الخميس ٧ أيار (مايو) ٢٠٢٠
بقلم رندة زريق صباغ

برامج المقالب

ليست ابتكاراً جديداً

لا لوم على من نعت نفسه بالمجنون

كيف لنا أن نتخلّص من ظاهرة التّنمّر؟!

إنّ التسلية بمشاعر الناس ليست بالأمر الحديث أو المستحدث، ولطالما كان الاعتماد على الخوف والتخويف ليثير ذلك ضحك وقهقهة المخطّط الذي يشعر دوماً أنه الأقوى وأنّ بإمكانه السيطرة على الوضع وعلى المجموعة من خلال السخرية على من هو أبسط وأضعف منه وطبعا على من هو أكثر أدباً وأخلاقاً، نذكر أن ملوك وأباطرة الرومان كانوا يتسلّون ويقضون أوقات فراغهم بمشاهدة المصارعة بين حيوان مفترس وسجين في سجونهم، وطبعاً فإنً الغلبة للحيوان، كان الملوك والحاشية يضحكون مقهقهين على خوف ورعب الرجل من الحيوان المفترس، فلا قلب ولا مشاعر ولا انسانيّة، يشاهدون عذابه، رعبه وقلة حيلته حتى الموت.

المقلب (بالإنجليزية: Practical joke)‏ هو خدعة للضحك والسخرية يهيئها شخص أو أكثر على شخص آخر عن طريق مفاجئته أو إيذائه أحياناً، المقالب أصبحت شائعة بل ومستساغة في السنوات الأخيرة وكان لانتشار وسائل الإعلام وبرامج الكاميرا الخفية دور في ذلك. تجدر الإشارة الى أنه في الثقافة الغربية يعتبر يوم كذبة أبريل اليوم السنوي لأجل صنع المقالب والخدع بهدف الدعابة والضحك.

(استَلَمه، مسك عليه راس، ضحّك الكل عليه، عمله مسخرة، تسلينا عليه، تعيش وتوكل غيرها، تعيش وتحكي لأولادك).... وغيرها من الكلمات والأوصاف التي طالما استعملها ولا زال الناس لوصف حالات من السخرية والاستهزاء بأشخاص أكثر ما يميزهم هو الطيبة والسذاجة أحياناً، مما يسمح لبعض السخفاء، الوقحين وقليلي التربية والإحساس لجعلهم فئران ولن أقول قردة تجارب لتسليتهم.

كما كل عام تستقطب برامج المقالب شريحة واسعة من المشاهدين الذين يتوقون إلى المرح وتمضية الوقت برفقة العائلة بمتابعة برنامج يعتبرونه كوميدياً متناسين تماماً أنه على حساب مشاعر المشاركين من جهة وعلى حساب أخلاق الجيل الصّاعد وثقافته من جهة ثانية.

وما لا شك فيه أن هذا العام يتسمر كثير من المشاهدين على برامج المقالب، نظرا إلى الضيقة التي يمرون بها في الحجر المنزلي، ومن المؤسف فعلاً أن رمضان تحوّل مسرحاً بل مهرجاناً شعبياً اختلط فيه الحابل بالنابل.

بدأت برامج المقالب أو ما يعرف بالكاميرا الخفية عام 1948 حيث أطلق تلفزيون CBS الأمريكي برنامج candid camera، من تقديم، آلن فونت، استمر زهاء 20 عاما بنجاح منقطع النظير متحولاً لبرنامج عالمي تسابقت على شرائه وتحويله لنسخة بلغتها دول ومحطات كثيرة بالعالم.

الكاميرا الخفية من البرامج التلفزيونية الفكاهية التي يقوم فيها طاقم البرنامج بوضع الأشخاص في مواقف غير محتملة لجعلهم يعتقدون أنه موقف واقعي. وذلك بهدف تصويرهم دون علمهم حتى يتمكن المشاهد من ملاحظة ردود أفعالهم على المواقف المحرجة أو المثيرة للغضب. وقد تنوعت البرامج المبنية على هذا الأساس وانتشرت عالمياً كونها تتسم غالباً بالطابع المرح، وتنفيذ مقالب (خدع محرجة) تسفر عن أحداث طريفة وأحياناً ردود فعل غريبة أو مفاجئة وأحياناً عنيفة تجاه من ينفذ المقلب. تم انتاج العديد من هذه البرامج على مدى سنوات طويلة نتيجة استقطابها لملايين المشاهدين، جذبها للإعلانات وتكلفتها المنخفضة نسبياً في تلك الفترة.

إضافة إلى الترفيه، يمكن اعتبار هذه البرامج -التي اعتمدت على اللقاء مع الناس في الشارع أو التجمعات العامة- توثيقاً لحال بلد ما في فترة ما، من حيث مظاهر الحياة، المباني، الشوارع، الأزياء، أحوال المعيشة ويمكن كذلك اعتمادها وسيلة للتعرف على مجتمع ما، من حيث سلوك أفراده، أخلاقهم وثقافتهم.

يدرك معظمنا أن هذه البرامج هابطة ورديئة لاعتمادها على أفكار تتضمن ترويع الشخص، إهانته أو إيذاء مشاعره. وبتنا نعلم قيام بعض العاملين والمشاركين فيها بغش واستغفال المشاهدين، بالاتفاق المسبق على التمثيل والتزييف - الأمر الذي يعتبر هدماً لإحدى ركائز الكاميرا الخفية، وهي تلقائية التفاعل وعدم إدراك المشاركين لوجود الكاميرات الخفيّة أو المقلب- هذه النوعيّة تكون غالباً حين يكون المستهدف/ الضيف من المشاهير، إذ بات تكرار استضافتهم من جهة ومعرفتهم أنهم مستهدفون من جهة ثانية تثير شكوكهم بالأمر وينتبهون للمقلب قبل أو خلال تنفيذه، بالتالي يقبلون التواطؤ والتمثيل في مسخرة كهذه مقابل مبالغ ماليّة كما لو أنهم يؤدون دوراً في فيلم أو مسلسل مدفوع الأجر، وطبعا يرتفع الأجر مع ارتفاع نجومية المشارك.
بالرغم من أنّ الأفكار قد استُهلكت والشخصيّات قد استنفذت لا زال المنتجون مصرين على انتاج هذه البرامج والاستفادة من سذاجة المشاهدين العاديين والبسطاء الضعفاء ومن رغباتهم بالتنفيس عن القهر والغضب من خلال الضحك على من هم أكثر منهم نجاحاً، شهرة وغنىً ، مما يشعر المواطن/ المشاهد المسكين بالقوة ونشوة الانتصار ولو لدقائق معدودات

انطلق أول برنامج للمقالب في الشاشات العربيّة من مصر بالثمانينيات باسم الكاميرا الخفيّة قدمه الفنان فؤاد المهندس عام 1983 وزميله إسماعيل يسري الذي كان مشاركا ومشرفا على البرنامج فيقوم بتوضيح مضمون الحلقة معتمداً على أن المواطن هو النجم جرّاء تعرّضه لموقف كوميدي ينتظر الجميع ردة فعله، استمر البرنامج بنجاح لعدة سنوات، ثمّ قدّمه الفنان محمود الجندي، لكنه لم يلاقي النجاح المطلوب ، ونذكر أنّ برامج المقالب المصريّة ارتبطت بأغنية شهيرة للفنانة أنوشكا تقول
"اللقطات اللي هتشوفها كلها طبيعية...والأبطال أنا، انت وهي".

ما فيناش زعل

أعاد الفنان إسماعيل يسري تقديم فكرة الكاميرا الخفية عام 1995 ولكن هذه المرة من خلال برنامج يحمل اسم "ما فيناش زعل"، للكاتب يوسف معاطي، نال استحسان المشاهدين لكن ليس بنفس درجة برنامج فؤاد المهندس الفنان المسرحي الكبير والكوميدي الظريف

إديني عقلك

في نهاية التسعينات، قام المخرج علي العسال، بتقديم برنامج للكاميرا الخفية يسمى
"إديني عقلك"، استمر البرنامج بنجاح كبير قرابة الأربعة عشر عاما، وكان الفنان حسين المملوك، والفنان منير مكرم هما أبطال العمل، وقد تعرّضا على مدار سنوات عديدة لأكثر من "علقة ساخنة" على يد المشاركين بسبب المقلب ونتيجة لأسلوبهما المستفز والمزعج.

حسين على الهوا

تجدر الاشارة الى أنً أول من بدأ "موضة" جعل الفنان نجم برنامج المقالب هو الفنان حسين الإمام عام 2003، من خلال برنامجه "حسين على الهوا" الذي حقق نجاحا كبيرا، اكتسب هذا النوع من البرامج شهرة واسعة منتصف الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي في الدول العربية، فاستثمر صناع العمل هذا النجاح ونسبة المشاهدة العالية وقدموا سلسلة من البرامج نجمها الفنان الراحل، منها "حسين على الناصية"، "حسين في الاستوديو". لكن بسبب الاستهلاك وسوء إدارة بعض المقالب التي بينت اتفاقيات مسبقة بين الضيوف وبين المسؤولين عن البرنامج أدى الى تراجع المشاهدة وفقدان وضعف ثقة المشاهد بطاقم البرنامج، وهو ما أفقد بعض مقدمي هذه النوعيّة من البرامج عموماً مصداقيتهم.

مقلب دوت كوم

قدم الفنان الكوميدي أشرف عبد الباقي هذا البرنامج على مدار موسمين، محقّقاً نجاحا كبيرا نظرا لفكرته واطاره المختلفين ، يعتمد على اشتراك عدد من الأصدقاء في عمل مقلب بصديق لهم من خلال معرفتهم لأكثر الحالات التي تخيفه، أو أكثر الأشياء الذي تستفزه، وساهمت خفّة دم عبد الباقي وشخصيّته المرحة بإقبال المشاهدين والمعلنين.

في لبنان، انتشرت ظاهرة برامج المقالب، في تسعينيات القرن الماضي، قدمت محطة LBC برنامجا ترفيهيا شمل بعض المقالب التي تقوم على خداع الناس في الطريق، وقد لاقت الاستحسان والقبول لدى المشاهدين، لتبدأ بعدها مجموعة أخرى من البرامج، التي تهافت بعض الدخلاء على إنتاجها، دون أن تقدم ما هو جديد بالفعل. لمعت في تلك الحقبة مجموعة من الأسماء منها (كميل أسمر، وسامي سليمان) ثم قلّدهم اّخرون وفشلوا نتيجة اكتشاف الجمهور أن طاقم البرامج يتفق مع من يطلقون عليهم اسم "ضحايا الكاميرا الخفية" ضمن إطار اللعب على عواطف المشاهد التي رفضها الجمهور.

محطة "الجديد" اعتمدت في كاميراتها الخفيّة على المسنين في برنامج خاص بالمقالب، يبتعد كل البعد عن المشاهير، ووضعت الفكرة في قالب اجتماعي وواقعي، يحاول التركيز على التفاعل بين المسنين المشاركين بالبرنامج ضمن إطار فكاهي جيد لا يعتمد الإهانة والسخرية الفجّة، ولعلّ هذا البرنامج من أفضل ما عرض ضمن برامج تندرج تحت اطار الكاميرا الخفية في لبنان بالفعل (تعيش وتاكل غيرا).
كذلك فقد أنتجت محطات عدة في المغرب العربي برامج المقالب والكاميرا الخفية ضمن نفس الأطر تقريباً كما مصر ولبنان وسائر دول المنطقة.

خلي بالك من فيفي 2020

تيمّنا بسعاد حسني وفيلم خلّي بالك من زوزو انتقلت النجمة فيفي عبده لتكون هي المايسترو لمشاهد ساخرة تتم حبكتها بإتقان لتضحك الجمهور في رمضان نتيجة ترهيب وارعاب ضيوفها الفنانين، تطل هذا العام في برنامج "خلي بالك من فيفي" وهو برنامج كاميرا خفية يعتمد على استضافة فيفي عبده أحد النجوم في منزلها الفخم، يتم تنفيذ المقلب فيه بصورة فجّة ومرعبة بمساهمة الفنانة المغربية زينب عبيد، تتظاهر فيفي أنه اغمي عليها ليحاول الضيف انقاذها بأجواء من الضجة والغوغاء التي تخرجه عن صوابه، فتستفيق فيفي فجأة بشكل سوقي غير لطيف ولا حتى مضحك بالمرة، بل على العكس تماماً.

ماحدّش فاهم حاجة2020

انضم الفنان محمد ثروت إلى قائمة الممثلين الذين يخوضون تقديم برامج المقالب في رمضان هذا العام، حيث يقدم برنامج "ماحدّش فاهم حاجة"، ويقدم شخصية "حنفي" الذي يقوم بالمقالب مع ضيوفه، أما البطولة في البرنامج فستكون لأشخاص عاديين، التقاهم في أماكن عامة ويكلفهم بمهام غريبة وغير منطقية، بعضهم قد يجدها مستفزة، فيما ينفذها البعض الآخر على مضض، والنتيجة كوميديا ساخرة.
ويقوم حنفي في البرنامج بشخصيات تختلف في كل حلقة بحسب المهن التي تتنوع بين الطبيب والجزار وبائع الخضار وبائع الدواجن وغيرها، على ألا يكشف عن وجهه الحقيقي حتى نهاية الحلقة. لقد نجح فريق الماكياج الذي تولى مهمة تغيير ملامحه في كل شخصية يقدمها، حيث حرص على إعطاء كل شخصية حقها كي تكون مقنعة للجمهور.

رامز المجنون وكوميديا "الهلع"

شئنا أم أبينا يتربع رامز جلال على رأس برامج المقالب يطوّر برنامجه كل عام ويقدم أبشع ما يمكن تقديمه من بث الرعب في نفوس ضيوفه وفرحة مشاهديه بهذا النصر على المشاهير والفنانين، اسم لمع في مجال برامج المقالب، انطلق منذ نحو عشرة أعوام، قدّم كل عام مفاجآت صادمة لضيوفه، لقد تنكر داخل حيوانات وفاجأ ضيوفه بهجوم القرش والأسد والتمساح والدب والغوريلا، أصبحت فكرة هذه البرنامج واحدة، تبدأ بإغراء الضيف برحلة مترفة واهتمام مبالغ فيه، لتبدأ رحلة الصعاب والاستفزازات للضيف لدفعه إلى الهدف المنشود وهو الانفعال والغضب.، الشتائم التي يسعد بها رامز كما لو أنه يسمه كلمات غزل ومحبّة.

يعتمد برنامج "رامز مجنون رسمي"، على وضع المتسابق على "كرسي الاعتراف"، الذي يتم خداع الضيف به، وتبدأ المذيعة أروى التي استخدمها البرنامج كطعم للإيقاع بالمشاركين، توجيه الأسئلة إلى الضيف لبعض الوقت، وفي الفقرة المنتظرة يتم سؤال الضيف عن رأيه في صور لثلاث شخصيات، الثالثة ستكون لرامز جلال الذي يخرج منها ويفاجئ الضحيّة، وعقب الانتهاء من تصوير الحوار يجد الضيف نفسه في مواجهة مأزق جديد، يشبه غرف التحقيقات المرعبة التي يستعمل القائمون عليها شتى الوسائل الحقيرة لجعل المتهم يعترف -بما اقترفه وما لم يقترفه- تحت وطأة التهديد والتعذيب. هذا هو حال الضيوف أمام المجنون الذي يطالبهم بالاعتراف أنه أفضل ممثل عربي وأنه نجم المواقع والشاشات.

البرنامج يخرج عن كل القيم والأخلاقيات، ويحوي كمًا من العنف والسادية والاستهتار، ناهيك إلى أن البرنامج قد يؤثر على سلوك الأطفال الذين يشاهدونه وينمّ لديهم نزعة التّنمّر والاستعلاء وقد يحذو بكثير من الأطفال والمراهقين وحتى البالغين لتقليد الفكرة وتخطيط مقالب خطيرة بمشاركة الأصدقاء ضد فئة أخرى وهذا يؤدي لانحدار القيم والأخلاق. يمارس رامز الذي وصف نفسه بالمجنون سلوكًا لا إنسانيًا خلال حلقاته مع الضيوف، وأعتقد أنّه من غير المقبول بث مادة إعلامية بهذا السوء والعنف فقط لأنها تدر مدخولاً ضخماً للقناة وطاقم العمل بما فيهم المشاهير/الضحايا المشاركين الذين لا بد وأن يتحمّلوا مسئولياتهم كاملة عن المحتوى الإعلامي والثقافي المقدم عبر الشاشات ويدخل كل البيوت دون استئذان.

صراحة لا ألوم من نعت نفسه وبرنامجه بالمجنون بل أعتب على الضيوف ومعظمهم فنانين إن علموا أنهم قادمون لهذه المهزلة ووافقوا وقدموا عرضاً مهيناً لهم ولفنهم، فهذه مهزلة حقيقية، وإن لم يعلموا مسبقاً ووافقوا على هذه الإهانات وقلة القيمة كي لا يخسروا المكافاة المالية التي يمنحهم اياها رامز ومنتج البرنامج، فهذا أكبر دليل على الذل والهوان الذاتي للفنان واستخفافه العام بمعجبيه وتأكيداً على استعداده لبيع كرامته مقابل المال.

لست أفهم فعلاً كيف ولماذا يطيب للشاشات والفنانين كما للمشاهدين رؤية الناس وخاصة المشاهير بحالة من الرعب والخوف، بحالة من الهوان تثير السخرية والاستهزاء، من أين هذه الرغبة والمتعة لدى البشر؟ وكيف لنا أن نقضي على التّنمّر الذي بات ينخر في القلوب والنفوس كما الأفكار ويشوهها؟!!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى