان من أقرباء الولد المليونير !!
ضحك أبو الليل قائلاً:
  حلوة!!..أعجبتني هذه((الولد المليونير)) ..تقصد عبد ال....عبد ال..
قاطعه مرهون ليجيب:
  نعم..عبدالرحمن..ويبد هذا الرجل الذي يرافقهم هو أحد أقاربه..أما الفتى الخامس فيبدو أنه ابن الرجل .
فرك أبو الليل ذقنه بيده,وهزّ رأسه قائلاً :
  توقّعاتك تخيفني,دائما تصيب..أتعرف..ظهور هذا الرجل سيزيد المسألة تعقيداً..
أجاب مرهون:
  طبعاً..ومالعمل؟؟
ردّ أبو الليل بعد تفكير قصير:
  بمجرّد أن نعرف مكان البيت,سنعتمد على أنفسنا في البحث عن الكنز..بلّل مرهون شفتيه بممقدّمة لسانه..وتمتم قائلاً:
إنني أنتظر هذه اللحظات بفارغ الصبر ياأبا الليل.

* * *
صار العمّ سالم ومن معه على بعد بضعة أمتار من بيت جدّ عبدالرحمن..توقّف العمّ سالم..وتوقّف الأصدقاء,ثم مدّ العم سالم يده مشيراً صوب البيت..وقال:
ذاك هو ..انظروا ..
ابتسم عبدالرحمن وهو يقول:
 ياه !!..يبدو كمعلم أثري من تلك المعالم التي نزورها في رحلاتنا المدرسية ..
أجاب العمّ سالم :
هذا نتيجة إهماله وتركه وعدم العناية به طوال السنوات الماضية..بالمناسبة يمكنك أن تلتقط له بعض الصور من هذا المرتفع .سيبدو جميلاً من بعيد.
أخرج عبدالرحمن آلة التصوير من الحقيبة التي يحملها على كتفه,وبدأ بأخذ عدّة لقطات للبيت,منتهزاً فرصة وقوفهم على تلّة صغيرة.
قال العمّ سالم موجّها حديثه إلى عبدالرحمن وأصدقائه الثلاثة:
 ما رأيكم لو ألقيتم عليه نظرة سريعة,على أن تعودوا نهار الغد وتفعلوا ماتريدونه؟
أجاب عبدالرحمن:
 شكراً ياعمّي..لانريد أن نثقل عليكم أكثر من هذا,فنحن نعرف مدى انشغالكم بالعمل.سواء أنت أم ماجد,جزاكم الله خيراً..لقد فعلتم الواجب وأكثر..
أردف بدرك
  هذا صحيح..وحبّذا لوانصرفتما لعملكما بينما نتجوّل نحن في القرية.ونحاول الدخول للبيت..أو نطوف حواليه..لالتقاط صور أخرى أكثر قرباً.
أما صهيب فقال:
  وفي الغد إن شاء الله..سنعود إلى مدينتنا..فأنا مشتاق لها ولبيتي وأهلي..
أجاب عبدالرحمن:
  معك حق يابدر..وأنا أيضاً مشتاق لأمبي ولكلّ شي في بيتي..
ضحك العم سالم وقال:
  على مهلكم .. لم يمضِ يوم واحد على وصولكم !!هل بهذه السرعة ضجرتم منا؟؟
ابتسم عبدالرحمن قائلاً:
  بالعكس ياعمّي..لقد تشرّفنا بالتعرف عليك..وسنكون على تواصل دائم في الأيام القابلة إن شاء الله..وسنحاول الاطمئنان عليكم دائماً..وخصوصاً أنني أرى أن خطوط الهاتف قد وصلت إلى أماكن قريبة جداً من القرية..وهذا يعني أنها في الطريق إليكم ..
ابتسم ماجد وخاطب أباه مبتسما ً:
  لاتلحّ عليهم ياأبي..دعهم يفعلون مايرونه مناسبا لهم..ونحن مستعدون لأي مساعدة يطلبونها منا..
ربت عبدالرحمن على كتف ماجد قائلاً:
  شكرا ياماجد ..
قال ماجد:
 والان أرجو أن تسمحوا لي..أن أعود إلى عملي ,لأنني لم أكن على علم بوصولكم,وإلا كنت طلبت الإذن من صاحب الورشة .
أجاب عبدالرحمن وهو يوجّه حديثه لماجد وأبيه:
  لانريد أن نؤخّركما عن عملكما..أرجوكما .
قال العمّ سالم:
  حسن .ولكن أرجو أن لاتتأخّروا في المساء..سننتظركم على العشاء ..
سأل صهيب:
  متى تعودان من عملكما؟؟
أجاب ماجد :
  يأتي أبي لاصطحابي عند الثامنة مساء.
قال عبدالرحمن:
  بصراحة..أعترف إليكما بأننا لم نفكّر أن القرية بعيدة عن أماكن وجود الفنادق ..
لم يُخفِ العم سالم انزعاجه,إذ قال:
  ماهذا ياعبدالرحمن!! ..أنت تهيننا بكلامك هذا ..
أجاب عبدالرحمن على الفور:
  معاذ الله ياعم..والله لم أكن أقصد..ولكنّنا نشعر بالحرج والخجل في آن واحد.
ربت العمّ سالم على كتف عبدالرحمن وقال:
  لاعليك..نحن سعداء جداً بوجودكم معنا..فنادراً ما يزورنا ضيوف .
هزّ عبدالرحمن رأسه مبتسماً ومدارياً الموقف .
سأل ماجد أصدقاءه الجدد:
  إذن..سنضطرآسفين أن نترككم معتمدين على أنفسكم,وسنلتقي في بيتنا مساء إن شاء الله ..اتفقنا؟
أجابوا بصوت واحد:
  اتفقنا.
* * *

كنـز مستور ..في بيت مهجور

خلف شجرة فخمة الجذع ,كثيفة الأغصان..وقف أبو الليل مع صاحبه مرهون,يراقبان تقدم عبدالرحمن وأصدقائه إلى البيت..همس أبو الليل لصاحبه:
  سيتعبون ويعانون,أما نحن فستصل إلينا اللقمة سائغة,والكنز سيكون من نصيبنا نحن الاثنين فقط , يالهم من مساكين ..
ثم ضحك ضحكة خبيثة,هو يتابع بنظراته الثاقبة اقتراب الأصدقاء من البيت ..
وقف عبدالرحمن عند الباب الخشبي الذي تآكلت حافاته,وتهشّم إطاره..وراح يتأمّل جدرانه وسقفه الذي ملأته شبكات العناكب..والرائحة الكريهة تنبعث من كل جوانبه.إنّه منظر يبعث في النفوس الخوف والرعب..
تبادل الأصدقاء الأربعة نظرات حائرة..إذ كأن كلاًّ منهم يسأل صاحبه:(( من سيدخل أولاً في هذا المكان المرعب؟؟))..تلعثم عبدالرحمن وهو ينظر إلى الأصدقاء خلفه,,وبصوت مرتعش قال:
  سأسبقكم في الدخول..
بخطوات مرتبكة..بدأ يدخل البيت شيئاً فشيئاً..دفع برجله دفّة الباب مفتوح قليلاً..ولكنّ أشياء كثيرة تساقطت منه ومن الأعلى,مما أثار فزعه وفزع أصدقائه ..
  ((يا إلهي ماذا هناك؟!!))
صرخ بأعلى صوته,فتراجع الأصدقاء بخطوات سريعة بضعة أمتار للخلف,ثم مالبثوا أن شجعوا بعضهم ,إنها فرصتهم الأخيرة قبل أن تبدأ الشمس بالمغيب,لملم عبدالرحمن كل قواه وشجاعته,وبخطى أكثر ثباتاً بدأ اقتحام بيت جده الذي تحوّل إلى خربة مخيفة.أما أصدقاؤه فقد وقفوا بانتظارماسيتصرّف به صديقهم الشجاع .
سأل بدر صديقيه سامي وصهيب:
  أظن أنّ من العيب أن نقف متفرّجين هكذا,بينما عبدالرحمن يواجه الموقف وحده,أليس كذلك ؟
أشار سامي بنعم ..
ثم راح الثلاثة يشجّع بعضهم البعض,في دخول المنزل المهجور..وقد أمسك كلّ منهم بثياب الآخر..ولم يكد يمضِ على دخول عبدالرحمن بضعة ثوان .حتى سمعوا صرخة مدوّية من داخل البيت :
  ((ياساتر !!..النجدة ..النجدة ..))
لم تتبادر فكرة للأصدقاء في حينها غير فكرة الهرب..ناسين أن أحد أصدقائهم ربما يكون بأمس الحاجة لمعونتهم..لكنّ هذا لم يدم طويلاً,إذ سرعان ماخرج عبدالرحمن من البيت هارباً من شيء ما يلاحقه ..ارتمى عبين أصدقائه لاهثاً..وهو يصرخ :
  وحش..وحش مخيف..لم أرَ سوى عينيه اللمّاعتين.
ارتعب الأصدقاء..أي وحش يقصده صديقهم هذا !؟ولكنّ كلّ شيء بان للتوّ..فقد كان الوحش عبارة عن كلب أسود فخم ,اتّخذ من البيت وكراً له ..
صاح بدر :
- حذار أن ترموه بالحجارة,وإلا ازداد وحشية .
وقال صهيب بعد أن تناول غصناً يابساً من على الأرض:
 سأهشّه بهذ الغصن ..
وفعلاً ابتعد الكلب عنهم إلى حال سبيله.ارتمى عبدالرحمن على الأرض,ترتعد فرائصه خوفاً,وهو يقول:
  أرجو أن لايعود ثانية ..
ثم نظر إلى أصدقائه المتحلّقين حوله..وخاطبهم معاتباً:
 ألم نتفق أننا سنواجه كل شيء سوية ؟ حلواً كان أم مرّاً ؟؟
خجل الأصدقاء من موقفهم هذا ؟وقرّروا أن يدخلوا مع عبدالرحمن إلى البيت خطوة بخطوة..بعد أن أقنعوا أنفسهم بأنّ من الطبيعيّ جداً أن يروا مثل هذه الأشياء,في بيت تركه أصحابه منذ سنوات .
نهض عبدالرحمن من على الأرض,واستعدّ الجميع ,وسط تشجيع من بعضهم البعض, لاقتحام المنزل من جديد ..
من خلف الشجرة الكبيرة كان أبو اللّيل مايزال يرقب المنظر..فقال:
  ياه ..إنهم أذكياء وشجعان بحقّ !!..
ثم نظر إلى صاحبه الذي اصفرّ لونه ..قائلاً:
  ماذا كنت ستفعل لو كنت أنت من دخل البيت يابطل؟؟ ..
لم يعجب مرهون استهزاء صديقه,فقال مغيّراً الموضوع :
  على أي حال.لقد دخلوا البيت,وأتمنى أن ينجحوا في هذه المرة.
أشار أبو اللّيل لصديقه ناحية البيت قائلاً:
  هل سنقف هكذا نراقبهم من بعيد ؟ تعال نقترب أكثر,ونقف تحت إحدى نوافذ البيت,من غير أن يحسّوا بنا .
داخل البيت وقف الأصدقاء متفحّصين جدرانه وسقوفه,التي تدلّت منها خيوط العناكب,وفي زوايا عالية منها عشعشت الطيور .وعلى أرضها تحتار أين تقع عينك من الأوساخ وأكوام الأوراق,التي تجمّعت نتيجة ترك النوافذ مفتوحة على مصاريعها..تمتم بدر بصوت خافت:
 إنه منظر مخيف بالفعل..
شجّعه صهيب الذي حمل معه العصا التي هشّ بها الكلب ,قائلاً:
 تحلّ بالشجاعة يا بدر..
تقدّم عبدالرحمن بضعة خطوات وهو يحثّ أصدقاءه بأن يتبعوه:
  لنتفحّص المكان أولاً..
وفجأة سمعوا صوتاً غريباً ينبعث من إحدى الغرف القريبة منهم,والتي لم يدخلوها بعد ..
نظر كلّ منهم للآخر,سائلين بعضهم بالنظرات عمّا سيتصرفونه,هل يتركون المكان ويفرّون هاربين من البيت,كما فعل عبدالرحمن قبل قليل..أم ماذا يفعلون؟؟..قال سامي متلعثماً:
  الأصوات تنبعث من الغرفة التي على يميني ..
أجاب صهيب:
  كأنّه صوت أنين ..
وقال بدر:
  أيّ أنين يا أخي!؟..إنّه صوت مألوف سمعته قبل هذه المرّة..ولكن ماهو ؟؟ماهو؟؟..
قال عبدالرحمن بصوت خافت :
  مارأيكم أن ندخل الغرفة..ولكن بحذر؟؟
هزّ الأصدقاء رؤوسهم موافقين..ثم وقف عبدالرحمن منتظرا ًمن سيبادر بالدخول..ففهم بدر مايريده صديقهم..فأخذ العصا من صهيب وتقدّم أمام الجميع ثمّ دفع الباب برأس العصا,وهو يخطو خطوات حذرة باتجاه الصوت..يتبعه الأصدقاء الذين أخفى كلّ منهم خوفه ورعبه عن الباقين ..توقّف الجميع إلا بدر,استمرّ بالتقدم ..وفجأة صرخ فرحاً:
  ياه!!..إنها جراء صغيرة ..
تنفّس الجميع الصعداء..واقتربوا من مصدر الصوت,ليكونا قبالة الجراء الصغيرة الأربعة..جلس سامي قريبا منها..وراح يتأمّلها..ثم قال:
  إذن كانت الكلبة تحمي صغارها..ياللمسكينة ..
ثم انتبه صهيب لشيء فقال:
  يجب أن ننجز مهمّتنا قبل أن تعود الكلبة إلى صغارها ..
أجاب عبدالرحمن وهو يخرج الخريطة من جيب قميصه :
  نعم هذا صحيح..ولكن علينا أولاً أن نبحث عن غرفة جدّي..وحسب مامرسوم عندي فإنّ الغرفة تكون في آخر الممرّ .
سأل بدر:
  كم غرفة في البيت؟
أجاب عبدالرحمن :
  لاأدري بالضبط..ربما أربعة ..أو خمسة.
خرج الجميع من الغرفة باتجاه غرفة الجدّ.وهم يقطعون الممرّ الذي توزّعت على جانبيه أبواب تؤدّي إلى غرف أخرى..كانت أبوابها مفتوحة ..والرائحة الكريهة تنبعث منها,بعد أن تحوّلت إلى حاويات للنفايات,وفضلات الحيوانات ..
أغلق عبدالرحمن أنفه بإصبعيه كي لايشمّ الروائح الكريهة المنبعثة من كلّ مكان,وبخطى قصيرة مرتبكة راح يتقدّم باتجاه الغرفى التي لمح بابها الوصد على مسافة أمتار قليلة عنه..وهو يقول:
 لم يبق سوى القليل..تحمّلوا يأصدقائي ..
وراح كلّ منهم يعبّر حسب طريقته,عن اشمئزازه من المناظر والروائح المقرفة..حتى وصلوا للباب الموصد..مدّ عبدالرحمن يده ليفتح الباب,بعد أن وزّع نظراته على الأصدقاء المتلهّفين لدخول الغرفة,والبدء بالبحث عن الكنز المدفون فيها..
في الخارج كان أبو الليل ومرهون يترقّبان دخول عبدالرحمن وأصحابه للغرفة,وهما متلهّفان أكثر من البقية,للحصول على الكنز المنتظر،فراحا يتسلّلان بمحاذاة الجدران الخارجية للغرف,وهما يمرّان من تحت نوافذها,حتى صارا تحت نافذة الجدّ ,جلسا على ركبتيهما بحذر شديد,ليسترقا سمع الحوار الدائر بين الأصدقاء الشجعان:
 (( هذه هي غرفة جدي ))
 ((رحمه الله ..))
 (( من أين سنبدأ الحفر؟))
 ((كلّ واحد منا سيحفر في زاوية من الزوايا..هيّا.))
سأل مرهون صديقه أبااللّيل:
 هل نهاجمهم ؟
أجابه أبو الليل :
 لاأيها الأبله,سندعهم يبحثون عن كنزهم.
انتبه بدر لشيء مهم فانبرى قائلاً:
_تقولون نحفر ؟؟ كيف سنحفر يأصدقائي الأذكياء ؟؟ بأيدينا ؟؟
ابتسم عبدالرحمن وهو يتناول من حقيبته رؤوس فؤوس ومجارف التي خبأها في حقيبته..قائلاً:
 لم يفتني شيء من هذا القبيل ..
أدرك سامي ماكان يعنيه عبدالرحمن عندما سأله عن سبب ثقل حقيبته..فهزّ رأسه قائلاً:
 فعلا..أثبتّ مهارتك في التفكير بكلّ متطلّبات المغامرة هذه..
لم تدُم نشوة شعور عبدالرحمن بانتصاره طويلا ً,إذ سرعان ماتذكّر شيئاً, فقال:
 لاتفرحوا هكذا,فقد نسيت أن أطلب منكم قبل دخولنا أن نبحث عن عصيّ لنثبّت بأطرافها رؤوس الفؤوس والمجارف هذه .
تأفأف سامي.. وكأنهم صاروا أمام مشكلة جديدة لم تخطر على بالهم..فقال:
 ومالعمل الآن؟؟
أجاب صهيب:
 علينا أن نبحث عن عصي طبعا,وأعتقد أن هذه العصا التي معي تنفع,علينا أن نبحث عن عصيّ أخرى..
همّ بدر بالخروج من الغرفة, بعد أن وجد له فرصة مناسبة لينقذ نفسه من الجوّ الكئيب والمقرف قائلاً:
 سأخرج أنا لأبحث عن العصيّ.
تبعه سامي..وهو يقول:
 سأرافقك.
خرج الصديقان ليبحثا عن العصي,بينما ظل عبدالرحمن وصهيب يتناوبان على الحفر بفأس واحدة, مبتدئين بإحدى زوايا الغرفة والتي خمنا أنها ربما تكون قبالة المكتبة التي وضع بها الجد كتبه آنذاك..
أما بدر الذي شعر بأنه قد خرج من معتقل للتو..فقد راح يأخذ أنفاسه بعمق.نظر إليه سامي وقال له مبتسماً:
 ما أحلى الحرية !!..
ردّ بدر :
 كدت أختنق,لكنني كتمت الأمر عليكم,كي لاتتّهموني بالجبن,أو التراجع عن اتفاقنا..
أجابه سامي:
لابأس,لم يبقَ إلا القليل..والآن علينا أن نبحث بسرعة عن عصيّ غليظة .
استعرض بدر المكان من حوله,وعندما لمح شيئاً من بعيد..قال وهو يشير بيده صوب مارآه:
  انظر هناك ياسامي..ألا ترى ذاك البيت المحاط بسور خشبي؟؟.
نظر سامي ناحية البيت,وكأنّه فهم مايقصده بدر..فأجاب صديقه:
 نعم أراه..ولنّ فكرتك مرفوضة..من العيب أن نقتلع أخشاب السور..
ضحك بدر وقال:
 لم تفهمني..إنما قصدت أن نستعير منهم معاول ومجارف..
أجابه سامي:
 لا,سيشكّون في أمرنا.وخصوصاً أننا غرباء عن القرية.
حكّ بدر رأسه مفكراً..واستعرض المكان حواليه,ولمّا لم يجد أملاً في العثور على أيّ غصن أو خشبة..قال:
 ليس أمامنا سوى أن نذهب إلى بيت العمّ سالم ونطلب منهم عدّة للحفر..
فكّر سامي بهذه الفكرة قبل أن يجيب:
  لا بأس من ذلك..وسنُفهم العمّ سالم عندما يعود من عمله ما جئنا من أجله,بعد أن نكون قد انتهينا من مهمّتنا..
هزّ بدر رأسه مسحسناً ماتوصّلا إليه..ثم أمسك بيد صديقه,وانطلقا إلى بيت العمّ سالم لينفّذا فكرتهما..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى