الجمعة ١٢ تموز (يوليو) ٢٠١٩
بقلم فوزيّة الشّطّي

المحاكمةُ

في أيِّ مكان مِن هذا العالم، يخرج المتّهَمُون مِن سجنٍ فسيح ضخم شديد التّحصين إلى قاعةٍ عفنة كئيبة حيث تتعالى أصواتٌ آدميّة مضطربة يـُميتُها الخوفُ مِن المصير ويُحيِيها الرّجاءُ في النّجاة: النّجاة مِن العدالة أخطأت أو أصابت. إنّهم سجناء ينتظرون المحاكمة بعد أن أجرموا في حقّ أنفسهم أو حقّ الآخر. كان حظُّهم عاثرا قاتما لم يتركْ للأمل موطئَ قدَم. في يوم مّا يمثُل أحدُهم أمام المحكمة. بدا كأحدِ صعاليك الجاهليّة: أشعثَ الشّعر، معفَّر الوجه، مغبرّ الملابس. كان يمشي الـهُوينا متبختِرا متعاليا كأنّه يتحدّى الماسكين برقاب مصيره.
تبدأ المحاكمةُ.
سأل القاضي بلهجة محايِدة لا تنِمّ عن أيِّ شعور أو موقف:
- ما اسمك؟
أجاب المتّهمُ متمهِّلا:
- تريد أن تعرف اسمي؟ حسنا. أنا نجيب الجازولي.
- لا تستحقّ هذا الاسمَ الأنيق.
- هل أعطيتَه لي مِن جيبك؟!
يتدخّل المحامي الشّابُّ المتّقِد حيويّة وحماسة وقد سارع بالوقوف إلى جانب موكِّله كما لو أنّه يواسيه في محنته أو يحميه مِن سطوة القضاء. قال متأدِّبا:
- أرجُو أن تعفوَ هيئةُ المحكمة الموقّرة عن زلّة لسان موكّلي. إنّه لا يعِي ما يقول. حالتُه النّفسيّة المضطربة لا تسمحُ له بالتزام الضّوابط الأخلاقيّة.
اِستأنف القاضي هادئا:
- كم سنُّك؟
- لستُ أدري. لا أملك شهادةَ ميلاد. ولم أحتفل يوما بعيد ميلادي.
- ما هي تهمتُك؟
- يقولون إنّي قتلتُ جاريَ المسكينَ طمعا في ماله.
- أتنكرُ ذلك؟
- نسبيّا... هذا لأنّي لم أقتُله طمعا في ماله بل لأنّه يستحقّ القتلَ.
- هل أنتَ مصرّ على أقوالك؟
- نعم، بقدر ما أنا مصرٌّ على أنّ هذا الشّاربَ لي.
يتدخّل المحامي وهو يجفّف العرقَ الّذي تصبِّب على جبهته العريضة النّاصعة:
- سيّدي القاضي، أعترف بأنّ موكّلي قد اقترف جرما فظيعا يستحقّ بسببه شرَّ عقاب قانونيّ. بيد أنّ العدلَ يقتضي منّا الإقرارَ بأنّ المتّهَم ليس إلاّ فردا ينتمي إلى مجموعة يسودها العنفُ والتّناحر والتّفكّك. فكيف نحمّل الفردَ وحدَه مسؤوليّةَ ما تربّى عليه منذ نعومة أظفاره؟! سيّدي القاضي، إنّ موكِّلي ضحيّةٌ قبل أن يكون مجرما.
قال القاضي بنفس اللّهجة الباردة الّتي لا تشِي بشيء:
- أعرف ذلك. لكن يجب ألاّ ننسى أنّ اللهَ كرّم الإنسانَ بهِبة العقل كي يتحمّل مسؤوليّةَ أفعاله جميعِها. فكيف نعفُو عن راشدٍ أجرمَ وهو في تمام مداركه العقليّة والنّفسيّة؟!
قاطعه المتَّهمُ متهكِّما:
- لقد طار عقلي وقتَها!
هرع المحامي لحسم الموقف متجاهلا انفلاتَ موكّله:
- ما دام المجتمعُ هو الّذي يخلق المنحرفين ويصنع لهم الحاضنةَ الإجراميّة، فليس مِن الإنصاف أن نحاسبَ الثّمرةَ المتعفّنة وأن نتغاضى عن الشّجرة الفاسدة.
هنا غضب القاضي للمرّة الأولى مُذْ بدأت المحاكمة. فصرخ في المحامي:
- هل تطلب منّي أن أزجَّ بجميع أفراد "الشّجرة الفاسدة" في السّجن؟! حتّى لو أجاز لنا القانونُ ذلك، ما وجدْنا مِن السّجون ما يكفي لتوطينهم.
- حاشا وكلاّ، لستُ أطلب أمرا مستحيلا كهذا. إنّما أردتُ أن أوضّح لعدالتكم أنّه مثلما يوجد العقلُ السّليم في الجسم السّليم، ينمو الفردُ السّويُّ في مجموعة سويّة. أيْ...
كان جليّا أنّ القاضيَ لم يُعِرْ خطابَ المحامي أدنَى اهتمام. إنّما التفت إلى المتّهَم سائلا:
- أين كنتَ يومَ وقوع الجريمة مِن السّاعة العاشرة والنّصف ليلا إلى منتصف اللّيل وعشر دقائق؟
- في جهنّم.
- تأدّبْ، أيّها الأحمق الأهوج!
يهمُّ المحامي بالتّدخّل. لكنّ القاضيَ يأمره بإشارة مِن يده أن يلتزمَ الصّمت.
أردف المتّهَمُ:
- هكذا كان والدي يجيب عن أسئلة أمّي كلّما عادَ إلى البيت في ساعة متأخّرة مِن اللّيل وقد تعْتعه السّكرُ. وهكذا أجيبُ زوجتي كلّما فتحتْ معي تحقيقا عن حركاتي وسكناتي وخرْجاتي...
- لا أريد أن تسرد لي سيرتَك الذّاتيّة. ولتعلمْ أنّك بقلّةِ أدبك هذه أهنتَ المحكمةَ وزدتَ الطّين بلّة. أنتَ الخاسرُ الوحيد في النّهاية. لستَ عندي إلاّ ملفّا مِن مئات الملفّات المكدّسة في مكتبي. لقد أخذتَ حقّك القانونيّ في محاكمة عادلة. لكنّك أهدرتَ الفرصة: لم تدافعْ عن نفسك، ولم تتركْ محاميك يدافع عنك... عُدْ إلى سجنك إلى أجل غير مسمًّى.
أجاب المتّهَمُ بلهجة امتزجت فيها البلاهةُ بالاستغراب:
- أنا لم آتِ إلى هنا لأدافع عن نفسي. أعوانُك أخرجوني مِن زنزانتي بالقوّة وجرّوني إلى هذه القاعة القاتمة جرّا. أما كان مِن حقّي أن أحاسبَك لأنّك ضيّعتَ وقتي وأهدرتَ طاقتي وشوّشتَ أفكاري وأرهقتَ بدني؟! أم إنّ الماسكين بزمام العدالة ناسٌ فوق القانون؟!
ضاق صدرُ القاضي. فأصدر حكمَه بصوتٍ مجلجِل أسمعَ كلَّ مَن في القاعة المكتظّة:
- قاتلٌ مع سبق الإضمار والتّرصّد. ولم يُظهر توبة أو ندما على ما اقترفتْ يداه. الاتّهامُ صار إدانة. ولأنّ الـمُدانَ يمثّل خطرا على المجتمع بأسره، نحكم عليه بالسّجن المؤبَّد.
اِندفع المحامي كغريق يائس مِن النّجاة مردِّدا:
- المجتمعُ هو الّذي صيّره قاتلا. المجتمعُ هو القاتل...
هتف الـمُدانُ غيرَ عابئ بخيبة محاميه ولا بلَغَطِ القاعة ولا بالأعوان المسلَّحين الّذين كبّلوا يديه وشرعوا يسوقونَه عُنوةً خارجَ القاعة:
- عمَّ تريدني أن أتوب؟! لو عادَ جاري إلى الحياة لقتلتُه ثانية بنفسِ أداة الجريمة وفي التّوقيت عينِه.
لـمّا بلغَ به الأعوانُ بابَ الخروج، أردف هازئا كمَن يبوحُ بمكنونِ صدره دفعةً واحدة:
- أنتَ مَدينٌ لي، أيّها القاضي. لولا وجودُ أمثالي لـمَا جلسَ أمثالُك على كرسيّ القضاء.

فوزيّة الشّطّي
تونس: 2019.07.12

مَن يحاكم مَن؟

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى