الخميس ١٠ حزيران (يونيو) ٢٠٢١

تعدُّدِيَّة المعنى في قصيدة «نكأت الجرح» لعبد العزيز البابطين

حسن الحضري


تمتاز لغتنا العربية بكثرة ألفاظها، وتعدد مترادفاتها، وتنوُّع دلالاتها بحسب اختلاف السياق، كما أن كل لفظة من ألفاظها المترادفة تستأثر بما ليس في سواها من معاني، وحين نتكلم عن الشعر، الذي هو أرقى آداب اللغة؛ نجد أن الكلمة الواحدة في البيت لها أثرها الكبير في تعدُّد المعاني المستنبَطة من البيت الواحد أو الشطر الواحد، بل من الجملة الواحدة داخل البيت، كما يمكن أيضًا الجمع بين الصور المتناقضة في البيت الواحد، وهو الأمر الذي تعجز عنه أدوات التعبير الأخرى، فلا تستطيع الفرشاة مثلًا أن تقوم مقام الكلمة في رسم صورة الحصان التي يصورها امرؤ القيس بقوله:

مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقبلٍ مُدبرٍ معًا
كجُلمودِ صخرٍ حطَّه السَّيلُ مِن عَلِ

حيث جمعت الكلمة هنا بين الصور المتضادة، وهو ما لا يستطيع شيء غير الكلمة أن يرسمه، وقد فطن امرؤ القيس لذلك فقال: (معًا)، وكأنه يدلِّل على استحالة رسم هذه الصورة بغير الكلمة.

وفي شعرنا العربي أمثلة تفوق الحصر، من الصور الشعرية التي تنطوي على تعددية المعنى، ما بين ترادف أو تضاد، داخل اللوحة الفنية الواحدة، التي يمثلها هنا البيت الواحد من الشعر؛ وفي هذا المقال نتناول أمثلة من ذلك عند الشاعر عبد العزيز سعود البابطين في قصيدة (نكأت الجرح):

يقول عبد العزيز البابطين:

يمورُ الكونُ يرقصُ حولَ رُوحي
وقد أهدَى إليها البشرياتِ
ونشوتُها تسامتْ بالأماني
وأحلامي انتشتْ بالأغنياتِ

فالبيت الثاني يحتمل معنيين؛ الأول: أن يكون الضمير في قوله (ونشوتها) عائدًا على (الرُّوح) في البيت الذي قبله، والثاني: أن يكون الضمير عائدًا على (الأحلام)، ويكون في البيت حينئذ تقديم وتأخير بين شطريه، ويكون المراد أن أحلامه انتشت بالأغنيات، وأن هذه النشوة تسامت بالأماني؛ والذي أوجد هذه التعددية في المعنى هنا هو قوله (انتشت) بعد قوله (ونشوتها).
ثم يقول:

نكأتَ الجرحَ يا زمني بوصلٍ
كومض البرقِ أسرعَ في فلاةِ

وكلمة (أسرع) في هذا البيت جعلته يحتمل معنيين، لا يقصد الشاعر إلا أحدهما؛ المعنى الأول: أن ذلك (الوصل) الذي نَكأ الزمان به الجرح، قد قضى تمامًا على (ظلمة الفراق)، كما ينتشر ضوء البرق في أرض فلاة لا حاجز فيها لضوئه من جدارٍ أو نحوِه؛ والمعنى الثاني: أن ذلك (الوصل) قد مرَّ سريعًا كمرور البرق، لكن يمكن الاستدلال على المعنى الذي يقصده الشاعر من هذين المعنيين، من قوله في البيت الذي يليه:

طواها المحْلُ أعوامًا عجافًا
فجاء الومضُ بشرى للتجاةِ

فوصفُه الومضَ هنا بأنه (بشرى للحياة) يؤكد أن المعنى الذي أراده في البيت السابق هو المعنى الأول من المعنيين المذكورين، لكن تجدر الإشارة في هذا الموضع إلى أنه كان ينبغي أن يقول في الشطر الأول: (أزمنةً عجافًا) بدلًا من (أعوامًا عجافًا)؛ لأن (الأعوام) تطلق على زمن الخصب والسَّعة، كما في قول الله تعالى (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) [يوسف: 49]، وذلك بعد أن ذكر (السنين) في موضع الشِّدة، في قوله (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ) [يوسف: 48] أي: (سبع سنوات) وليس (سبعة أعوام)، وحيث إنَّ ذِكر (السنين) في قول الشاعر مكان (الأعوام) لا ينْضبط به الوزن، فكان بإمكانه أن يقول: (أزمنةً) لأنها تقال في الخصب والجدب.

ثم يقول الشاعر:

سمعتُ الصَّوتَ يهتفُ مِن بعيدٍ
وسمعي يشتهي صوتَ المهاةِ

فإضافة كلمة (المهاة) إلى (صوت) في هذا البيت، جعلته يحتمل معنيين، لا يقصد الشاعر منهما إلا أحدهما؛ أما المعنى الأول فهو كثرة الأصوات التي تناديه، والتي يوضح أنه لا يريد منها غير (صوت المهاة)، وأما المعنى الثاني فهو اعتياده سماع (صوت المهاة) فقط، بحيث إنه لا يناديه غير ذلك الصوت، فلما سمع الهتاف علم أنه هو ذلك الصوت الوحيد الذي اعتاد سماعه.
ثم يقول:

شكتْ لي في ضنًى هولَ الليالي
وقد أنَّ الفؤادُ من الشكاةِ

فقوله (الفؤاد) معرفًا بـ(أل) وليس بالإضافة؛ جعل البيت يحتمل معنيين؛ المعنى الأول هو كثرة أنين محبوبته التي ذكرها في الشطر الأول، والمعنى الثاني كثرة أنينه هو، غير أن هذين المعنيين يمكن الجمع بينهما، فتكون لفظة (الفؤاد) المعرَّفة بـ(أل) دون الإضافة، جاءت قصدًا من الشاعر من أجل الدلالة وليس من أجل ضبط الوزن فقط.

ثم يقول:

فديتُكِ إِلْفَ رُوحي نوِّليني
وصالًا مثل سقْيٍ للنَّباتِ
أراه بلسمًا ينتابُ جرحًا
تبسَّمَ عن جميل الذِّكرياتِ

وجملة (تبسَّم عن جميل الذكرياتِ) تحتمل معنيين، لا يقصد الشاعر إلا أحدهما؛ فالمعنى الأول: أن يكون قوله (تبسَّم) متعلقًا بقوله (بلسمًا)، وذلك يدل على عودة (جميل الذكريات) مرة أخرى، والمعنى الثاني: أن يكون قوله (تبسَّم) متعلقًا بقوله (جُرحًا)، فيكون التبسم هنا تبسُّمَ سخريةٍ، بعد أن قضى ذلك الجرح على الماضي الجميل الذي أصبحت أحداثه طيفًا من (جميل الذكريات)، والبيت الأول في هذه القصيدة يدلُّ على أن هذا المعنى الأخير هو المراد، حيث يقول الشاعر في مطلع قصيدته:

نكأت الجُرحَ يا زمني فجُرحي
تبسَّمَ عن جميل الذكرياتِ

فالجملة المكررة، وهي الشطر الثاني من هذا البيت، هي في موضعها هنا في مطلع القصيدة لا تحتمل إلا معنى واحدًا، فيكون ذلك هو المعنى الذي يقصده الشاعر في البيت الأخير، وإن كان السياق فيه يحتمل معنيين.

حسن الحضري

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى