الأربعاء ٢٩ نيسان (أبريل) ٢٠٢٠
رحلة بين دفتي كتاب:
بقلم عبد السلام العابد

ثقافة الإرادة وإرادة الثقافة

الأديب حسن عبد الله واحد من كتابنا المثابرين الذين كانوا، وما زالوا ينشطون في مجال الكتابة الأدبية، منذ ما قبل ثمانينيات القرن الماضي، وله رصيد منشور من المجموعات القصصية، من بينها: حمامة عسقلان، وعاشق الزيتون، وصحفي في الصحراء، وعروسان في الثلج، ومن مذكرات زيتونة، والبستان يكتب بالندى، ورام الله تصطاد الغيم، بالإضافة إلى مجموعة من الدراسات مثل: النتاجات الأدبية الاعتقالية دراسة تأريخية تحليلية، وصحافة تحدت القيد، و (خمسون تجربة ثقافية وأدبية فلسطينية) وغيرها...

ورغم أنني كنت أتابع أعمال كتابنا وشعرائنا في الوطن، منذ شبابي المبكر، عبر المنشورات والصحف المقدسية، ومن بينهم الكاتب حسن عبد الله، إلا أنني لم أتعمق في قراءة نتاجاته الأدبية؛ بسبب انشغالاتي المتعددة في الحياة، إلى أن وقع بين يديّ كتاب: (البستان يكتب بالندى)، وما ان قرأت صفحاته الأولى، حتى وجدتني أغرق في قراءته، بمتعة وشوق و شغف، وقد عبّرت للكاتب عن إعجابي بهذا الكتاب، في لقاء سريع عابر، وعندما قرأت كتاب (رام الله تصطاد الغيم)، زاد إعجابي وتقديري لهذا الكاتب الواعي والملتزم الذي يستثمر أوقاته، ويكتب عن شعبنا ومعاناته، وأحلامه، وأحاسيسه بمصداقية عالية، ومن واقع الإنسان الذي دخل في أعماق التجربة الحياتية والاعتقالية، متسلحا بثقافة عالية، ولغة عربية رشيقة، ومعرفة بالأصول الفنية للمنتج الأدبي، سواء في مجال القصة القصيرة، أو الخاطرة، أو المقالة، أو الدراسة التحليلية، أو المذكرات واليوميات...

هذان الكتابان اللذان قرأتهما شكّلا حافزا لي لقراءة ما يكتبه الدكتور حسن، سواء في الصحافة الورقية أو الالكترونية، أو عبر كتبه المنشورة.

ولهذه الأسباب المحفِّزة للقراءة، بحثتُ عن الكتاب المنشور حديثا، للدكتور حسن، وما إن وصلني حتى شرعتُ في قراءته، رغم صفحاته التي زادت عن أربعمئة صفحة، بخط حجمه صغير.

أنفقت عدة أيام في قراءة هذا الكتاب الذي حمل عنوان: (ثقافة الإرادة وإرادة الثقافة).وهو مرجع مهم، غزير المعلومات، يقع في أربعمئة واثنتين وتسعين صفحة، من القطع الكبير.

وهذا الكتاب من إصدارات وزارة الثقافة، عام ٢٠٢٠ م، ويضم دراساتٍ، وأوراق عمل، وتأملاتٍ في التجربة الثقافية والإبداعية للمعتقلين الفلسطينيين.

يكتب الدكتور حسن عبد الله فصول هذا الكتاب، من وحي تجربته العميقة، ومعاناته التي خبرها بنفسه، في معتقلات الاحتلال، ولكن بقلم الباحث المتخصص، وعين الناقد الحصيف الذي يبين مكامن القوة والضعف، والمحاسن والمثالب، دون تزيّد أو مبالغة.

لقد بذل المعتقلون أنفسهم نضالاتٍ جريئة، عبّروا من خلالها عن إرادتهم القوية، في تحويل ظلام السجن، وعتمته، إلى نور الثقافة والوعي الوطني، وحياة البذل والعطاء، والمشاركة الفاعلة في بناء الإنسان والوطن ومؤسساته.

في القسم الأول من الكتاب، يتحدث الباحث عن فن الرسالة في تجربة المعتقلين الفلسطينيين، باعتبارها نافذة أمل وحياة، وعن أغراض الرسالة، وتوجهاتها، مشيرا إلى بعض الرسائل التي شكلت نصوصا أدبية متميزة.

وفي القسم الثاني، يستعرض الباحث تجربة التعليم الذاتي للمعتقلين الفلسطينيين، وإصدارات المجلات والنشرات.

وخصص القسم الثالث لموضوع الصحافة العبرية، في تجربة معتقلينا التي تطورت من حالة العفوية، إلى مرحلة النضج، مبرزا الملامح الثقافية والصحافية، والتفاعلات الداخلية التي أحدثتها الصحف العبرية، ومشيرا في الوقت ذاته إلى الصحف التي وصلت المعتقلين، واخترقت الحصار، مع تقديم نماذج إيجابية من المعتقلين الذين تمكنوا من إتقان العبرية، واستثمار هذه المعرفة الواعية، سواء داخل المعتقل، أو خارجه.

وتضمن القسم الرابع ورقة بحثية حملت عنوان: (علاقة الفرد بالجماعة في تجربة المعتقلين الفلسطينيين).

أما القسم الخامس والأخير من الكتاب والذي حمل عنوان:(تأملات في التجربة)، فقد تميّز بنصوص أدبية إبداعية، تسرد تجارب حية للكاتب وأصدقائه الذين رافقوه في محنة المعتقل، وعذاباته ولا سيما التهديد والوعيد بالإبعاد عن الوطن، والمرافعات القوية التي قدمها المعتقلون في محاكم الاحتلال.

وضم هذا القسم أيضا قراءاتٍ ثقافية وتحليلية لمجموعة من الإصدارات الأدبية التي ألّفها المعتقلون المبدعون ومنهم: عيسى قراقع،وحسن عبد الله،وناصر اللحام،وحاتم شنار، وحافظ أبو عباية،ومحمد البيروتي، وصالح أبو لبن، ومليحة مسلماني، وفهد أبو الحاج، والشاعر المناضل المرحوم محمد علي الصالح، وأبو علي شاهين ومحمد القيسي.كما كتب الأديب حسن عبد الله عن شخصيات متميزة تعرف عليها في المعتقل، وأخرى كان لها حضورها الفاعل مثل: الشاعر سميح القاسم، وزياد أبو عين، وغيرها.

وختاما، فإنني آمل أن يتمكن المواطنون و الطلبة والشباب من الاطلاع على هذا الكتاب وقراءته، والاستفادة من المعلومات القيمة التي يقدمها، فقد بذل الكاتب جهودا كبيرة في تأليفه، وتقديمه للقراء بهذا المستوى الرفيع والجميل. و أتمنى للأديب الدكتور حسن عبد الله مزيدا من العطاء الإبداعي و الثقافي المتواصل.


مشاركة منتدى

  • ** انتظار ....!!**
    ********************
    بقلم: عبد السلام العابد

    أنهَت إعداد مائدة الإفطار الرمضاني، وجلَسَت إلى جانب النافذة المطلة على حديقة المنزل، بانتظار اكتمال حضور أفراد الأسرة، وسماع صوت المؤذن.
    لفتت انتباهَها أشجارُ الحديقة، ونسيمُ الغروب يداعب ذؤاباتها العالية، فتميل قليلا، وتنحني، وتعود ثانية للاستواء. وثمة أزواج من الحمام، وبلابل وعصافير متنوعة، تنهي تحليقها الأخير، في الفضاء، قبل أن تأوي إلى أعشاشها الدافئة. تنهدت من أعماق قلبها، وهمست: الله يرضى عليك، يا ابني.
    كم كانت تمنّي نفسها، بأن يتحقق حلمها، وأن يعود ابنها المغترب؛ طلبا للعلم، وأن يشارك إلى جانب أفراد أسرته، في تناول إفطار رمضان الشهي، في الوطن!!!.
    طبخت اليوم الأرز مع الملوخية، والدجاج المحمّر، كم كان يحب هذه الطبخة!!. كان يشم رائحة الملوخية، من مكان بعيد، وما أن يدخل المطبخ، ويرى الطنجرة على الغاز، حتى يقترب منها، ويشمّ رائحتها بعمق، ويقول وهو يفرك راحتي يديه بجذل: ما أشهى رائحتك، يا ملوخية حقول بلادنا الجميلة!!، سلمت يداك، يا أمي.
    مضت خمسُ سنوات على غيابه عن مائدة رمضان، كانت تضع كرسيه و صحنه، وملعقته، وتتخيله جالسا مع إخوته.
    هذا العام، كانت الأسرة على موعد معه؛ للحضور إلى البلد، وجاء صوته عبر الهاتف ضاحكا مستبشرا: في بداية رمضان، سنلتقي، سأمضي صيام الشهر كله، وإجازة عيد الفطر السعيد، في فلسطين، وسأغادركم فترة قصيرة من الزمن، وأعود لكم حاملا شهادة الطب ، بامتياز.
    حجز مقعدا له، في الطائرة، قبل شهر من موعد عودته، وكنت أستعجل مرور الليالي والأيام؛ لألقاه، وأضمّه إلى صدري، وأشمّ رائحته العبقة، وأبحر في عينيه السوداوين العميقتين .
    وواصلَت استرسالها في حديثها الداخلي، وصعدت من صدرها آهة حرّى: آهٍ...آه ..!!. لم يتحقق الحلم، حدث في العالم زلزال، خلخل كل شيء، هاجَمَنا فايروس الكورونا، فأغلقت الدولُ كلّها أبوابَها، وتم إلغاء مواعيد السفر، وربضت الطائرات في أماكنها، وخلا الفضاء الرحب منها، وأنّى لمغتربٍ حبيب، أن يأتي وهو بعيد عنا، آلاف الكيلو مترات، وفي قارة أخرى؟!!.
    تتصل به يوميا، تسمع صوته، وترى وجهه الحبيب، عبر الكاميرا، توصيه: حافظ على نفسك، التزم بعدم الخروج، إلا للضرورة القصوى، غسّل يديك، وعقمهما، تغذَّ جيدا، تحاول أن تصبّره، وهو بدوره يطمئنها: لا تقلقي، يا أمّي، أنا وزملائي في السكن بخير، ونتعاون معا.
    تُحدِّث نفسَها: ما أشدَّ صعوبة تشتت أفراد الأسرة، في ظلّ المصائب والحروب والكوارث، وانقطاع المواصلات!!. ليت الغائبين موجودون معنا، نجوع، ونشبع، ونحزن، ونفرح معا!!.
    وقبل أن يعلوَ صوت أذان الغروب،معلنا انتهاء يوم رمضاني، رنّ هاتفُها، و ردت: أهلا بك ، يا ابني، بشّر ..!!. أجابها: سجّلت اسمي مع الراغبين في العودة الاضطرارية، قريبا سأكون عندكم، ولكنني سأخضع للحجر المنزليّ.
    قالت وعصفور الفرح يغرد في صدرها:الحمد لله، المهم أن تصل البيت، ونفرح بوجودك معنا،يا حبيبنا الغالي..!!.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى