الأحد ١٤ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٨
بقلم بديعة الطاهري

المهبول

في البداية كنت كل ما رأيته تحاشيت المرور أمامه. كنت أخاف صمته، خطواته الواسعة التي تنقله بضعة أميال. طويل القامة شعره أشعث يعلوه البياض. نظراته ترسم مسار خطواته. لا يلتفت يمنة ولا شمالا. يبدو أنيقا في بذلته الرمادية التي لا تتغير ولا تتسخ. لم أكن أفهم سر إصراره على البذلة واللون نفسيهما. لم يكن يكلم أحدا. ولا أحد يلقي عليه السلام. لكن تمتمة شفتيه الدائمة، حديثه الخافت مع نفسه وهو يسرع، جعلتني كغيري من الأطفال نعتقد أنه أحمق. هل كان كذلك؟ لست أدري.

كان الأطفال يدعونه المهبول. كلما تراءى لنا من بعيد وهو يحمل سلة من القصب صغيرة الحجم، صرخنا: وا المهبول. ثم فر كل واحد منا إلى بيته. لم يكن ليلتفت إلينا، كأنه غائب عن الوجود، يقوده حدسه إلى الطريق التي يجب أن يقطع كل يوم دون أن يتخلف عن الموعد. يواصل سيره إلى أن يختفي عن الأنظار. تقوده قدماه حيث لا يعرف أحد، إلى أن يظهر في الغد مكررا السفر ذاته. مع الأيام صار لوحة في منظر المدينة الكئيب بخطواته المسرعة ولباسه الرمادي. لم يعد أطفال المدينة يخافونه. لكنني ظللت أحمل توجسا وريبة منه. كانت عصاه الطويلة التي يحملها ولا يستعين بها في المشي تخيفني. قد يطفو جنونه ويهوي بها على أحدنا ويرديه قتيلا. نظراته التي كانت تتلون بآلاف التحولات قد تحمله إلى هيستيريا لا تتوقف. كلامه الملغوم قد يتحول سبا يجمعه بلحظات عنف ممكنة. سألت أبي ذات يوم عنه خصوصاً وأنه يختلف عن باقي مجانين مدينتنا: احساينوا، ودنوو والبيكالا وغيرهم. كانوا كثيرين. كنا نعرف حكاياتهم. أو خيل إلينا. كان الكبار يحكون كما يشاءون. ولم نكن نملك سوى تصديق ما يقال. ذاكرتنا كانت متعطشة للحكي في تلك المدينة التي لم تكن تملك من أسباب الوجود سوى ما كان يحكى عن رجالاتها الأبطال الذين لم يذكرهم أحد. لأنني كنت أعرف أن منطقتنا كانت تسمى المغرب غير النافع. فلا أحد يذكر مدينتا حتى أبنائها المتعلمين والمثقفين هجروها.

مجانين مدينتنا كثيرون. أحدهم أودت به الدراسة إلى الجنون. هكذا أخبرنا. كثيرا ما استمتعنا بفرنسيته الجميلة التي ربما كانت تحمله إلى عوالم الدراسة. كانت تصيبه بين الحين والآخر نوبات صراخ حاد نسمعها من بعيد تجعلنا نحن الصغار نلزم منازلنا. وكان في معظم الأحيان يمر هو الآخر مسرعا يتلو أرقاما لم يخطئ يوما في ترديدها 60-70-80- تتبعها اللعنة الجارفة التي تجعلنا نرتعد. ويخبرنا الكبار أن الحساب كان سر رسوبه الذي أدى به إلى الجنون. في أحيان أخرى يتوعد أسماء كثيرة بعضها كنا نحاول أن نبحث عنه فيمن نعرفه من أسماء. لكن سرعان ما ينهرنا الكبار، لأن تلك الأسماء يومها كانت تبعث في نفوسهم الخوف على ما أتذكر الآن. وأخرى لا أحد منا يعلم حقيقتها.

نسمع الكبار يتهامسون ويحذرون منهم أكبر منا عندما تكون الإضرابات. ما زلت أذكر صراخ أبي وهو يحذر أخي من الإضراب ويذكره بحال حمايمو. ذاكرتنا الصغيرة لم تكن قادرة على استيعاب جميع المواقف، ولكنها ببداهتها كانت تدرك أن الأمور خطيرة. فاكتفينا بتجنب حمايمو درءا للخطر القريب. الثاني كان سببه الخمر أما الثالث فقد اتخذ الجنون موهبة. وكنا نراه بين الحين والآخر في مخفر البوليس. نتنفس الصعداء لأنه كان عنيفا. لكن سرعان ما يعود وبيده شهادة تثبت جنونه المزور. كان يرابط أمام الإعداديات والثانويات. وأيام الإضرابات لم نكن نشعر إلا والبوليس يحاصرنا.

أما الرجل الطويل، لم أعد أذكر اسمه، فلم يغادر مدينتنا قط، ولم يتخلف عن جولته الصباحية والمسائية منذ عشرين سنة. لم يكن أحد يعرف من أهله سوى طفلة صغيرة كانت تصطحبه بين الحين والآخر، غابت عن الأنظار فيما بعد. ولم يسأل عنها أحد. أحسست أن هناك تواطؤا بين أهل المدينة. الكل يخفي سره. عندما نذكره يكتفي أبي بابتسامة عابرة كأنما يخاف النبش في ماضي الرجل الطويل. جدي الذي كان معروفا بصدقه وجرأته اكتفى بلعنه عندما ذكرت اسمه، وحاولت أن أسأله عنه. ذات يوم. وبعد مرور أكثر من أربعين سنة أخبرني أبي أنه مات ولا أحد يعرف أين دفن. استغربت..

- "قتل الرجل" أخبرني أبي.

سألته: أمتأكد أنت يا أبي؟

قال: هذا ما يتردد بين أهل المدينة.

وكيف عرفوا ذلك وهم الذين كانوا غير مبالين به؟

لقد اختفى وخمن الكل أن يكون قد قتل. كان يخفي أسرارا..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الدكتورة بديعة: أستاذة باحثة من المغرب

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى