الأحد ١ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢٠
بقلم جورج سلوم

تغيير المحيط

يلتقيان كلّ بضعة أيام عندما تسنحُ لهما فرصة... يسيرانِ على شاطئ البحر.. يجرّان قدميهما فوق الرّمال الرّطبة.. تنغرسُ أحذيتهما.. يرسمانِ خطين متوازيين لا يلتقيان مهما امتدا..

ويعاودان المسير بعد بضعة أيام... ويحاولان رسم نفس البصمات على الرمال.. قد يجدان لاحقاً آثاراً لها.. أو قد تكون امّحت بفعل الأمواج الزاحفة..أحياناً يطلبُ منها التوقف من أجل إشعال سيجارته.. ويستعمل جسدها كمصدّ للريح.

تضحك وتقول:

- لو كنت لوحدك.. لن تشتعل سيجارتك أمام الهواء الغربي.
- عندما أكون وحدي... لا أدخّن.
- إذن أنا سبب تدخينك.!؟
- لا.. أنا أدخن بوجودكِ كي أحسن الاستماع إليكِ.. ولا أقاطعكِ.. تماماً كما أفعل مع الجميع.. يتحدّثون ويفرضون آراءهم... فأشعل سيجارتي..لا أنفث دخانها.. بل أبلعه مع كلامهم التافه..وهكذا فأنا أسمع وأرى.. ولا أتكلّم.

قالت:

- نعم ولكنك تكثر الصّمت في الفترة الأخيرة... بم تفكّر؟

- أفكّر في تغيير المحيط.

توقّفَتْ ونظرَتْ في عينيه التائهة..ثم ابتسمَتْ وقالت:

- المحيط مرّة واحدة..قل البحر على الأقل..بل أنت عاجز عن تغيير بحيرة..ولا بركة ماء... ولا حتى تحويل مسار جدول بسيط من الماء.

- أنا أقصد محيطي..المحيطين بي..أهلي..أصدقائي..قريتي..وحذف كل ما يمتّ لهم بصلة...أودّ حذف أسمائهم من هاتفي..وملفاتهم من حاسوبي..أريد أن أولد من جديد في غير هذا الزمان وهذا المكان.

تتساءل بغرور:

- تحذف الجميع.. وحتى.. أنا؟

- أنتِ؟... أنت خارج هذه الدائرة..أنا أريد تغييرهم من أجلكِ..أريد تغيير عيونهم ليروكِ جميلة كما أراكِ..ومسحَ ذاكرتهم لينسَوا ماضيكِ... فيقبلونك طوعاً.. وينقضي الأمر.

- طيّبْ... سافر إلى بلادٍ بعيدة.. وسألحق بك أنّى كنت.

لم يُجبْ..فقط توقّف عن السير.. وأخذ يلملمُ شتات عيونه التائهة بين البحر والأفق البعيد..
أحسّت أنّ صمته طال هذه المرّة...فأخذت تدندنُ أغنية ما.. لتكسرَ ملالة السّكون .. ثم قالت:

- هيه.. نحن هنا.. لماذا تعترض على السفر؟.. ألا يعني تغيير المحيط بداية جديدة.. بمعزل عمّا سبق؟.. سافر وابدأ من جديد..

أيضاً لم يجب.. بل ازداد انفعاله وتسارعت خطواته.. وسارت هي بنفس السرعة..ملازمة ً ومسايرة وموازية لمساره.. في خطين متوازيين لا يلتقيان مهما امتدا...

عاشقان.. صامتان.. يشقان طريقين متوازيين على الرمال الساخنة بسبب غروب الشمس البطيء... توقفتْ ونظرَتْ إلى الخلف.. وقالت:

- انظر لهذين الخطين المتوازيين.. هناك طريقة واحدة ليلتقيا.
نظر إليها مستفهماً... وتابعَتْ:

- أن تحملني على ظهركَ وتسيرَ بي.. فتختفي خطواتي..ونصبح خطاً واحداً..وتصبح آثار مشيتكَ على الرمل أكثر ثباتاً وانغراساً بسبب الثقل المشترك .. فلا تقوى الأمواج على إزالتها.
قال:

- وهناك طريقة أخرى يلتقي فيها هذان الخطان إلى الأبد.. نتعرى من كامل ثيابنا.. ونلفظها هنا على الرمال... نرمي هوياتنا الشخصية وكل ما لدينا.. أضمّكِ إلى صدري وأحملكِ بين ذراعي وليس على ظهري.. وأدخل فيك عباب البحر..وأسير وأسير ..حتى تبتلعنا الأمواج..نموت وأذرعنا متشابكة..

لم يسمع لها جوابا ً..لذلك استطرد قائلا:

- لا لن أستطيع مقاومة التيار الجارف.. لن أقوى على تغيير المحيط..لن أقدر على فرض إرادتي على أحد..ما أنا إلا ريشة في مهبّ الريح... تتقاذفني الأهواء والأرياح..حياتي مسايرة للآخرين.. وصوتي صدى لأصواتهم..وصورتي ظلٌّ باهت اللون لصورهم اللامعة يلحق بالآخرين كيفما ساروا!

أتقنتُ رسم الخطوط الموازية للجميع..وأجبُن وأضعُفُ أمام التقاء الخطوط أو اصطدامها..كان شعاري في الحياة (الخطان المتوازيان لا يلتقيان إلا بإذن الله..وإذا التقيا فلا حول ولا قوة إلا بالله).

غطست الشمس تماماً في البحر..وداعبَ وجهَه النسيمُ الغربي الذي مال للبرودة..وخلا الشاطئ تقريباً من المشاة والسابحين...لم يجدْها بجانبه..ورسمت خطواتها زاوية منفرجة مبتعدة عن مساره..لا يذكر كيف انسحبت ومتى..ولكنه وجد نفسه وحيداً هذه المرة..مواجهاً للبحر ولاصوت إلا هدير أمواجه المتلاحقه تتكسر زبداً على الشاطئ.. رفع يده اليمنى مهدداً ولايذكر يوماً أنه رفعها إلا مسلّماً ومربّتاً ومصفقاً ومدغدغاً وململماً..وماسحاً وملمّعاً لأحذية المحيطين به...صاح بصوتٍ مزمجرٍ عالٍ لم تألفه أذناه..وكانت معتادة على المواء والهديل وتكرار كلمات الآخرين كالببغاء...قال:

- سأمتطي صهوتكِ أيتها الأمواج وستسكن رعونتك عندما أركبكِ (أنا )...وسأرفع شراعي في وجهكِ يا رياح وستغيّرين مساركِ وفق ما أشتهي (أنا )...سأواجهكم قولاً وفعلا أيها المحيطون بي وستنصتون وتوافقون وتصفقون لما أقول (أنا )...سأغيّرك أيها المحيط بدءأ من قعرك المليئ بالتاريخ الغامض والرواسب المثيرة للجدل ومروراً بأسماكك المفترسة وحيتانك الجائعة أبداً.. وستغدو مياهك حلوة وفق ما أستسيغ (أنا )..وأنت يا مستقيماتي المتوازية و المتسايرة..كفرتُ بالاستقامة من أجلك..ستتقاطع خطوطي مع الآخرين وتتقطع وتتواصل..وتصطدم وترتطم وتلتحم..فيغدو المسار النهائي وفق ما أشتهي (أنا ).

في الصباح.. لم يستطع حتى السلام على المحيطين به..فقد بُحّت الحنجرة المعتادة على الصمت والهمس..خبا صوتها بفعل صراخ الليل...وأما يده اليمنى وهي المعتادة على الانسدال أو الاختباء في الجيوب الفارغة..فقد تعبت من الرّفع والتلويح تهديداً ووعيداً في ليل الأمس ...ولذلك فضّل تعليقها بوشاحٍ يتدلى من عنقه...اشترى حذاء مطاطياً حتى لا يصدر صوتا أثناء السير فينزعج المحيطون به..فإذا أظهروا امتعاضهم..سيكون مضطراً لتغيير المحيط... للمرة الثانية .


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى