الأربعاء ٢٣ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢٢

بقايا إمرأة

علا شيحه

كانت تلك الليلة مصيرية بالنسبة لها عندما تقدم ذلك الشاب الثلاثيني لخطبتها صمتت للحظة ثم أجابته بأنها تريد أن تكمل دراستها وتحقق طموحها فأخبرها أنه سيكون إلى جانبها ولن يكون عائقا في طريق حلمها حينها قررت الإرتباط به لكن ماذا حصل بعد ذلك

بعد برهة من زواجهما وأمام مرآة الليل ذاتها

انطفأت تلك الكذبة أمام حقيقة الواقع منعها من الدراسة أو حتى مطالعة اي كتاب أخر مبرراً ذلك بأن لا فائدة من ثقافة الأنثى إذ أنها خلقت لأعمال البيت لتكون زوجةً جيدةً وأماً فاضلةً ولم تخلق للأحلام والأعمال لم تيأس ظلت تحاول إقناعه مراراً بأن المرأة مثل الرجل يمكنها أن تصنع شيئاً على هذه الأرض لكن دون جدوى كان يعاملها كما لو كانت جارية في بيته ويجلدها بسوط رجولته في كل مرة تحدثه فيها عن الأمربل هي ليست رجولةً إنها ذكورةٌ وحسب ومع ذلك كله لم تستسلم كانت تخبئ بعض الكتب الجامعية تحت السرير وكانت تدرس وتقرأ كثيراً في غيابه لتصل يوماُ ما إلى ماتريد فالعواصف التي تثور في فكرها أقوى من أن تخيفها سيوف رجولةٍ مشوهةٍ أشهرها في وجهها ذات يوم في ذلك اليوم عاد من العمل ليخبرها أنه سيسافر في بعثةٍ إلى أوروبا في بادئ الأمر شعرت بالإحباط لكن بعد أن ودعته في المطار ومع مرور الوقت اعتادت على فكرة غيابه وقررت أن تخرج للعالم أن تفتح باب العتمة لتلتمس للنور وتسير في أول خطوةٍ لبناء مستقبلها لم تكن تدرك ما فعل بها هي اليوم لم تعد وحدها لقد غرس في أحشائها جنيناً ليزهر في غدها الآتي ذلك ما دفعها للبحث عن وسيلةٍ للعيش لم يخطر بباله أن يكلمها لم يسأل عنها منذ إقلاع الطائرة ولم يرسل لها حتى مصروفا لتتدبر أمرها قررت أن تعمل ببيع الخضر على الرصيف لتؤمن قوت يومها وتؤمن ثمن كتبها الجامعية فقد عادت لتكمل دراستها رغم كل الظروف
مع الوقت بدأ عملها. يزدهر أصبحت البائعة المفضلة لسكان ذلك الحي بعد فترةٍ من الزمن حان موعد ولادتها لم يكن هناك أحد إلى جانبها كانت ولادةً سهلةً لحسن حظها أن الله هون الأمر عليها ثم ماذا خرجت إلى بيتها تلك الغرفة القذرة وبرفقتها طفل رضيع جاء للحياة تواً أصبحت مسؤولياتها أكبر بات من المفترض أن تجتهد أكثر لقد اقترب الإمتحان كانت تستيقظ مبكراً تطعم طفلها تربت على ظهره لينام ثم تعود لطاولتها تدرس بجد مضت الأيام قدمت امتحاناتها وقد تخرجت بمعدل ممتاز من فرع السيكولوجيا ومن ثم حصلت على الماجستير وكانت تستعد لتكمل الدكتوراه ثم تغيرت حياتها تدريجياً لقد حصلت على عملٍ لم يكن العمل الذي حلمت به لكن هذا أفضل من لا شيء هذا الطفل يكبر مع الوقت وفي كل لحظة تكبر معه أحلامها بعد عدة سنين دخل المدرسة كانت ترعاه بجد وهي غيرت عملها لقد عملت في سلك الشرطة لكن بمنحى أخر كانت تتعامل مع المجرمين تغوص في بؤرة ظلامهم لتفتش خلف ذلك السلوك الإجرامي عن دوافع الجريمة الشعورية واللاشعورية للوصول لفهم شخصية المجرم واتخاذ العقاب المناسب والسعي وراء تعديل ذلك السلوك اللا إنساني لقد أبدعت في ذلك المجال إذ كانت شغوفة بعلم النفس من جهة ومن جهةٍ أخرى كانت مهووسةً بالبحث والتحقيق للوصول الى الحقيقة العادلة هي تكره الظلم كثيراً لقد جاءها عرض للمشاركة كمُحاضِرَةٍ في أهم الجامعات الدولية حول علم النفس الجنائي وافقت وسافرت مع طفلها لتلك الجامعة وصلت قبل الموعد تركت طفلها مع مربية في الفندق ريثما تنتهي حان موعد صعودها على المنبر كان الحشد كبيراً لقد وصل سيطها قبل وصولها تحدثت عن الجريمة والسلوك الإجرامي عن دوافعه وعن العوامل النفسية التي تؤدي بالفرد ليصبح مجرماً لقد شاهدها عبر التلفاز فشعر بشيء من الخزي والعار إذ أنه غادر في بعثةٍ دراسيةٍ ولم يفلح في الحصول على الدكتوراه فكر في أن يهاتفها أنهت المحاضرة وعادت إلى الفندق أخذت طفلها وتوجهت إلى المطار لتعود إلى بلدها في صباح اليوم التالي رن هاتفها رقم دولي أجابت الو نعم

مرحبا كيف حالك

بخير من انت

انا زوجك

الآن تذكرت أنه كانت لديك زوجة لتنس إذاً

مابكِ

أيها العابر المجهول في سراديب ليلكَ ماذا تنتظر؟

هل فكرت في غدكَ؟ هل فكرت في تلك المرأة التي تركتها قبل تسعة أعوام؟ هل مارست رجولتك إذ تركتها تصارع الحياة وحيدة لتربي طفلاً زرعته في أحشائها ذات يوم؟

هل تشعر بالندم؟ هل تفكر بالعودة إليها أم تنتظر عودتها مكسورةً هشةً اليك؟

سأقول لكَ شيئاً إياكً أن تنساه

لا تنتظر في وسط الطريق

إمرأةٌ متمردةٌ يكللها كبرياءها لن تأتي إليك مطأطأة الرأس ولن تكون قادرةً على إحترامك لقد كسرت صورتك مذ انطفأت تلك الكذبة قبل سنين لن تراها بالصورة التي رغبت من تملك الحلم والإرادة لن تكسرها رجولةٌ مشوهةٌ أنت لم تكن يوماً رجلاً أنت مجرد ذكر لأن الرجولة اخلاق قبل كل شيء أما الذكورة فتلك غريزة وهي تشبهك أكثر إمض في هاويتك لا تلتفت للوراء فهناك ستكون بقايا رجلٍ أمام كبرياء امرأةٍ وقلب أم أتعلم في غيابك عرفت نفسي أكثر أدركت أنني لن أكون نصفاً لأحد لأن ذاتي تستحق أن أكون واحداً كاملاً لأجلها هي تملك كل شيء لتكون تامةً وليست بحاجةٍ لشبيه رجلٍ مثلك ليكملها مثلك لا يستحق شرف الأبوة فاذهب أغلقت هاتفها احتضنت طفلها وغطت في نومٍ عميق

علا شيحه

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى