الأحد ٢١ حزيران (يونيو) ٢٠٢٠
بقلم جورج سلوم

تمتمة

بعد غزوة الكورونا صار العطاس والسعال أشبه بقنبلة صوتية، تجعل السامعين يجفلون أولاً ثم يفرنقعون من حولك.

وعهدي بالناس – قبل الكورونا ـ يشكرون الله إن عطسوا وإن سعلوا، ونرتكس لهم بطلب الرحمة.. يرحمكم الله.

ومن عاداتنا حشر كلمة الله (جلّ جلاله) في معرض حديثنا للنفي بلا والله والإيجاب بأي والله، كطريقة لتأكيد الخبر ولا نعتبر ذلك قسماً بربّ العباد. ونستحلف الخلق بكلّ تعابيرنا حتى لو طلبنا كأساً من ماء مستفتحتين رجاءنا بالله عليك.

بل ونأمر الله بأن ينفّذ كلّ رغباتنا فنودّع الذاهب بكلمة الله معك لمن نحب، والله يأخذك لمن نكره، والله يقصف عمره ويشتّت شمله، وكأنّ الله – على عظمته – جنديٌّ من أجنادنا. وإن اخترنا فالخير فيما اختاره الله، وإن ضربنا كفّاً بكفّ فلا حول ولا قوة إلا بالله، وإن احترنا فيما يرتكبون بنا من فعال، فلا مشكلة إذ أنّ لله في خلقه شؤون.

والله أكبر بدون تحديد المُكبَّر عليه لأنّ الله فعلاً أكبر من الجميع.

ذاك الرجل – موضوع قصتي ـ لا ينفكُّ يشكر الله همساً أو جهراً، إن عطس أو سعل أو تنحنح أو تثاءب، وهذا عهدي به مذ عرفته. يتمتم شاكراً ربّه حتى لشهقات تنفسه وزفرات صدره، ولو استطاع سبيلاً لسماع نبضات قلبه لكان شكر ربه إثر كل خفقة من فؤاده.

جدران بيته مليئة بلوحاتٍ جدارية موشّاة باسم الله، فلا يغيب اسم الله عن ناظرك أنّى نظرت، حتى لتخاف ويرتعد قلبك وتحسب حساباتك إن شططت في كلمة أو نظرة أو فكرة، فأنت تحت رحمة هذه الكلمة معلّقة على الجدران مرسومة بكلّ ما أوتيَ خطّاطو اللغة العربية من إبداع.
وما توفيقي إلا بالله..جميلة تلك اللوحة وأعجبتني برسمها وإطارها، ووافق فوراً على وهبي إياها كهديّة لأضعها في صدر عيادتي.

عرفته منذ سنوات خلت كمريضٍ معلعل، ما إن يتعافى من علّة حتى ليقع في علّة أدهى وأمرّ، حتى صار مريضاً لكثير من الاختصاصات الطبية، وما زاده ذلك إلا ارتباطاً بالله ككلمة، وهي التي نسمعها تتوارد وتتكاثر بين مفرداته.

لا بل حمل علينا أخيراً مسبحة في يده لا تفارقه، ويتمتم كلما نقل حبّاتها، ويمكنك أن تتخيّل لفظة الله من حركات شفتيه.

وعلى طاولة العمليات، وقبل أن يسري البنج في عروقه، وكنت أريد أن أخفّف عنه، لكنه كان لا يريد أن يسمع ثرثرتي، لأنها قد تلهيه عن صلاته.. حتى ينطبق قناع الغازات المخدّرة على فمه وخياشيمه فيسترخي حنكه ويتدلّى فكّه، ولكنك ترى أصابعه ما زالت تتحرّك في الهواء لتنقل حبات سبّحته غير الموجودة.

استسلامه الكلّي لمشيئة الله كان ليمنحني الراحة والثقة بنجاح عمليتي الجراحية مهما كانت نتائجها، لأنه سيقول ببساطة اليقين وبيقين من نسمّيهم بسطاء.. أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد.

يومها بترنا جزءاً غيرَ يسير من أمعائه المتموّتة، وكان نجاح العملية مرتبطاً بخروج الأرياح أو البراز من شرجه كدليل على عبور نواتج الهضم من القطعة المعوية التي تمّت خياطتها.

في اليوم الثالث وقبل أن أسأله عن خروج بعض الغازات عبر مقعدته، فاجأني بالقول وابتسامة الرضى تعلو وجهه:

- الحمد لله لقد تغوّطت!

تخدش السمع تلك العبارة لأنك تسمعها لأول مرّة، وفيها ربطٌ مُستحدَث لإسم الله بالغائط، ولذلك استهجنتها وبدا ذلك على وجهي..فأعادها رافعاً نبرة صوته.. والحمد لله لأنني تبرّزت وتغوّطت وبوّلت بشكلٍ طبيعيّ.

ولم يبالِ بدهشتي..وأضاف قائلاً:

- يجب أن تحمد الله لأنك أمسيت وأصبحت وفتحت عيونك النائمة وتنفّست وتكلّمت، وأنت تعرف أكثر مني بأنّ هناك من أمسى ليلته وما أصبح، وأنّ هناك من يحتاج جهازاً للتنفس الاصطناعي ليتنفّس وأن هناك من فقد البارحة نعمة الكلام.

- صحيح قولك ولكن..كانت تكفيك عبارة الحمد لله فقط، لتشمل كلّ النعم بدل أن تقسّمها وتربطها بالبول والبراز!

ضحك الرجل وعاد للتلاعب بحبّات مسبحته بشكل ظاهر..ثم قال:

- وبالشكر تدوم النعم..ما رأيك؟..وكنت أقول الحمد لله بعد أن أنام مع زوجتي كما يجب، وأسمّي بالله قبل أن أقدم على تلك الفعلة..أما هي فكانت تستعيذ بالله من فعلتها وكأنها ترتكب معصية مع زوجها.

قلت:

- نعم..نعم..الله معنا وموجودٌ ورقيبٌ وحسيب على كلّ أفعالنا، ولكنْ يتوجّب تنزيه اسمه عن بعض الفِعال كما أظنّ..والله أعلم!

تعلّمت من ذاك المريض طريقة التمتمة وتحريك الشفاه في بعض المجالس التي لا أودّ الانخراط في ترّهات أحاديثها، بعض المجالس التي يكون فيها السكوت من ذهب فعلاً.. واحترَمَ البعض طريقتي تلك واعتبروها نوعاً من الصّلاة وإن كنت لا أصلّي، وما قاطعوني في صلاتي وإن كانت أحياناً ترديداً لأغنية عنّت على بالي..لا بل ارتقت تلك التماتم أو التمائم بمستوى الحديث فلا إسفاف بوجود رجل يلهج لسانه بذكر الله.

أهداني ذاك الرجل مسبحة قديمة رخيصة الصنعة، لكنّ حبّاتها تنزلق من بين أصابعك ثقيلة وصقيلة وكأنها تجبرك على تعدادها، وفرحت بها لتنشغل بها أصابعي عوضاً عن سيجارتي، ومن كانت بيده مسبحة فلن تتمتم شفتاه بالأغاني بل بذكر الله شاء لسانه ذلك أم أبى.

وقلتها وتمتمتها في مسرح عملياتي..الحمد لله على سريان الدم في الشريان المقطوع الذي تمّ وصله وقد عادت الحياة للطرف المفتقر إلى النسغ، وما ارتكسَتْ مساعدتي في العملية إذ ربطتُ عندها اسمَ الله مع الدم الطاهر.. وتمتمتُ أيضاً من قلب محروق إذ خرج البول من حالب الكلية المزروعة، وكان خروج ذلك البول (العزيز) إعلاناً صريحاً بنجاح عملية الزرع تلك.. الحمد لله على خروج البول الثمين، وكم هو ثمين على مريض كان يفتقده إثر فشل كليتيه!

قد يبول واحِدُنا في دورة مياهٍ نعتبرها ملوّثة بالفضلات الكريهة، أو ينأى عن الرائين له إلى زاوية ميتة ليفعل فعلته تلك، وقد يتلوها ببصاقٍ من لعابه كارهاً مستكرهاً، وينسى أن هنالك مرضى يتمنّون ولو نقطة من بول تخرج من إحليلهم إثر إصابتهم بالزّرام.

أنا الآن أعجز عن تعداد النعم التي أعيشها في زحام المكتئبين والمتذمّرين والرافضين ولا أقول الثائرين على وضعهم المكروه..وأقول الحمد لله الذي لا يُحمَد على مكروه سواه.

ومن ذاكرتي القديمة كطالب طب كنت أذكر أستاذاً يسمّي بالله بصوت عال قبل فحص مريضه، وكنت أسخر منه في قرارة نفسي معتبراً ذلك من الأساليب المبتذلة لكسب ثقة المريض البسيط..وكنت أتندّر بذلك قائلاً لزملائي..والله إنّ ذاك الأستاذ يشبه اللصّ الذي يسمّي بالله قبل أن يسرق خزنة الدراهم!

وضحكت من نفسي عندما صرت مثله أتمتم قبل الكشف على مريضٍ ما، ومرضانا يحبّون تلك الدمدمة والتمتمة، ويثقون بأنك تسمّي بالله قطعاً حتى ولو كنت تتحدّث مع نصفك الثاني كمجنونٍ فصاميّ.

دخلَتْ تلك المريضة خلف الستار القماشيّ لتخلع بعض ملابسها بغية الكشف الطبّي، وكنت أرى حركات جسدها بالشّفوف عبر الستار، وعندما بدأتُ بالتمتمة المعهودة تذكّرت صديقي المريض القديم ـ معلّمي في التمتمة – ذاك الذي كان يتمتم مستعيناً بالله قبل الإقدام على زوجته، وتخيّلت زوجته تتمتم أيضاً مستعيذة بالله من زوجها.

تعقيب:

الزّرام anuria..هو شحُّ البول أو انقطاعه، كما جاء في المعجم الطبيّ الموحّد..كفاكم الله شرّ الزّرام، أقولها تمتمةً أثناء كتابتي لها.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى