الجمعة ١٧ شباط (فبراير) ٢٠٠٦
بقلم زكريا شاهين

المسافات الباردة - رواية زكريا شاهين - قسم 2

في البحث عن السر الأول

دائما.. ثمة تكرار لأشياء مضت!!

حدق في الشمس، حدق في البعيد.
اكتست البحيرة لوناً قرمزياً حين عكست أول خيوط الشمس ألقها المصطدم بألوان الخضرة التي امتلأ بها المكان ، وما بينهما كانت زهور الأقحوان تتناثر معلنة تفتح النهار ، بينما نمت وروداً برية أخرى ذات ألوان مختلفة حول حشائش (القرّيص) وتمسكت بالمكان حقول صغيرة امتدت حول أطراف البحيرة ، امتلأ الأفق برائحة الأرض.
في وادي النطّوف ، كانت الأرض هي البكر الأول التي خضعت لمشيئة الإنسان ، عندما أحس أنه بحاجة إلى الأمان ، فاشتق سر البقاء منها:
الأرض والماء توأمان....
ماذا لو جفت البحيرة ؟
أرعبته الفكرة ، تحسس التميمة كأنما يستجديها ألا يحدث ذلك ، عبر بأفكاره المدى المنبسط خلف اتساع البحيرة ، أنه المجهول الذي يخفي السر الأول ، لحظات الخطو الأول تهم بالبوح ، ثلاثة أهلة وتمضي ، لماذا يطول النهار ؟ لماذا تأخر الهلال الثالث ؟ تساءل في نفسه ، أنه مازال ينتظر الهلال الثالث ، يجب أن يمر من المكان.
بالأمس لمح فتاة تقترب منه ، أشاح بوجهه بعيداً حتى لا يخدش وعد فتاته ، لكنها نظرت إليه بإشفاق وقالت:
- إذا ما ابتعدت عن البحيرة استهواك الحجر!
- المسألة كذلك فهي جزء من الوعد ، قالها دون أن يلتفت ثم أكمل:
- هل تسكنين هنا منذ وقت طويل ؟
كانت تحدق في عينيه ، أشاح مرة أخرى ، قالت:
- هو مكاني منذ الجد الأول.
- ألم يعد أحد من هناك ؟
أشار إلى البعيد ، لمح في عينيها كأنما أطياف شخوص تحركت في الذاكرة ، التمعت عيناها بفعل دموع تكاد أن تنهمر ، خرج صوتها عميقاً ممتزجاً باختناق العشاق.
- إنه الفارس الذي التزم بالوعد كما أنت.
- أو لم يعد ؟
- ليس بعد .
كان وجهها محاصراً بالحنين ، رفعت خصلة شعر سقطت على عينيها بفعل نسمة خفيفة ، أشاحت بوجهها ثم أدارت جسدها ومضت دون أن يستكمل الحديث ، كان متلهفاً على معرفة المزيد ، ربما لم يحسن اختيار الحديث نفسه ، تذكر أن الأمر مازال مرهوناً بالهلال الثالث ، ماذا لو لم يره ؟ ماذا لو تحالف الهلال الثالث مع السحاب والبدايات الأولى لليل ؟ أعتقد أن ذلك لن يحدث! أطمأن قليلاً ، اتجه نحو شجرة قريبة تسكن المكان منذ زمن بعيد ، أتخذ مجلسا في ظلها ، أسند رأسه إلى الجذع الذي يحتفظ بلونه رغم قسوة الدهور ، غفى على همس حفيف أوراق الشجرة التي كأنما أنست إلى ذلك الذي تفيأ في ظلها.

أستمتع وهدان بعمله الجديد ، تعلم الكثير عن العطارة والأعشاب والنباتات المختلفة ، ساعده في ذلك خبرته القديمة في مزج الأدوية ، برع في عمله ، حتى أن أهل القرية أصبحوا لا يستغنون عن خدماته فيما يتعلق بالعلاج الشعبي ، وكان لابد لوهدان أن يؤسس من جديد ، أن يعمل على تكوين عائلة له ، فالوحدة قست عليه بعد الهجرة وفقدان الأحبة ، تعرف على امرأة مطلقة كان زوجها قد تركها لعدم الإنجاب ، كانت المرأة تملك قسطاً وافراً من الجمال ، لكن عدم إنجابها وقف حائلاً دون استمرار زواجها الأول ، ولما كان زوجها من أغنياء القرية ، فقد عرض عليها البقاء على ذمته رغم اعتزامه الزواج من امرأة أخرى ، لكنها رفضت ذلك ووقع الطلاق.

تعرف عليها وهدان بعد أن ترددت لعدة مرات على دكان العطارة التي يعمل بها ، استفسر عنها شيخ المسجد ، فهم الشيخ المسألة لكنه أراد أن يسمع ذلك من وهدان ، ولما كان قد أحب الرجل لحسن سلوكه وأخلاقه ، فقد وعده بالسعي لدى المرأة وإقناعها بالأمر ،،، نجح الشيخ وحصل الزواج.

أما المفاجأة في هذا الأمر ، فإنها كانت بظهور علامات الحمل على المرأة بعد عدة شهور من زواجها بوهدان ، أثار هذا الأمر لسان النسوة في القرية اللواتي أشعن أن وهدان لابد وقد صنع لها عقاراً أعانها على الحمل ، لقد أقامت عدة سنوات في بيت زوجها الأول ولم تنجب ، هكذا كن يتحدثن عن هذا الأمر.

هذه المسألة لم تكن لصالح وهدان ، الذي رفض التحدث بالأمر عندما فاتحه أحد أصدقائه ، قال أن ذلك قد حدث بقدرة الله وحده ، لكن الخبر الذي انتشر وصل إلى مسامع الزوج الأول ، الذي لم يوفق بمولود حتى من زوجته الجديدة.. وذات يوم ، فوجئ وهدان بزوج امرأته الأول يزوره في دكانه ، ثم يطلب منه أن يصنع له عقاراً لزوجته كما فعل مع زوجته الأولى ، لكن وهدان الذي أنكر أن يكون قد فعل شيئاً من هذا الأمر، وأن ذلك لا يتحقق إلا بقدرة الله ، فوجئ بالرجل وقد خرج غاضباً من الدكان ، مرفقاً هذا الغضب بوعيد وتهديد ، لكنه لم يعر للأمر أي اهتمام ، خاصة عندما طمأنه شيخ المسجد أن شيئاً ما لن يحدث له ، لكن الأمر لم يكن بالبساطة التي رآها الشيخ ، فذات نهار ، وفيما كان وهدان يفتش عن نباتات في الأراضي القريبة من القرية ، فوجئ بالرجل وهو يقف أمامه يحمل بندقية صيد ، حيث كان عائداً من رحلة صيد اعتاد عليها برفقة خادمه الذي كان أبكماً أصماً أخرس اللسان ، توقف وهدان ليحيي الرجل الذي وقف أمامه ، لكن الرجل بادره بالقول:

- أما زلت مصراً على عدم إعطائي العقار الذي سبب الحمل لزوجتك؟
- أتق الله يا رجل، ما حدث كما قلت لك هو من مشيئة الله ، ثم دعني أخبرك بشيء ، لماذا لا تذهب إلى المدينة وتعرض نفسك على طبيب هناك ، ربما يكون السبب أنت.

انتفض الرجل غاضبا ً، أحس بأن وهدان يشكك في رجولته، وبطريقة لا إرادية كانت أصابعه تقترب من زناد البندقية ، لاحظ وهدان الأمر، حاول أن يخفف من التوتر الذي أصاب الرجل ، إلا أن رصاص البندقية الذي انطلق فجأة حسم الأمر، وسقط وهدان أرضاً فيما أصيب الرجل بما يشبه الذهول ، أما الخادم فقد اقترب من وهدان ، تحسس جسده فبدأ له وقد تحول إلى جثة بدأت بالبرود شيئا فشيئا ، ترحل في مسافات بارة تلفها من كل اتجاه ، انتابته حالة من الهذيان غير المعلن ، إذ بدا يشير بإشارات مبهمة يحاول أن يفهم سيده أنه قتل الرجل ، وفجأة استدار ثم فر هارباً لا يعرف نحو أي اتجاه ، هذا الفرار أوحى للرجل بفكرة شيطانية ، أطلق النار باتجاه الخادم ، إلا أنه لم يصبه ، فيما تابع الخادم الأخرس فراره حتى اختفى عن الأنظار، أما الرجل فقد اتجه إلى بيت الشيخ الكبير، روى له كيف أن خادمه أطلق النار على وهدان فيما كان يراقب بين سيقان الذرة الصفراء، حركة توهم أنها لطير ، والخادم كما روى الرجل ألقى بالبندقية وفر هارباً ؟ لكن وهدان فارق الحياة دون ان يستطيع ان يمد له يد العون ، هكذا أدعى الرجل الذي غفر له ما فعل بفعل سطوته وماله ، ولم يحقق بالأمر، بينما ووري جسد وهدان التراب ، ثم بدأ البعض بالبحث عن الخادم الآخر لعدة أيام لكن دون جدوى ، فقد اختفى الخادم الذي أحس بأنه سيكون ضحية لفعلة سيده ، وبعد ستة أيام وضعت زوجة وهدان مولودها، لكنها فارقت الحياة أثناء عملية الوضع ، مما جعل شيخ المسجد يتبرع برعاية طفلها وهي الوحيدة التي لا أهل لها في القرية ، فقد أحضرها زوجها الأول من مكان بعيد ، نقل الطفل إلى بيت الشيخ مطلقاً عليه اسم – عبدالشافي- الذي اختصر استعمالاً إلى – الشافي- لكن ما حدث أن الرجل الذي قتل وهدان اقنع شيخ المسجد بأن يتعهد الطفل كما ولد ه، وحيث أنه خال من الذرية فقد تسلم الشافي ليقوم بتربيته تربية حسنة ، حيث أشرف على تعليمه في القرية ثم في المدينة ، وذات مساء وعندما كان الشافي عائداً من المدينة لزيارة والده بالتبني قابله شيخ المسجد ، أسّر له أن يسرع إلى البيت ، فالوالد في النزع الأخير، ولم تفلح معه جهود الأطباء الذين يعالجونه منذ أسبوع ، هرول الشافي إلى هناك ، كان الرجل يعاني فعلاً من سكرات الموت ، طلب الاختلاء بالشافي وعندما خرج الأطباء وشيخ المسجد قال الرجل:

- أريد أن أخبرك بسر مقتل والدك.
- لا عليك أسترح أنت – سأجد ذلك الأخرس ذات يوم.
- اسمع يا ولدي، لقد كفّرت عن فعلة ارتكبتها ، فالأخرس لم.... ولم يكمل الرجل ،فقد لفظ أنفاسه، فيما سقط الشافي في هوة من الحيرة والارتباك ، لم يستطيع أن يجد تفسيراً يكمل الجملة التي انقطعت بموت الرجل ، ولم يستطع أن يوجه الاتهام له ، ذهب إلى شيخ المسجد ليستعين به ، لكن الشيخ أخبره بما جرى ، وحين روى الشيخ الحادثة أصيب بالتوتر، أحس بأنه يحتاج إلى من يخفف عنه ، غاب عن ذهنه كل الأصدقاء ، هام على وجهه في الكهوف القريبة ، يومان شعر بعدهما ببعض الراحة ، عاد إلى الشيخ ، أخبره أنه يملك ميراثاً أوصى الرجل له به ، رفض الأمر رغم عدم ممانعة الزوجة التي أشرفت على تربيته كولدها تماماً ، عرض على الشيخ أن يعمل في تدريس الأولاد بالغرفة القريبة من المسجد ، وافق الشيخ وبدأ الشافي حياته الجديدة ممنياً نفسه بضرورة أنه سيجد الخادم الأخرس ذات يوم ، حيث الحقيقة لابد وأن تظهر بوضوح عله يقف على الحقيقة.

في حضرة الدرويش!

أحيانا.. يبدو الهذيان اقرب إلى الحقيقة؟

استجمع ذاكرته وهو يتكأ برأسه على جذع الشجرة الذي استند إليها ، مرت صور شتى اقتربت وابتعدت داخل الذاكرة التي كأنما استيقظت بفعل الانتظار ، استوقف الصور التي تمر على صورة الدرويش.
يسكن الوقت والأزقة الضيقة ، يحدق في العابرين كأنما يقرأ ما في العيون وربما الصدور أيضا ، وحين يعبر السوق المغطى بامتداد القناطر كأنما يهذي.

كالطيف لا بل كالشبح الغارق في ظلال الجدران أو ثقوبها ، يظهر ثم يختفي ، يسرّع الخطى ثم ترتد إليه الرؤى فيتوقف ثم يتمتم ، ينتفض بقوة ليصرخ ..حـ ....يـ ....ي، ومنذ ألف خلت ، يظل كما هو في حال دائم ، صراخه غناء شجي يمسك بتلابيب القلوب ، هكذا قال الذين لم يحددوا وقتاً لمجيئه ، ولا اتجاهاً لرحيله ، حيث تمر أياما يختفي فيها ثم إذ به ماثلا للعيان ، لا يجرؤون على مراقبته.
هو الدرويش الأسمر القادم من المجهول ، الساكن هنا منذ المعرفة الأولى ، لكن ما حدث عندما إلتقاه الشافي ذات يوم ، أن همس الدرويش في أذنه مقترباً إلى تخوم الوجه:

- من غادر إلى هناك.. سكن الكهوف ولم يعد!
وحين الوقت يقترب ، كانت كلمات الدرويش تطن في أذنيه كلما تذكر الوعد وابتسامة المرأة التي ألزم نفسه بتحقيق ما حدثهّا به تفعل فعلها فيه.

انتظر الأهلة الثلاث ، وحين عبر الهلال الأول السماء ، كان يسامر الوقت على ضفاف البحيرة ، في تلك الليلة انطلقت الريح متجهة إلى الشرق ، صفعته على وجهه حين مرت ، أحس بالدموع كأنما تكاد تنفر من مقلتيه ، سكنه القلق ، لكن همساً كالغناء عبر إلى أذنيه في ذات اللحظة.
- التقط الغناء من عبور الريح.
وفي الهلال الثاني حين عبر أيضاً إلى مشرق البحيرة.
- التقط البكاء من المطر.
هكذا همست قطرات المطر التي تساقطت لترتطم بمياه البحيرة فيما هو يحدق على الضفاف ، وحين اقتعد صخرة على الشاطئ قبل الهلال الثالث ، تحسس صلابة الصخور من تمسكها بالمكان رغم الريح والمطر وماء البحيرة.

وحين خفقت همسات الريح وتحولت إلى نسائم لطيفة ، أيقن أيضاً أن القسوة نفسها تحتوي على جانب غير منظور للرقة.
- اتساع البحيرة يعلم الصبر!
والمدى تأمل في الكائنات وحافز للعبور.
ماذا لو لامس السماء هناك؟
كان ذلك قبل الهلال الثالث والشروق الأول والوعد.
كان مازال متكأ برأسه على جذع الشجرة.
كانوا...

وقد سكنت أقدامهم الوحل ، آلاف الرجال يتقدمون في خط مستقيم ، أقدامهم قد أوثقت بسلاسل من حبل مجدول ، والتوازن المحكم كان يفرض ويحدد اتساع الخطى وحركتها ، كذلك الايقاع ، لا مجال للخطأ هناك ، فيما كانت خطوطاً من الفرسان تمر في موازاة الخط ، تلهب ظهور الرجال بالسياط ، والخط يمتد دونما نهاية ، يتجه نحو الأفق ، كان الرجال يسحبون صخرة عظيمة ليصلوا إلى صرح هائل ومرتفع يقترب منهم كلما تقدموا ، فجأة أختل توازن الخطى ، سقط البعض ، انهالت السياط على الأجساد التي تهالكت بفعل استمرار الحالة ، تخلخل التسلسل ، تدافع الخط إلى الأمام ، ثم إلى الخلف بإرتجاج ، لكأنما خض بقوة ، ترنح المكان بما عليه ، لكن الحبال المجدولة لم تفسح للمدى لحظات لتصحيح المسار ، عبر فارس فوق المتساقطين من الرجال ، داست أقدام حصانه على الأعضاء والوجوه وما تختزن الأجساد ، انطلقت الصرخات كعواء ذئاب جائعة ، أقترب الآخرون من الفرسان ، تجمعوا في دائرة أحاطت بمكان الحدث ، أرتطم التراب الذي فرمن الأرض بفعل وقع حوافر الخيل بالوجوه ، حاول أحد الرجال النهوض ، عالجته لسعة سوط ، سقط فوق رفاقه ، مد آخر يده يتحسس الرؤية ، أمسك بقدم حصان قريب ، تضايق الحصان ، قفز على قدميه الخلفيتين مسقطاً الفارس من على ظهره ، كذلك، انزلق الحصان أيضاً ، وقع فوق الجمع المتساقط ، كان الفارس يهم بالنهوض حين وقعت لسعة سوط على وجهه دون انتباه من زميل له ، رسم السوط على وجه الفارس خطاً قانياً بدأ بالانتفاخ ، تلمس مكان الخط ، نظر إلى اليد التي لامست خط السوط ، نهض مترنحاً ، أنهال على الرجال بسوطه.
- لماذا لم يطلق سوطه باتجاه الفارس الذي أصابه؟

لم يستطع أن يتمالك نفسه ، أحس بأنه يغادر المكان ، أحس بأن رأسه ينفلت من جذع الشجرة التي يستند إليه ا، أحس بأنه يسير باتجاه الرجال الذين غرقوا في الوحل ، فيما كانت السياط تنهال عليهم بقسوة.

نهض مغادراً المكان ، أقترب مسرعاً من الجمع ، أمسك بأحد الرجال الذين تمددوا على الأرض بفعل التعب ، امتدت يد الرجل إلى تميمته ، أنقطع الخيط المجدول من ألياف القرع ، تفرقت أسرار التميمة في اتجاهات مختلفة ، بعضها غرق بالوحل ، داس الفرسان على البعض الآخر ، اختفت في باطن الأرض ، هب الرجال مذعورين ، بدأوا بالتقدم المتحفز نحو الفرسان ، اتسعت هالة الرفض ، أحس بأنه تساوي مع الريح حين أرتكب الخطيئة الأولى بإلقاءه اللقاحات ، اندفع أحد الفرسان باتجاهه ، صدمه بالقائمتين الأماميتين للحصان ، أحس بوخزة في خاصرته ، مد يده ليتحسس مكان الصدمة ، تعلقت يده على قرن حيوان ضخم يقف إلى جانبه ، استدار مستطلعاً ، شاهد ثوراً كبيراً يقف إلى جانب الشجرة التي أسند رأسه عليها ، أيقن أن قرن الثور هو الذي وخزه في الخاصرة ، حيث أيقظته الوخزة ، تذكر التميمة ، مد يده يتحسس عنقه ، كانت ما زالت معلقة هناك ، أقترب من الثور ، كان الثور هادئاً كأنما غزال صغير أستسلم لمداعبة الرجل ، لحظات وإذ برجل يقترب منه ، رجل بدا وكأنما هو غريب عن المنطقة ، كانت غرابة ملابسه تدل عليه ، لكأنما أتى من دهور مضت ، لطيفاً في محياه وفي تحيته ، مد له شراباً من كوب يحمله في يده ، ثم دس الأخرى في صدره مخرجاً قطعة صغيرة من الخبز ، اكتفى رجلنا بالشراب شاكراً للآخر ما فعل ، قال الرجل الغريب:
- أما زلت تنتظر الهلال الثالث؟

صعقه السؤال ، فمن أين لهذا أن يعرف ، أنه يراه لأول مرة ، قال الرجل أيضا:
- لقد خسرت المحاولة الأولى حين استرخت ذاكرتك في ظل الشجرة.
- ماذا تعني؟
- فالهلال الثالث ، ارتحل منذ زمن مضى حيث أكمل دورته في المكان ، وكأنما لم يكن لديك وجود هنا.
- ولكنني لم أنم سوى للحظات!
- أنك لا تدري ، كم أشفق عليك ، أما أنا... فسأمضي.
- أبق قليلاً ، لماذا تحدثني وكأنني تعمدت ذلك! ثم لماذا لم توقظني وقد كنت في المكان؟
- ليس المسألة كذلك ، فلست مدعواً للعبور ، أنا لم أقطع على نفسي وعدا بعد ، لست أنا من يفعل ذلك ، ألم ترى ، أن حالة الرفض التي تتسع ، تصبح دون جدوى حين لا تكون فاعلة.
- وماذا سأفعل؟
- عليك بالبدء من جديد ، تخير وضع قدميك ، أفتح عيونك على مغالبة اللذة ، أحذر ، فالكثيرين اللذين سقطوا ما بين الترهيب والترغيب كانوا أقوياء في زمن مضى ، أحذر ، فقد تكون هي المرة الأخيرة التي تمنحك الفرصة.
- دعني وإياك من المبتدأ.
لكنه لم يسمع جواباً لما قال ، فقد مضى الرجل واختفى الثور الذي كان يراقب ما يحدث ، أحس مجدداً بالوخزة على خاصرته ، تذكر الحلم الذي رأى ، تحسس التميمة مرة أخرى ، أحس بأنها خذلته ، أمسك بها بقوة ، أحس بالاختناق ، تلبسته حالة كأنما هي حالة مجاذيب الزاوية ، أو ذاك الدرويش ، رفع ساعديه إلى أعلى ، صرخ بأعلى صوته حـ .... يـ .... ي!!!!.

لقراءة الرواية من أولها انقر هنا

القسم الأول

في حالات الصعود والهبوط
الكهف.. عالم صغير.. كبير!
،،،العتمة تبتسم للمرة الألف!
تقدم دورتها عبر شريط قاتم ، الصمت يدفع صمته ، ليل صارم يتعلق بأهداب الظلام ، يتوحد به دون وجل.. الفراغ..! بحر كوني تسحب فيه العتمة ابتسامتها..
المسافات متباعدة متقاربة في آن.
الزمان ، أفق منسي على امتداد خطيئة التاريخ.
المكان ، هو أقصى البعيد رغم اقتراب التشابه.
أما الحدث ، جمع دون نسق ، وأهواء دونما ترتيب ، ورياح دونما موعد ، ووداع وانتظار قسري ، الأمور لم تهدأ خارج الكهف ، الليل في بداياته ، القلق والانتظار يخيمان على التجمع الصغير، ومع ذلك ، فالكل يحاول أن يجد له مكاناً يستريح فيه داخل الكهف المظلم ، والمطر الشديد ، مازال يثير في جو المكان نوعاً من الرهبة والخوف.
المطر، لم يسبق وأن هطل في هذا الموسم.
التفتت الرؤوس فزعة على أثر صرخة وحشية انطلقت من الرجل الكهل الذي استفاق فجأة ، سكت الصغير عن الصراخ برهة ثم عاود بعد لحظات.
أنه – الشايب- هكذا يسمونه ، وذلك إشارة إلى البياض الذي يحتل شعره الغزير، قعد الشايب في جلسته ، مسح وجهه بكلتا راحتيه ، تمتم بكلمات مبهمة مصحوبة بإشارات ليس لها أي معنى ، لقد استفاق لتوه من (كابوس).
وجه ينطق بالخوف ، ترتسم عليه علامات الفزع الشديد المصحوبة بالاستغراب والدهشة ، ورغم برودة الجو، كان العرق يتصبب على جنبات الوجه حين يمتد من الجبين الذي امتلأ بقطراته كأنما الندى ، يسيل العرق على خديه عبر أخاديد حفرها الزمن بدقة ، أما عيناه فقد غارتا إلى الداخل ، كأن أصابعه قد دفعت بهما إلى هناك ، إلى درجة أن عظام المقلتين كما لو أندفعتا إلى الخارج بفعل فاعل.
حدقتاه متسعتان ، يداه مرتخيتان إلى جانبه ، فاه مفتوح على آخره ، كجثة تسير على قدمين ، هذه الحالة ، إضافة إلى تلك الصرخة الرهيبة التي أطلقها ، أحدثت هرجاً وأثارت زوبعة من الاستفسارات التي تجمعت دونما تنظيم، امتدت الثرثرة بين الجمع، قدم له رجلاً كوباً من الماء مستفسراً عن حالته، أعتدل الشايب مجدداً في جلسته بعد أن كان قد ألقى برأسه على جدار الكهف الخشن، بسمل وسبح وقال:
كأنني كنت في عالم آخر.
هكذا بدأ الحديث..
ما أقساه من حلم، أطرق قليلاً، لكن التساؤلات لاحقته من كل جانب، دفعته مجدداً للحديث، خرجت الكلمات مدرراة، قال:
اعتقد والله أعلم، أنني ما أن غفوت، حتى وجدت نفسي أسير في صحراء واسعة، واسعة جداً، لكنني وكلما أوغلت في السير، كانت تضيق من كل الجوانب حولي، بدت غريبة تلك الصحراء، والريح تعصف بي من كل جانب، هذه الريح كانت مصحوبة بذرات الرمل التي تتجه نحو عيني.
حاولت أن اغطيهما بكفي، فلم أفلح في ذلك، إذ كنت كلما هممت أن أفعل، أحسست بذراعين قويتين تشدان يداي إلى أسفل، هل سمعتم يوما عن الرمال المتحركة، لقد كانت الأرض تميد تحتي كما لو إنني أقف على هذه الرمال المتحركة.
ها أنا أحاول المقاومة، لكن القدمين، لم تتحركا أبداً، فجأة، وأنا أحاول الانحناء لإزالة الرمال التي تجمعت حول قدمي، وجدت نفسي ارتفع رويداً رويدا عن الأرض، نظرت إلى أسفل، لا شيء سوى الرمال، حدقت مليا في المكان، فرأيت أنني أقف على حجر كبير مسطح ومصقول بشكل ملفت للنظر، نقشت عليه صور غريبة في أعلاه، بينما امتلأ أسفله برسومات لرؤوس لم أستطع أن اتبين ماهيتها، ثم لما تساوى الحجر مع الأرض، لا بل قل ارتفع عن مستوى الأرض، قليلاً، اندفع إلى الأمام، كنت فوقه بالطبع، أما الريح، فقد سكنت تماماً.
في تلك اللحظة "يقول الشايب" انطلقت أصواتاً عذبة ملأت المكان، تبعتها تراتيل، كتلك التي تستخدم في المعابد، ربما أيضاً تشبه تراتيل الكنائس، لكنها كانت وحشية كاحتفال بدائي من زمن قديم، هكذا أوحى إليّ، أجراس وصراخ، صمت وتراتيل، تعاقبان خلف بعضهما، وهكذا..
فركت عيني، اغمضتهما، فتحتهما مجدداً، وجدت نفسي مازلت أقف فوق ذلك الحجر الذي يتقدم مسرعاً نحو جبل عالٍ ظهر أمامي فجأة، أنا لم أستطع أن اتبين ما بأعلى الجبل، لكأنما كان هنالك من ينتظرني ويلوح لي.. لقد كان الجبل شاهق الارتفاع، حتى أن قمته تكاد تلامس السماء، أما في وسطه، فقد برزت حبالاً غليظة كأنما هي ثعابين تخرج من أوكارها، هذه الحبال، ربطت بأشجار تنبت في كل لحظة وعلى مدار الأمكنة والاتجاهات، والجبل يدور حول نفسه، وكلما استدار دورة كاملة، تختفي الأشجار، ثم تعود بشكل آخر، لقد رأيتها مرة وقد ألقت مزيداً من الحبال، لكنها في هذه المرة، كانت مختلفة النوع، كانت تشبه شباك الصيد، تختفي هي الأخرى، ثم تتدلى من جديد.
الحجر الذي أقف فوقه، كان مازال باندفاعته الأولى.. لا.. اعتقد أن اندفاعته قد زادت، كنت مع ذلك، أرقب وأتأمل النقوش الغريبة المرسومة عليه، أحاول أن أعرف ماذا تعني، لم أرى مثلها في حياتي، حتى بتلك الآثار التي اكتشفت قرب قريتنا، ليست رسوماً لوحوش رأيتها أو قرأت عنها، ولا لمدن بعيدة أو لمرافئ، حتى ولا لقلاع أو جبال أو أي شيء يمكن أن يكون على هذه الأرض، ربما هي من كواكب أخرى، ربما كان الحجر بقايا نيزك قديم، إنها أقرب لمسافات في دوائر متداخلة.
كان الرجل يقص رؤياه، والجمع مشدود إليه تماماً، الصمت يطبق على الجميع، حتى الصغير، فقد سكت عن الصراخ، بدأت يده اليمنى تداعب تدي أمه، لكنه اندفع بالصراخ مجدداً عندما توقف الشايب عن الكلام.
إنه مسكون، قالها الشيب مشيراً إلى الطفل..
تعالت أصوات متفرقة تهيب بالمرأة أن تفعل شيئاً لإسكات الطفل، أما الشايب، فقد اندفع مجدداً بالكلام، دون أن يلقي بالاً للكلمات التي خرجت من صدر المرأة على هيئة استعطاف للقوم، أن يتركوها وشأنها..
قلت، تابع الشايب.. إن النقوش التي كانت على الحجر الكبير، غريبة جداً، والأغرب من ذلك، أنها كانت تتبادل مواقعها فوق الحجر بين حين وآخر، وإذ لم أزل أصدق بها فأراها قد تغيرت، أو غيرت موقعها، أما كيف؟ متى؟ فلا أذكر أنني رأيت حركتها، أو زمن هذه الحركة.
مسح الرجل وجهه بطرف كمه، قال آخر وهو يعبث بلحيته..
ألم تشاهد أي أثر لقافلة أو مارة بتلك الصحراء وأنت تندفع فوق الحجر؟
وما علاقة القوافل بالأمر؟
تململ الجمع، قال الذي يدعونه بالمرقط..
دعه يكمل الحكاية، وبعدها!
قاطعه الشيخ الضرير:
وبعدها سأفسر لكم هذا الحلم بإذن الله..
قال الشايب:
كان الجبل يقترب، أو لنقل أن الحجر الكبير، كان يندفع نحوه، وفجأة، توقف الجبل عن الدوران، فإذ بي أواجه فتحة عميقة مظلمة قد توقفت قبالتي تماماً، تنفست الصعداء، إذ كنت قد هيأت نفسي للارتطام بالجبل، حيث اعتقدت بأنني سأسقط محكماً، والحجر الذي أقف عليه، اتجهت وأنا فوق الحجر الذي خفف من اندفاعه نحو فتحة الجبل، فإذا بوجهي يصطدم اصطداماً ناعماً بجدار يغطي الفتحة دون أن يرى، كان ناعماً عندما تحسسته، دفعته بيدي، فتمزق تاركاً آثار خيوط على أصابعي، وهي أشبه بخيوط العنكبوت، لقد علقت حتى على ثيابي، فجأة، دوى صوت عظيم، لقد كان أشبه ما حسبته انفتاح باب قديم صدئ، أو لكأنما هو قصف رعد سماوي، تطلعت إلى السماء على أن أعرف مصدر الصوت، كانت صافية جداً، لكن الصوت جاءني مجدداً عند تكراري لعملية إزالة الخيوط التي تسد الفتحة في الجبل، كانت كأنما هي جدار غير مرئي، والخيوط تعلق على أصابعي، والشق في الجبل، يزداد اتساعاً، تيقنت أن علي نزع الخيوط جميعاً حتى أستطيع الدخول إلى هناك. أما الحجر، فقد كان متوقفاً تماماً عن الحركة في مقابل الشق.
كنت كلما نزعت بعض الخيوط خف الصوت الضخم، حتى اختفى تماماً باختفاء آخر خيط يغلق الشق.. عندها، أحسست بحركة الحجر الذي أقف عليه وهو يتقدم عبر الشق إلى الداخل، نظرت إلى الأسفل، أي إلى موضع قدمي، فوجئت بأن النقوش اختفت تماماً.. بل لقد أصبح الحجر أبيضاً بلون الثلج، إلا من بعض الحبات الرملية التي سكنت إحدى زواياه، ثم سقطت بطريقة غريبة هي أيضاً، كأن يداً امتدت ومسحتها من ناحية الكف..
اندفع الحجر إلى الداخل، حتى وقف وقد واجهني بحائط نافر كلون رمال الصحراء نفسها، ثم إذ بالنقوش التي كانت على الحجر، تظهر أمامي على الحائط، لقد برزت الواحدة تلو الأخرى ببطء عجيب، كانت تتكون خطاً يتبعه آخر على الحائط، كأن سكيناً تحفر خطوطها لتتكامل، ثم عندما اكتملت كما كانت على الحجر، بدأت بالتحول، لقد تحولت بالتدريج إلى شكل رجال حليقي الرؤوس، طوال القامة، ذو وجوه ناعمة، كأنما هم أطفال ولكن على هيئة رجال، لقد وقفوا جميعاً في مواجهتي وظهرهم إلى الجدار.. الأصوات السابقة التي ترافقت مع انغراس قدمي في الرمال، حين وجدت نفسي فوق الحجر الغريب عادت إليّ الظهور، تراتيل فأجراس، فصمت فترانيم، وهكذا، ولكنها تضخمت هذه المرة بفعل الصدى داخل الجبل.
حاولت أن أترك مكاني فوق الحجر، أن أنزل إلى الأرض، فلم أستطع، لكأنما هنالك شيء خفي يشل حركتي، كأن قدماي قد التصقتا بفعل لاصق قوي، حتى أنني حركتها داخل الحذاء فلم تتحركا.. استسلمت للأمر، مددت يدي اتلمس الرجال الواقفين أمامي، فإذ بي ألمس الفراغ، كانت يدي تدخل عبر أجسادهم لتخرج من الناحية الأخرى، انتابني فزع كبير، توقفت عن التفكير تماماً، إن ما رأيته بعيد عن الإدراك، أقول لكم.. لقد توقف عقلي عن التفكير تماماً..
مكثت للحظات أحدق فيما أرى، فإذ بامرأة تظهر فجأة وقد لفت جسدها بعباءة بيضاء، كانت العباءة كأنما هي كفن لميت، لا يظهر من تحتها إلا اليدين والوجه، أما قسماتها، فقد امتزجت بالفرح الذي يشوبه الحزن وبعض من وجع، أما عيناها، فقد امتلأتا بحزن عميق كحزن نساء الشرق الأبدي، كانت تحمل طبقاً صنع من جريد النخل، امتلأ بثمار الصبير.
ابتسم الرجال للمرأة، لم يكن هنالك أثر لأي أسنان عندما فتحوا أفواههم، لكن وجه المرأة لم يحرك ساكناً.. أما الثمار بالطبق، فقد كانت غير مقشورة، تبرز الأشواك حولها من كل جانب، وما أن تقدمت المرأة نحو الرجل الأول، حتى امتدت يده إلى الطبق، تناول ثمرة ووضعها في فمه، وفيما استمرت المرأة بالدوران على الرجال بالتوالي، تناول الرجال ثمار الصبير كل بدوره، ثم لقموها أفواههم دونما تقشير، كانت الأشواك تنغرس في شفاههم محدثة جروحاً صغيرة تسيل الدماء منها، تحيك حول الأفواه خيوطاً دائرية حمراء، تتشابك مع بعضها كالتقاء الأنهر قبل المصب الأخير، لتشكل بقعاً حمراء على أسفل الذقن، تنثر نقاطها برتابة مملة، عند هذا الحد، اقتربت المرأة، أخرجت من بين تدييها ملقطاً رفيعاً يكاد لا يرى، بدأت بإخراج الأشواك الصغيرة من على شفاه الرجال، وكلما خرجت شوكة من شفاه أحدهم، نبتت له شعرة في رأسه الحليق، كانت هذه الشعرة تستمر في النمو، حتى تصل الأقدام، وهكذا، وعندما انتهت من إخراج الأشواك من شفاه الرجال، كانت شعورهم قد أصبحت من الكثافة التي لا تصدق طولاً وعرضاً.
فجأة، اختفت المرأة عبر حائط جانبي، ثم عادت وهي تحمل طبقاً صغيراً به حبة تين واحدة، تقدمت بالطبق إلى الرجل الأول، قطع الحبة من منتصفها، ثم ناول النصف الآخر إلى الرجل الذي يقف إلى جانبه، وبدوره، قطع الرجل الثاني النصف الذي تبقى وناوله للثالث، وهكذا، ما أن تصل قطعة التين إلى أحدهم، حتى يقطعها من منتصفها ويناولها إلى الرجل الذي يليه حتى وصلت إلى الرجل الأخير، قطعها وأكل القطعة التي بيده اليمنى، بينما أعاد القطعة الأخرى إلى الطبق، فإذا بالطبق يتحول إلى طبق فخاري وقد امتلأ بالعسل.
تقدمت المرأة مرة أخرى بطبق العسل الذي ملأت رائحته المكان نحو الرجال، غرسوا أصابعهم جميعاً ولمرة واحدة بالطبق، ثم أخرجوها يساقط العسل منها نقطة نقطة، تصدر النقاط مجتمعة، صوتاً رتيباً كدقات ساعة الحائط، بعد ذلك، تحولت النقاط فجأة إلى مجموعة من الصراصير، كان هذا التحول يحدث لدى اصطدامها بالأرض، بدأت الصراصير تدور حول نفسها محدثة أزيزاً غريباً عالي الصوت، بدأ الرجال بالحركة أيضاً، تقدموا باتجاه الصراصير، والأزيز، استحال إلى ايقاعات سريعة، بدوا وكأنهم يرقصون على هذه الايقاعات، أما شعورهم المتدلية حتى أقدامهم، فقد بدأت بالالتفاف حول أجسادهم حتى غطتها تماماً، وفجأة اتجهت الصراصير نحو زاوية المكان، واختفت تماماً، كان اختفاءها تباعاً، توقف الرجال عن الحركة، بل عن الرقص..
مجدداً، تحركت المرأة، كانت هذه المرة تحمل مقصاً كبيراً، اقتربت من الرجال، ثم بدأت بقص شعورهم من ناحية الرأس، فعادت وجوههم الحليقة إلى الظهور، أمسكوا بالشعر المقصوص، ثم بدأوا بالعمل على جدله بهيئة ضفائر، وسرعان ما انتهوا من ذلك، ثم القوا بالضفائر على الأرض.. تناولتها المرأة، ربطتها بعضها بعضاً، جدلتها معاً، فاتصلت جميع الضفائر على شكل حبل طويل، بدأ بالتكوم حتى تشكل كجبل صغير مستدير والمرأة ما زالت تقف محدقة بما يحدث، وكذلك أن الذي شلت حركتي، داست المرأة بقدما على طرف –الحبل الجبل- فإذا بالطرف الآخر يبدأ بالحركة صعوداً إلى أعلى حتى اختفى داخل الجبل من الداخل، لا أدري، أخرج من قمته أم لا! فأنا ما زلت بالداخل عاجزاً حتى عن التفكير..
أخذ الشايب نفساً عميقاً كأنما يود لو يختلس من حلمه لحظات يستريح بها، كانت تقاطيع وجهه تتلون كتلون حكايته، لكن نظرات الجمع، سرعان ما جعلته يتابع، قال:
وأنا مصاب بالذهول، أحدق غير مصدق لما يحدث، أشارت المرأة لي إشارة فهمت منها أن علي أن أبدأ بالتسلق على الحبل، أقصد حبل الضفائر دون أن يصدر عنها أي كلام، كان ذلك بإيماءه من رأسها، مترافقة مع حركة اليد، ترددت من خوفي المتواصل، لكنني استجمعت ما تبقى من وعي لدي، حركت رأسي رافضاً طلب المرأة، اهتز الحجر تحت قدمي اهتزازاً شديداً، وإذ بلسعة سوط حادة تسقط على حذي الأيمن "مشيراً إلى وجهه"، فانصعت للأمر، تقدمت نحو الحبال، مددت يدي لاتمسك بها، لكن يدي تحركتا في فراغ، كانت الحبال كما اللاشيء، مثلها مثل أجساد الرجال حليقي الرؤوس، ومع ذلك، أحسست بأن شيئاً ما، يشدني إلى أعلى، وأن قدماي قد تحررتا تماماً من التصاقهما بالحجر، وبالمناسبة، فأنا لم أتسلق أي حبل في حياتي، أما يداي، فقد كانتا في وضع من يتسلق على حبال بالفعل، ينتقل بشكل لا إرادي فوق عقد وهمية من حبال لا وجود لها حتى وجدت نفسي ارتفع لأصل إلى قمة الجبل، أي إلى سقف الجبل، أي إلى سقف الكهف من الداخل، وقبل أن يصطدم رأسي بهذا السقف، إذ به ينفتح لأجد نفسي ملقى إلى الخارج قذفاً، كيف؟ لست أدري، أو.. ربما لا أذكر ذلك..
وجدت نفسي على قمة الجبل، كانت القمة مدببة جداً، تحوم حولي طيور غريبة الشكل، تمر بشكل دائري لتحدق بي، كانت عيون الطيور كأنما هي نفسها عيون الرجال الذين خرجوا من جدار الكهف، وربما هي نفس عيون المرأة التي استضافتهم، صرخت بأعلى صوتي، فجاءني رجع الصدى بعمق وبسرعة، أحسست بأن الطيور نفسها هي التي رددت صراخي، سمعت صوت ابتهالات اكتشفت أنني أنا الذي أرددها، تطلعت إلى الأسفل، كانت القمة ضيقة إلا على مكان أضع فوقه قدماي، ولا مجال لأية حركة، فحركة واحدة، ستدفع بي إلى السفح، وأنا في حيرتي، انقضت على الطيور فجأة، تجمعت متداخلة على هيئة طير واحد كبير، ضرب جناحه على ظهري، فإذ بي أهوي إلى أسفل، متدحرجاً تتبعني الصخور من كل اتجاه، فيما تعالى في المكان، صوت أشبه بالقهقهة المستمرة، المترافقة مع أصوات طبول، والصخور تتدحرج من حولي دون أن تمشي حتى وصلت إلى السفح، عندها، أحسست بأنني اصطدم بشيء بارد، لكنه صلب، إنها الأرض، صرخت فرحاً، فإذا بي استيقظ كما رأيتم، لقد تملكني رعب شديد.
صمت الجميع، التقط الشيب أنفاسه من جديد، حين ارتفع بكاء الطفل عويلاً مفزعاً هذه المرة.
مضى الرجل، ترك الشافي في ذهول، كيف غاب عنه أنه يجب الانتظار؟، لكنه لم يلمح الهلال الثالث، ربما أخطأ الرجل في تحديد الزمن، ولكن!! إلى أين مضى؟ تلفت حوله، لا أثر هناك، تطلع إلى السماء، كانت الشمس تكاد تكمل دورتها، جلس على أطراف البحيرة، وسرح في البعيد.

في لجّة الماء

كانت المسافات تبتعد..
هل تبتعد المسافات حقا!!

نظر إلى السماء، كانت الشمس تغادر إلى مكمنها الذي لابد وقد صمم على العثور عليه، لمح القمر وهو يرتسم هلالاً.. صرخ بأعلى صوته.. إنه الثالث، لقد كذب الرجل، أحس بريح قوية تضرب ماء البحيرة، أحس بالماء ينحسر إلى الخلف، نظر إلى الأرض، رأى أن الماء يبتعد، رأى سلماً حجرياً قد بان بعد انحسار الماء، وضع قدمه على أول درجة على السلم، ثم امتدت خطواته إلى التالية فالتي تلي، غمره الماء حتى ركبتيه، ظل يتقدم، كان القمر يتقدم مرافقاً إياه، حاولت بعض الغيوم الالتفاف حول القمر، لكنه وفي صراعه معها، كان ينفلت منها دون أن يغيب، ظل الرجل يتقدم، كانت الارض صلبة تحت قدميه، والماء دافئا كان، سمع صوتا يناديه من خلفه، تكر ان عليه عدم الالتفات، تجاهل الصوت، ظل يتقدم حتى وصل الى الشاطئ الاخر، عندها انتصرت غيمة وهزم اهلال الذي اختفى، عصفت الريح، ثم انهمر المطر.
كان يستطيع العبور دون خوض الماء، ولكنه الوعد!!
لماذا لم يلتف حول البحيرة؟
انه المدخل الوحيد للوادي.. ومن هنا. تبدأ المسافات.

في البحث عن السر الأول

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى