الاثنين ٢ آب (أغسطس) ٢٠٢١
بقلم رياض كامل

«جوبلين بحري» قراءة تأويلية

مقدمة
تولي نظريات جماليات التلقي أهمية كبرى للّقاء بين القارئ والنص، ولما ينشأ عنه من تأثير وتأثّر متبادل أثناء عملية القراءة، وترى أنّ القارئ النموذجي، كما يسميه ألبرتو إيكو، هو القادر على تأويل النص وربطه بما سبقه من إنتاج، اعتمادا على ثقافته وتجربته ومهارته في ملء ما يسميها فولفجانج إيزر "الفراغات" التي يتركها النص. وهي تأخذ بعين الاعتبار خصوصية كل أدب وكل أديب، دون عزلهما عن البيئة الاجتماعية والسياسية والجغرافية. وتعمل على إبراز الجديد في العمل الأدبي وتحديد خصوصياته، وتناوله من جوانب متعددة.

وجد أصحاب هذه النظريات أنّ النص يبقى ميتا حتى يأتي قارئ ويعيده إلى الحياة، وهم بذلك يعيدون الاعتبار إلى القارئ/المتلقي بعد أن غبنته المناهج الكلاسيكية، التي اعتمدت في التأويل على "سلطة" المؤلف؛ سيرته الذاتية، بيئته، محيطه ومسيرته. ولمّا ظهرت البنيوية، منتصف القرن العشرين، أدخلت عدة تعديلات على المفاهيم الأدبية، وجعلت النص مركزا للتأويل، وتبنّت مواقف مناقضة كليا للنظريات التقليدية تجلّت في إعلان رولان بارت "موت المؤلف"، كرد فعل لما كان من قبل دون أن تولي هي الأخرى أهمية للمتلقي ودوره. لكنّ أصحاب نظريات جماليات التلقي فيرون في القارئ/ القراء السلطة القادرة على بناء المعنى، وإحيائه من خلال الكفاءات الموسوعية والمعجمية واللغوية التي تجعل النص يتجدّد مع كل قراءة.

كل رواية، مهما اختلف موضوعها، هي عمل فني يمزج بين الواقع والخيال. وكل عمل روائي من شأنه أن يثير تساؤلات لدى القارئ، قبل القراءة، وأثناء عملية القراءة وبعدها. وأمّا التساؤلات الشرعيّة والمشرّعة على أبواب عدة فهي: كيف نستقبل رواية جديدة لكاتبة جديدة؟ وهل علينا، كما هي العادة أن نقارنها بروايات سابقة لها؟ وهل تمكّنت من جذب القارئ وخلق حالة من التأثير في العقل والوجدان؟

نحاول من خلال هذه المقالة أن نجيب على هذه الأسئلة وعلى غيرها من خلال محاورة رواية "جوبلين بحري" الصادرة حديثا (2021) للكاتبة دعاء زعبي خطيب، التي كانت قد أصدرت من قبل مؤلَّفا أدبيا بعنوان "خلاخيل" (2017)، لفتت فيه الأنظار قدرتُها على تجنيد لغة غنيّة وثريّة، مع ميل إلى السرد القصصي الجذّاب. يبدو أنّ نجاح هذا الكتاب دفعها إلى خوض تجربتها الجديدة، بعد أن قامت مجموعة من النقاد بدراسته وتحليله.

تقوم هذه الدراسة بمعالجة الرواية بإيمان عميق أنّ المتلقّي هو ندّ للمؤلّف، ولكن دون تحييد أي "سلطة" من "السلطات" الثلاث: القارئ، النص والمؤلف في تعاضدها معا. فالمؤلِّف يبدع النصّ ويتركه للقارئ الذي يقوم بإحيائه من خلال عملية التأويل التي تتناوله من زوايا عدة، دون إغفال التاريخ والجغرافيا والبيئة المحيطة بكل مركباتها.

تمهيد

أن تكتب رواية يعني أن تفتح عيونك العشر على الأرض والسماء، وما يحتويانه من نجوم وذرّات تراب، وعلى ما يحتويه البحر من أسماك وأصداف، وأن تبنيَ وترسمَ شخصيات تعيش تناقضات الحياة. على الروائيّ أن يُصيخ لأنين شخصياته ويتنبّهَ لتفاصيل وجوهها، وأن يغور في اندفاع غرائزها في كل تجلّياتها. وأن يكون رسّاما ونحّاتا وسيكولوجيّا ومسرحيّا يُحيط بالخارج والداخل، ويلمّ بكل مركبات الديكور (الفضاء) من زركشات ونمنمات، وأن يتنبّه لتحرّكات الجسد وهو يثور ويمور ويقفز ويغضب ويهدأ، وأن يقوم بتأثيث كل لحظة وكل ومضة، حتى تكتمل ما تسمى لعبة الإيهام بالواقع، للانتقال من عالم الواقع نحو عالم الرواية التخييليّ. على الروائي، أيضا، أن يضبط الزمن، وأن يحرّك الأحداث وفق منطق زمني سليم. وأن يحبكها بخيط حريريّ جميل ومتين.

الرواية تكوين لغويّ، واللغة ثروة يجب قيادتها بمهارة فارس يمتطي حصانا أصيلا يقوده بحنكة في كرّه وفرّه، وإقباله وإدباره. واللغة فرس شَموص تأبى الانقياد إلا لمن يعشقها. فكل نص روائي هو عبارة عن جوبلين لغوي. فهل نُسجت "جوبلين بحري" نسجا سليما؟ وهل تمكنت الروائية من الإبحار في دنيا الرواية؟

نجحت رواية "جوبلين بحري" الصادرة حديثا، في لفت أنظار القرّاء العاديين وبعض القرّاء المتمرّسين، فأقيمت حولها عدة ندوات، وشارك فيها عدد من الدارسين، ونشرت حولها بعض الدراسات رغم أنها جديدة العهد. وهي، برأينا، جزء من جوبلين فلسطينيّ يعالج قضايا هامة من أهمها المواجهة بين الذات والآخر.

يدور الصراع في "جوبلين بحري" في ساحة الفكر والثقافة، طرفاها شابة جامعية عربية فلسطينية طموحة من مدينة يافا تدعى ميار يوسف، ومحاضرة جامعية يهودية صهيونية تدعى سارة فنكلشتاين، كانت السبب في إبعاد ميار عن حقل الدراسة الأكاديمية، بحجة أنّها لا تصلح إلا للزواج والإنجاب.

كان على هذه الفتاة، وحيدة والديها، أن تتركهما وأن تترك مدينة يافا/ الوطن، فالحرب كرّ وفرّ، وأن تلتحق بجامعة ألمانيّة في مدينة برلين، لتعود بعد خمس عشرة سنة مدججة بشهادة دكتوراه لتهشّم صاحبة الأنف الاستعلائي التي اعتادت، بحكم كون المحاضرة الخصم، سارة فنكلشتاين، كابتن طيار سابقا، أن تنظر من أعلى إلى أسفل، وأن تقذف بحمم طائرتها أبناء شعب ميار يوسف ابنة يافا.

حددت ميار الهدف؛ تحقيق الذات علميا وثقافيا وفكريا، ومن ثم الانقضاض على الخصم وتحطيم النظرة الفوقية، وكان لها ذلك مواجَهَةً في مؤتمر علميّ أقامته الجامعة، تكون فيه ميار الفلسطينية وسارة الأستاذة اليهودية ضيفتين ندّين على منصة المحاضرين. تلقي ميار محاضرتها وقد ضمّنتها رسائل تستعيد فيها موقعها ومكانتها، وتقابَل من الحضور ومن طلابها بتصفيق حار.

تسير الرواية في أكثر من اتجاه واحد، تجعلنا ننظر إليها من زوايا مختلفة؛ فهناك قصة ميار الشخصية المركزية، وهناك قصة حلا الصبية السورية، وهي بحد ذاتها قصة جذابة ومؤلمة، وترتبط بقصة ميار بخيط متين. وهناك فضاءات عدة، ولغات عدة، وتقنيّات متعددة لتنويع السرد. تقوم هذه المقالة بدراسة الرواية من خلال صياغتها ونسيجها الزمني والمكاني واللغوي وربطها بالرواية الفلسطينية القديمة والحديثة، ونقاش فكرتها المركزية عبر لقاء الذات والآخر، ووجدتْ من الأهمية بمكان أن تولي العنوان وصورة الغلاف الاهتمام اللازم وتحليل دلالتيهما بإيجاز.

العنوان ودلالاته

لا يمكننا الحديث عن العنوان بمعزل عن مركبات الغلاف و"عتبات النص"، التي تحدّث عنها جيرار جينيت باعتبارها نصوصا موازية للنص الأصلي. ولكنّنا سنكتفي بالحديث عن العنوان والغلاف، فالقارئ يلتقي بهما مباشرة قبل ملامسة الصفحات الأولى للكتاب. إنه لقاء في غاية الأهمية وقد يكون دافعا للقراءة أو عاملا منفّرا. إنّ هذه العملية بمثابة لقاء بين آخِر ما يقوم به المؤلِّف وأول ما يقوم به المتلقي، إذ ما أن ينتهي المؤلِّف من كتابة آخر كلمات في النص حتى يبدأ بالبحث عن عنوان يشير بإيجاز شديد إلى المضمون الكلي للنص وتوجّهه وهويته، فقد يكون العنوان رمزيا وشفّافا، وقد يكون غامضا ومراوغا، وقد يكون مباشرا، وقد يكون مخالفا لمضمون النص ورسالته.

يُعتبر العنوان المركَّب الأول والأهم في "عتبات النص" لأنه يتواجه مع القارئ مباشرة قبل أي مركَّب آخر، ويلازمه منذ الملامسة الأولى حتى إغلاق الصفحة الأخيرة للكتاب، وما يتلو ذلك من تساؤلات حول العلاقة بين مجمل النص والعنوان. لذلك فإنّ تأويل العنوان يجري على أكثر من مرحلة، هو الآخر، وفق الترتيب التالي: المواجهة الأولى التي تسبق ملامسة الصفحة الأولى من الكتاب، فالمواجهة الثانية أثناء عملية القراءة، وما يرافق ذلك من تغييرات في وجهة نظر القارئ، ثم المواجهة الأخيرة بعد الانتهاء من القراءة.

يدهمنا العنوان المركب من كلمتين، وتفاجئنا كلمة "جوبلين"، مما يثير القارئ ويدفعه للبحث عن مفهومها المباشر، وعن دلالاتها وأبعادها، وعلاقتها بالكاتبة وبالأحداث. فالعنوان هو حلقة الوصل بين المؤلِّف والقارئ من جهة، وبين القارئ والنص من جهة أخرى. وبما أنّ الجوبلين هو نوع من النسيج فإنّ المتلقي سيبحث عن نوع هذا "النسج" وعن العالم الذي سيأخذه إليه. أما وأنّ الجوبلين بحريّ ففي الأمر سفر وحركة وغربة، لأن البحر عند أهل فلسطين والعرب عامة يوحي بالبعد والهجران والشوق والمغامرة، أو بالضياع أحيانا. وهذا ما يتحقّق منه المتلقّي بعد الانتهاء من القراءة. فما تتعرض له ميار في جامعتها الأولى في البلاد من ظلم وغبن، يقودها إلى السفر إلى برلين، حيث تعيش هناك وتدرس في إحدى جامعاتها، بعيدا عن الأهل والوطن والبحر والحبيب، يلازمها اشتياق لا يبرحها حتى تعود، ولكنّها تنسج حياتها ومستقبلها بألوان متعددة غربيّة وشرقيّة، وتكتسب ثقافات متعدّدة، وتحمل شهادة تجعل منها شخصية أخرى أكثر نضوجا واكتمالا.

يجذبنا شكل الغلاف ومركباته كلها، ويكون اللقاء مثيرا حين تقع العين على صورة مفتاحين تحت العنوان مباشرة، وعلى صورة مدينة بحريّة على الغلاف الخلفيّ. كل هذه المركبات وغيرها يكشف سرَّها طابعٌ بريديّ نقش عليه اسم يافا بأحرف إنجليزية، ما يدل على أنّ هذه يافا وهذا بحرها.

الغلاف بشكله وبمركباته لافت جدا للانتباه، وهو بحد ذاته عمل فنّيّ جميل ينمّ عن موهبة وظّفها صاحبها في بناء غلاف مثير وجذّاب، وبما أنّ العنوان هو "جوبلين بحري"، فقد جعله المصمّم بلون البحر، يستطيع القارئ أن يتحسس حروفه الناتئة الملساء الناعمة. وأمّا المفتاحان فهما صورة طبق الأصل عن شكل مفاتيح البيوت الفلسطينية ولونها، تلك المفاتيح التي ما زال أهلها يحتفظون بها حتى اليوم، وهما يثيران في دلالتهما وجدان القارئ الفلسطيني، ويستدعيان صور التهجير والأمل بالعودة. فكان ذلك كلّه بمثابة دعوة محفزة على فتح مصراعي الباب/ الكتاب واستقبال الصفحة الأولى وما يليها من الصفحات.

بعد التحديق والتمعّن في شكل المفتاحين تبيّن أنهما مربوطان بحلْقة دائرية، رأى المتلقّي فيها، بعد الانتهاء من قراءة الرواية رمزا شفّافا يجمع بين ميار وحبيبها نديم اللذين التقيا في نهاية الرواية في يافا وقرّرا متابعة الطريق معا. والغريب في الأمر أنّ ملامسة المفتاحين تكاد تكون ملامسة حقيقية لمفتاحين معدنيين، فهل قصد مصمم الغلاف أن يفعّل بعض حواس القارئ؟!

إنّنا نرى أنّ العنوان لوحده لا يقودنا مباشرة إلى معرفة الموضوع الرئيسي للرواية وتوجّهها الفكري، لأنّه عنوان مراوغ. أما بقيّة مركبات الغلاف الأمامية والخلفية فهي في اجتماعها معا تأخذنا إلى مدينة بحرية، وإلى غربة وأمل بالعودة، وإلى لقاء الحبيبين بعد غربة. لا ندّعي أنّ هذا التأويل مقدّس، فقد يرى غيرنا دلالات أخرى، وقد يذهب في تأويله مذاهب أخرى، لكنّ القارئ لا يستطيع أن يتغاضى عن صورة يافا والطابع البريدي الذي يشير إليها بوضوح، وسيرى لون البحر ترابيا نتيجة انعكاس صورة بيوت يافا على صفحة الماء، واندماج هذه المركبات وانصهارها معا. وستتكشّف أسرار بعض رموز الغلاف بعد الانتهاء من عملية القراءة. نترك لكل متلق أن يقول في ذلك ما شاء، شرط أن يربط بين كل مركبات الغلاف والعنوان، وبين ما جاء في النص كاملا.

فضاء أم فضاءات

تحتفي الرواية الفلسطينية بشكل عام بفضاء فلسطين؛ القرية، البيت، الأزقة، الأرضِ، الحقل، المخيّم وكلِّ ما يتعلق بهذا الفضاء من إنسان وحيوان ونبات، وما يتلوه من عادات وتقاليد ولغة.

تحفل "جوبلين بحري" بأكثر من فضاء: يافا، الشام، برلين وجنوب إسبانيا وغيرها، مما استدعى لغة غنية تتجاوب مع التعدد الفضائي بمركبيه المكاني والزماني، انعكست في توصيف أمكنة متنوعة المعالم والثقافات، كما في وصف الملابس والأسواق والشوارع والأزقة وهندام البيت والأماكن التجارية الكلاسيكية والحديثة، والبحر في موقعين مختلفين: يافا وجنوب أسبانيا، فكان الوصف جزءا هاما ومركَّبا رئيسا من مركبات الخطاب الروائي، فالفضاء مركب لغوي بامتياز.

يستطيع القارئ أن يميّز بين فضاءين مغايرين تماما، هما فضاء يافا وفضاء برلين، بينما سيجد الكثير من التشابه بين فضاء يافا وفضاء الشام، بكل ما يعنيه الفضاء من مركَّبات ومن أبعاد. فشكل مقاهي برلين وشوارعها وبيوتها يحمل صورة لمدينة غربية حضارية ساحرة، تفرض على ساكنها أن يكون جزءا منها ومن عاداتها وتقاليدها وأسلوب عيشها في الليل والنهار، وبالذات في الحياة الفردية المستقلة "الحرة". أما مقاهي الشام ويافا وأسواقهما فهي مقاه شعبية وأسواق يفوح منها عبق الماضي وسحر الشرق، وفي كلتا المدينتين عائلة تتوق إلى عودة ابنتها، فأهل يافا في انتظار ميار، وأهل الشام في انتظار حلا. وبناء عليه لا بد من إثارة سؤالين يكمل أحدهما الآخر: لماذا اختارت الروائية أن تكون البطلة من مدينة يافا بالذات؟ ولماذا نقلت الصراع من جامعة إسرائيلية إلى جامعة برلين الألمانية تحديدا؟

يافا هي المدينة العريقة، التي ربطت فلسطين بدول العالم، والتي ذُكرت في كتب التاريخ مدينة تبثُ الحضارة إلى الشرق والغرب. يافا المدينة التي فاقت كثيرا من مدن العالم بجمالها، ونافست الكثير من العواصم العربية والغربية. هذه المدينة العريقة الجميلة التي تختصر جمال فلسطين هُجّر معظم أهلها وبقي جزء بسيط من ساكنيها يصارعون من أجل البقاء في أحيائهم الفقيرة دون أن يتنازلوا عن بحرهم الذي يربطهم بالعالم الواسع. يافا وبرتقالها وتاريخها وتراثها وحضارتها رمز فلسطيني بامتياز. يافا التي فتحت أبوابها وشرّعتها للجميع يلتقي فيها الشعر والرسم والنحت والغناء، باتت مدينة فقيرة يتشبث أهلها بها وبماضيهم.

يافا فضاء رواية "راكب الريح" الرئيسي ليحيى يخلف، ويافا أحد فصول "عائد إلى حيفا"، لغسان كنفاني، ويافا فضاء هام في رواية "عليّ قصة رجل مستقيم" لحسين ياسين، ويافا التي تغنى بها الرحابنة وكبار الشعراء. وهي في عين ميار وأهلها وسكانها ند معادل لبرلين العريقة. يافا فلسطين التي يجب أن تعود إلى سحرها لتلبس ثوب عرسها، ولذلك كانت العودة، عودة ميار، بعد خمس عشرة سنة وكان اللقاء بالحبيب، وكان البحث عن اسم لوليدتهما التي قد تولد يوما ما؛ حلا أو يافا، أو إن شئتم "حلا يافا" في تآلف الاسمين معا، نصوغه بناء على ما توحيه الرواية. من هذا الرحم بما تمثّله من مكانة ومن رموز ودلالات غنية تخرج ميار. وميار بالعربية جالبة الخير، وبالفارسية ضوء القمر، وبالتركية وردة الجنة. وحلا رمز للشام ومعاناتها، يلتحم المكانان ويتشابهان في الماضي والحاضر، ويلتحم الأبناء في الألم والأمل.

أما في برلين فتلتقي شعوب عدة، وطلاب من جنسيات مختلفة. برلين المدينة التي فتحت أبوابها لكل الفنانين، كما جاء في الرواية، يلتقي فيها يلتقي طلاب من كل الأقطار العربية والأجنبية. وكما يحدث في حواضرَ أوروبيةٍ أخرى يلتفّ الطلاب العرب الغرباء حول بعضهم هنا، غير محاصرين بأنظمتهم وقيودها، ينفتح لهم أفق التحرر، فيحلّق الفكر وتحلّق الروح، ويصبح العربي إنسانا سويّا متحرّرا من أغلال النظام والعادات والتقاليد. هنا يستطيع أن يشعر أنّ السماء مكان للتحليق، فيغدو ندّا للآخر، ندّا واثقا بذاته وبقدراته، متحرّرا من عقد النقص التي ترافق العربي حين يولد في أي قطر عربي.

وبما أنّ كل نص يمكن الولوج إليه من زوايا تأويلية عدة لذا قد يكون الدافع لدى الكاتب الضمني أو "الأنا الثانية" (كما يسميها الكاتب البريطاني وين بوث) هو تذكير الطرف الآخر، ممثلا باليهودية سارة فنكلشتاين، أنكِ هنا في برلين وفي ألمانيا غُبنتِ، وظُلم شعبُك ذات يوم، فمن كان الضحية وجرّب الغبن والضيم عليه ألّا يتحول إلى جان وظالم. هنا جربتِ أنت وشعبك ما معنى النظرة الاستعلائية، والنظرة الفوقية، فكنت الضحية، واليوم تمارسين أنت على غيرك نظرية الاستعلاء.

هذه الأمكنة المتعددة فرضت على الكاتبة أن تعمل على تأثيثها تماما كما يعمل المختصون في تأثيث ديكور المسرح وتجهيزه بأغراض تحمل هوية المكان وما عليه من بشر وشجر وحجر. فبيت يافا ليس غرفة ميار في برلين، رغم أن الساكن هو نفسه، لكن لا بد من وجود بعض الأغراض التي يمكن أن تنقلها ميار حيثما تتحرك. وكذلك اللغة تتبدل وتتغير وفق متطلبات الأمكنة والشخصيات، كما سنوضح أدناه.

وبما أنّ للمكان دورا هاما في حياة الإنسان فإنّ ميار تأخذ من يافا ومن برلين ومن حضارتيهما وتراثهما. ولما كانت يافا هي الأصل فقد عادت ميار إليها ولكنْ أكثر قوة، وأكثر نضجا. عادت لتحتضن يافا مدججة بفكر وثقافة ورؤية مستقبلية عميقة تؤهلها لمتابعة المصير أكثر ثباتا.

لغة أم لغات

اللغة في العمل الأدبي، وفي الرواية تحديدا، ليست مجرد وسيلة تعبيرية، وليست مجرد أداة توصيل. وهي هوية اجتماعية تحمل مواصفات الناطق بها، تتبدّل وتتغيّر وتتلوّن وفق الحالة النفسية للشخصية، والموقف الذي تواجهه. وهي، في العمل الأدبي، انتقاء لمفردات لها معناها الحرفي في المعجم يتصيّدها المؤلِّف من بحر اللغة ويصوغها بصورة تلائم موقعها الجديد في النص. واللغة منجَم من ذهب، لكن ينقصها السبك والصياغة حتى تقع بين يدي المبدع الذي يصهرها ويسبكها حسب متطلبات الموقف كي تتمكن من مخاطبة المتلقي فتغريه لمتابعة القراءة واكتشاف كنوز النص ومعانيه.

إننا نرى أنّ دعاء زعبي خطيب قد تمكنت من توظيف لغة شاعرية غنية ساهمت بشكل فاعل في ترسيم خطوط الخطاب الروائي في مجمل مركباته، وذلك على صعيد السرد والوصف والتشخيص. ولنا على ذلك أمثلة عدة، ففي رسالة ميار إلى سارة خشونة وتحدٍّ ينمّان عن شخصية قوية تحمل همّا وألما في النفس عميقين، وفي لهجتها عنفوان شابة مقاتلة وعنيدة: "أراكِ الآن تحدّقين في السطور، تلتهمين حروفها النارية بنهم مسعور دون أن تفكري حتى في هضمها وكأنّ الأمر لا يعنيك أو يشغل لك ذرة بال. نصيحتي لك أيتها السيدة أن تأخذي نفسا عميقا ولا تتعجلي بلعها. فحروفي ستكون حارقة هذه المرة وأنا لا أريدك أن تصابي بقرحة تأتي على كامل الجدران في معدتك". (ص7)

هذه اللغة لا تحمل كلمات غريبة عن معاجم اللغة، لكن ما يهمنا هو عملية جمع هذه المفردات في هذا الموقف لتخلق دلالات وأبعادا تصور موقفين؛ موقفَ الأنا (الشخصية المركزية في هجومها) وشخصيةَ الآخر، الخصمَ المخاطبَ (شخصية سارة). الأولى تهاجم بحرقة وتحدٍّ والثانية تستقبل سياط الكلمات كما تتخيّلها ميار، التي لم تعد بعدُ تحت رحمة خصمها. وهنا يأتي دور المتلقي الذي يتخيّل ميار في استشاطتها واندفاعاتها الشبابية، وسارة الخصم في تلقف هذه الضربات الكلامية. إنّ القارئ ليرى مدى أهميةِ استعمال ضمير المتكلم هنا بالذات، وهو الضمير الذي يجعل المتلقي يشعر أنّ الصبية تعبّر عن خلجات قلبها وعن مشاعرها بصدق، وأنّه بإزاء مواجهة حادة تنال فيها الأنا من الآخر في لعبة تشبه لعبة القط والفأر؛ تهاجم ميار سارة فنكلشتاين، تقذفها مرة من جهة اليمين وأخرى من جهة اليسار، تنتظر قليلا لتشاهد رد الفعل ثم تعود من جديد لتصوّب لكماتها فيتكرر المشهد عدة مرات حتى تنال منها، في عملية انتقام واسترداد للحق.

أما اللغة الأخرى فهي لغة ميار الرومانسية، التي حرّكها البحر وأثار مشاعرَها وهي تتذكر يافا، ويافا هي عروس البحر، وهي الوطن المكلوم، وهي الأهل والذكريات. يافا بلدُ الأحلام، وبلدُ العاشق والمعشوق، هناك نديم وذكرياتُ شابّةٍ مغرمة، فانسابت اللغة حالمة، سلسة، حروفها موسيقية يُسمع خرير مائها الرقراق يتجلّى في زيّ فلسطيني أثير على قلب الروائية، كما هو أثيرٌ على قلب ميار: "لم أنس يوما حلو لقائنا الأول. فتراني أحلم بك عائدا من خلف مصادفة جمعتني بك على شاطئ يافا. مصادفة شتّتتها أمواج الغربة وابتلعتها رمال السفر بسراب أصفرها. وكأنّي أراك الآن قادما من بعيد. من عمق ذاكرة البرد والمطر وشتاءٍ راحل وآخر أدركني من جديد. تغرق في معطفك الصوفيّ الطويل وشالك الحريريّ الأحمر، تلوّح لي بزجاجة عطر حملتها لي يداك، وابتسامة حضنتها شفتاك، وفي فمك صفير مراوغ لعاشق يعرف كيف يمتلك خزانات الذاكرة ويحتل مساحاتها بأبدية حضوره. ها هي الفصول جميعها تتقلب في عينيك، نارا وجمرا ورماد ليل. أراها الآن بقلبي، أسمعها بنبضي، تثور، تمور، تحتضر، لتزهر من جديد نرجسا وفلا أبيض وآبار حب. فمن خلف ربيع فاضت ضفافه وردا وأقحوانا وأسرارا خضراء، ومن صيف بنينا قصورا على رمل شطآنه المزروعة بالنوارس البيضاء والقواقع التي تكسّرت جنباتها استعدادا للرحيل، ومن مواسم الخريف المترعة بالطل والورق الأصفر، ألمح طيفك يناديني". (الرواية، ص131)

كل حرف في هذه الرسالة ينبض حبا وعشقا واشتياقا لحبيب ووطن وأهل، فقد استجابت اللغة لتحمل صورة فتاة تفتح قلبها بعد أن سدّت أبوابَه، فانفجر بركانَ عواطفَ تحرّكه الغربة ويشعله الحنين، فإن كنّا قد تعرفنا على الجانب "الخشن" المتحدي من شخصية ميار فإنّ هذه الرسالة تبيّن الجانب الآخر من شخصيتها. ولكنّها، في الحالتين، تنمّ عن ألم وأمل، وجع وفرح، وفرج بعد شدة. تتوالى الأفعال والمفردات والتعابير من عالم صبية عاشقة محبة: "يداك... ابتسامة حضنتها شفتاك... نارا وجمرا ورماد ليل... أراها الآن بقلبي، أسمعها بنبضي، تثور، تمور". وينهال الورد وتتبدل الفصول.

لا تحتمل هذه المقالة الحديث عن الوصف ودوره الهام في هذه الرواية، لكنّنا نرى أنّ هذا الوصف لا يوقف حركة السرد لأنه استشراف لما سيحدث قريبا، وإشارة إلى فرج بعد شدة، وتعبير عن إنسان محبّ للحياة؛ هي ميار التي تؤكّد أنها ما زالت تحمل روح الأنوثة، وعبق الماضي وذكرياته الأثيرة على القلب.

هاتان رسالتان من امرأة واحدة، في حالتين مختلفتين ووضعيتين مغايرتين، تحملان صورة فتاة فلسطينية عنيدة، قويّة، متحدية وطموحة، وفي نفس الآن رومانسية، عاشقة تحلم بحياة تجتمع فيه مع حبيب يبنيان بيتا تتبدّل فيه كل جماليات الفصول.

تستجيب اللغة للموقف وللحالة النفسية، ما يذكرنا بدراسات ميخائيل باختين في هذا المجال وهو الذي تحدث عن تعدّد اللغات وفق الموقف والمكان والزمان، لأنّ الإنسان ليس ذاته في كل الحالات وعلى الروائي أن يتنبه إلى ذلك.

وهناك لغات أخرى في السرد وفي الوصف بشكل خاص، وللوصف أكثر من دور، وهو في بعض حالاته يدخل في العمق، وفي بعضه وصف للخارج، ولكنّ اللافت أنّ الوصف حين يرد على لسان الراوي فإن ميار موجودة بين حروفه، وكأنّ الراوي تقمّص روحها، فهو رومانسي حالم حين يصف الحبيب ويافا والأهل، وهو حارق حين يصف ليالي ميار في غربتها، وهو يحمل نكهة يافا أحيانا، ونكهة برلين أحيانا أخرى. وهكذا السرد، أيضا، متلوّن في صوره ومفرداته ودلالاته، فيه صور لعوالم عدة؛ الشرق والغرب، وأبناء الوطن الذين ذاقوا مرارة التهجير ووجع النكسة، وفيه لغة الشباب وهم يكافحون في سبيل بناء مستقبل أفضل، وفيه لغة الشاب المثقف، ولغة العجوز المجرب، والأم الحنون والأب المشتاق. يتلون الوصف الداخلي ويتبدل، كما يتجلّى في ارتفاع منسوب الأمل والألم وانخفاضهما عند الشخصية الرئيسية وشخصيات أخرى.

تحدثنا أعلاه عن فضاءات متعددة، وأشرنا إلى التشابه الكبير بين فضائي يافا والشام، ومع ذلك فلكل مدينة روحها ونكهتها. وقد كان لافتا تلك اللغة التي تأخذ القارئ نحو الشام وأجوائها، كما نرى في النص التالي: "... إلى قمر الدار وهو يداعب بنوره ياسمينة الساحة الخلفية... إلى شكاوى المطر وهو ينقر زجاج النوافذ بمناقيره مالئا بخيراته وبركاته زواريب حي الصالحية وأزقتها، إلى سمفونية بائع شراب الورد وهو يجوب منطقة الميدان ينادي "تعا بورد تعا بورد يا حباب"، لصوت بائع الذرة المسلوقة... وهو يطلق لصوته العنان مناديا "بيضا هلأ استوت"...". (ص70)

رغم التشابه بين الفضاءين إلا أنّ بحر يافا هو الأبرز، وهو الخيط المتين الذي يجمع بين الحبيبين وبين الماضي والحاضر. نترك للقارئ أن يرى إلى يافا وإلى بحرها، وإلى فضائها بكل مركباته، وإلى تجاوب اللغة في تشخيص صورتها.

لقد تعدّدت اللغات وتعدّدت الأصوات، وفق نظرية ميخائيل باختين الذي يرى أنّ شرط نجاح الرواية هو خلق رواية ديالوجية (حوارية)، تتصارع فيها الأصوات وتتعدد فيها اللغات، لا رواية مونولوجية وحيدة الصوت. هذا التعدد يجعل المتلقي يتناسى نبرة الوعظ التي لا تتلاءم مع جمالية اللغة ودرامية الحدث المركزي.

تيار الوعي وتهشيم الزمن

لا يمكن الحديث عن تيار الوعي دون ربطه بتهشيم الزمن، فما يميز هذا الأسلوب السردي هو اعتماده على التركيز في الحالة النفسية للشخصية الروائية، وما يدور في ذهنها، عبر تقنيّات التداعي وانسياب النص وتحرّك الزمن بين الحاضر والماضي دون ترتيب زمنيّ متسلسل، ومن عادة مثل هذه الروايات أن تقوم إحدى الشخصيات الروائية بسرد كلي للأحداث عبر الذكريات والاسترجاع والحلم والمونولوج.

ما كانت الرواية، أيّة رواية، لتفتح نصّها أمام القارئ إلا إذا كان نصا غنيا مؤثّثا بلغة وبتقنيّات فنية تجعله قابلا للمحاورة والانفتاح على دلالات عدة.

إنّ ما قلناه بشأن انعتاق الشاب والشابة العربية في حواضر الغرب ينطبق على مبنى النص، إذ تحرر من قيود السرد التقليدية وسلمت الروائية سردها، عند الضرورة، لتقنيات تيار الوعي يتحرك من الداخل نحو الخارج وبالعكس، عبر المونولوج والحلم، والفلاش باك وإطلاق العنان للأفكار كي تتدفق وتكشف مكنونات النفس. يبرز التداعي عبر التحرك من زمن لآخر ومن مكان لآخر، والتوقف عند محطات هامة في حياة الشخصية المركزية والشخصيات الثانوية. ساعدت هذه التقنيّات على كسر رتابة النص، وانكشاف الشخصيات أمام القارئ، بكل مركباتها النفسية، بطريقة غير مباشرة، وتجلّت للقارئ بصورة سليمة.

يتمزّق الزمن ويتخلخل ويتهشّم وينزاح عن خطه التقليدي، دون أن يفقد القارئ خط سيره في الربط بين الماضي والحاضر. لقد كان لتقنيات التداعي دور بارز في توسيع رقعة فضاء الرواية وفتح الحبكة الرئيسية على حبكات أخرى ثانوية، والتعرّف على شخصيات متعددة لكل منها قصتها وحكايتها تساعد على سد الفجوات التي يخلقها النص، فتعاضدت كلها كي تجعل الرواية أكثر اتساعا وأكثر عمقا، مما ساهم في بروز القضية المركزية للرواية.

لقد ابتدأت أحداث الرواية من الحاضر عبر رسالة موجهة من ميار إلى سارة فنكلشتاين (31-12-2019)، من شأن هذه الرسالة أن تخلق بلبلة لدى القارئ لأنه يتواجه مع رسالة يجهل دواعيها ومسبباتها، وهي تمتد على حوالي أربع صفحات، تتلوها صفحتان تحاول فيهما الروائية عبر الوسيط/ الراوي كشف الحالة النفسية التي رافقت هذه الرسالة دون كشف أي "سر" آخر. يتلو ذلك مباشرة العودة خمس عشرة سنة إلى الوراء في الزمان والمكان، تحت عنوان "في حضن يافا عام 2004...". من شأن هذا الترتيب الزمني أن يفتح أكثر من فجوة وأن يثير أكثر من سؤال أمام القارئ. فمن كان قادرا على تحمل هذه الفجوات والنظر إليها كعنصر مشوق فسيتابع القراءة، أما من لا يحتمل ذلك فسوف يضع الرواية جانبا.

إنّنا نرى أنّ الإشارة إلى التاريخ مفصلا: اليوم والشهر والسنة يخلق حالة من الإيهام بالواقع، وقد يجعل البعض يعتقد أنها سيرة ذاتية، أو سيرة غيريّة. وهنا يأتي دور المتلقي الذي يتابع القراءة ليرى إلى الموضوع الرئيسي والشكل الفني للرواية ومدى نجاح الروائية في جذب القارئ. يحتاج ذلك إلى بعض التأنّي والتروّي، وبعض التجربة في ممارسة القراءة.

قلنا أعلاه إنّ أحداث الرواية، أية رواية، ترتبط بخيط حريري جذاب ومتين وإلا تخلخلت أحداثها وتفكّكت مما يدعو إلى نفور القارئ، لكن الروائية تحسن التخلّص وتُوظِّف أكثر من ضمير وأكثرَ من صوت لتنعش الأحداث وتهزّ مشاعر القارئ عبر قصة درامية لفتاة شامية سورية، تنضاف إلى قصة ميار. تتداخل القصتان وتتقاطعان ويتنقل المتلقي بينهما مما يزيد من عنصر التشويق.
إنّ توظيف هذه التقنيات، بمهارة كاتب مجرب، رغم أنها رواية الكاتبة الأولى، يجعلنا نغض الطرف عن حساب الزمن، أحيانا، كما أن خمس عشرة سنة هي مرحلة مهمة جدا في عمر شابة تبني مستقبلها، لتعود بعدها إلى حبيب ينتظرها. كنا نتمنى على الكاتبة أن تقلص المدة الزمنية، وان تحافظ على خيط مع الحبيب، فمن شأن هذا التواصل أن يقلّص من تأثير عامل الزمن والتعرّف على شخصية نديم وملامحه الخارجية والداخلية بصورة أوسع، لنتفهم أكثر هذا الانتظار الرومانسي العفيف الذي يشبه في بعض ملامحه عشاق الغزل العذري. لكن، كما يبدو، طغت الفكرة المركزية للرواية على فكر الروائية، وعلى "الأنا الثانية"، أثناء عملية الكتابة، وكنا نتمنى تسليط الضوء أكثر على جوانب من حياته أثناء غياب ميار.

تضيع هذه التفاصيل بفضل جماليات اللغة واتساع رقعة الفضاء وتبدُّل الأمكنة والأزمنة، وطرح قضية نعيشها يوميا. فالفكرة المركزية للرواية التي تلحّ على الروائية طرحتْها في رسالتها الأولى لتصبح كلٌّ من ميار وسارة رمزين لشعبين يتواجهان ويتصادمان. فالانطلاق في الرواية من الزمن الحاضر نحو الماضي عبر الاسترجاع يؤكد على أنّ الحاضر أكثر مركزية، إذ باتت ميار في موقع تقدر فيه على المواجهة، مما يؤكد ما قلناه بأنّ الرواية تسعى إلى ترسيخ فكرة النصر لا الهزيمة، وأن الزمن يعمل لصالح ميار الصبية لا لصالح سارة العجوز.

جوبلين فلسطيني وحوار الذات والآخر

لم تمتح رواية "جوبلين بحري" أحداثها من النكبة مباشرة، ولا من النكسة، إنما هي تستمدّ أحداثَها من القضية المركزية؛ قضيةِ الصراع الفلسطيني الصهيوني في بعده اليومي وفي بعده المستقبلي، بعيدا عن التنظير قريبا من الواقع، ولكنْ ضمنَ عملٍ تعتمدُ كلّ عناصره على التخييل.

إنها رواية تتحدّث عن الفلسطيني الذي يعيش في إطار ما يسمى جغرافيا عرب ال48. وعليه نذكّر أنّ تحليل الأحداث في مبناها الفني أمر في غاية الأهمية، بل هو الأهم، لكن دون بتره عن سياقه التاريخي، الاجتماعي، النفسي والجغرافي، إذ لا نستطيع أن ننظر إلى ميار يوسف إلا باعتبارها الصبية الفلسطينية ابنة يافا التي تعيش هنا سنة 2019، في بيئة اجتماعية لها ميزاتها التي تجعلها مختلفة بعض الشيء حتى عن الفلسطيني الذي يعيش في الضفة أو في دول الشتات. وبالتالي فهي قطعة من جوبلين فلسطيني، نسيجه هو التغريبة الفلسطينية عامةً، التي حيكت أحداثها هنا، في أرض الآباء والأجداد، من شوك وطين. قصة طويلة وحكاية فريدة مؤلمة لم تشهد الأمم على وجه البسيطة شبيها لها، حيث يعيش الفلسطينيّ تحت طائلة القهر والتهجير والمعاناة والتمييز. لكنّ رواية "جوبلين بحري"، رغم انبثاقها من هذا الواقع الشوكيّ، تظلّ رواية الأمل الفلسطيني رغم الألم، ورواية الفلسطيني المدجج بالعلم والمعرفة والفكر النيّر.

إنني لأرى أنّ مجمل الإبداع الأدبي الفلسطيني هو شجرة معمرة تغور جذورها في الأرض وتعلو فروعها مع الزمن، وكل رواية هي فرع جديد. إذن "جوبلين بحري" جزء من الجوبلين الفلسطيني الروائي الذي ساهم في نسجه مجموعة كبيرة من الروائيين وكتاب القصة القصيرة، مثل جبرا إبراهيم جبرا، غسان كنفاني، إميل حبيبي، إبراهيم نصرالله، إلياس خوري، يحيى يخلف، محمود شقير، محمد علي طه، محمد نفاع، سحر خليفة، توفيق فياض ومجموعة من جيل الشباب، من الكاتبات والكتاب الذين يتابعون طريق الإبداع الروائي، وهم يخطّون لهم أسلوبا متميّزا ومغايرا عن أسلوب من سبقهم.

يرى المتابع للإبداع الروائي الفلسطيني أنّ هناك نسيجا فكريا يجمع مجمل هذا الإبداع الروائي، بحيث يستطيع أن يرى إلى المواضيع التي شغلت الروائي الفلسطيني منذ البدايات وحتى اليوم، ليجد أنّها رافقت هموم الفلسطيني حيثما تواجد. كما يستطيع أن يشير إلى ملامح تطورها الفني، وأن يلاحظ انّ هناك مجموعة من الروايات الصادرة حديثا، ومنها "جوبلين بحري"، تضيف بعدا جديدا وخروجا عما كان مألوفا.

اعتدنا على روايات فلسطينية تعالج التهجير والتنكيل ومصادرة الأراضي وهدم البيوت، وهي مواضيع هامة جدا لن تغيب عن فكر الفلسطيني سواء في الواقع أم في الخيال. وهناك الصراع من أجل تثبيت الهوية الفكرية ومحاورة الآخر حوارا عميقا ثقافيا ينم عن إيمان بصدق القضية ومصداقيتها. وما نقلُ الصراع إلى الجامعة والعالم الأكاديمي إلا نقلة نوعية تثبت أنّ ذاك الفلسطينيَّ الذي عاش ما قبل النكبة وبعدها وفقدَ أرضه وبيته، لم يعد هو ذاته، لأنّه اليوم مدجج بفكر ورؤية وفلسفة، يقف بفضلها ندا لرؤية الآخر في تفسيره للتاريخ وللواقع، وبات اليوم قادرا على التصدي وكبح جماح استعلائه.

تكشف أحداث الرواية عن نسيج متين يجمع بين الماضي والحاضر، عبر العلاقة بين ميار وبعض كبار السن، فهل كانت الروائية على علم بأهمية الجمع بين القديم والحديث؟ وهل كانت تؤمن بالمقولة الشعبية "اللي ماله كبير ما إله تدبير"؟ واللي ما له كبير يشتري له كبير"؟

بعد قراءة اللقاء بين ميار وأبو شاهين العجوز المحب والمجرّب، في آن معا، يتبيّن لنا أنّه لقاء مخطّط له، في بعده الفكري، فميار تنتمي إلى جيل الشباب الذي يبحث عن المستقبل في ظل هزائم عربية متكررة، جيل يعيش تبعات النكبة والنكسة رغم أنه لم يشهد تلك الأيام. يمثل العجوز الجيل الذي عانى الأمرّين، وقد جرّب التشرد والهجران وفراق الأحباب حتى بات صاحب رؤية تعتمد على تجارب جعلته أكثر حرصا، وأكثر حذرا. إنّ هذا الربط لهو في غاية الأهمية حيث يبيّن حرص أبناء الجيل السابق على أبناء الجيل اللاحق، وتحذيرهم من مغبة الوقوع فيما وقعوا هم فيه، ولربما كان هذا هو السبب في اعتماد "أبو شاهين" أسلوب الوعظ والتحذير المتكرّر.
يرفض هذا الجيل أن تتكرر الهزائم في عصر الأبناء والأحفاد. كذلك لم تتماد ميار في لوم الجيل السابق واتهامه بالجهل والتنازل والانهزام، فكانت هناك حالة تفاهم ومصالحة لم يبرزها الحوار بقدر ما يحسها القارئ. فمن لا ماضيَ له لا مستقبل له، والزمن ليس عاملا وهميا إنما هو عنصر فاعل في حياة الإنسان، والفلسطيني اليوم ليس مبتورا عن ماضي من سبقوه بل هو امتداد لهم وهو مستقبلهم الذي لم يعيشوه بعد.

قد يدعّي أحدهم متسائلا: هل قصدت الروائية كلّ ذلك؟ أم هو من خلق جماح فكر القارئ الناقد؟ لا يعنيني هذا التساؤل بقدر ما يعنيني التأكيدُ على أنّ هذا هو الشعور الذي اعتراني وأنا ألتقي بالنص الروائي. فهل نقرأ الكاتب الحقيقي حين نلتقي بالنص؟ أم أننا نلتقي بالنص وبالكاتب الضمني الذي يخلق النص حين ينفصل عن أناه الأولى ويلبس أناه الثانية؟

إنّ الكاتب لا يكون ذاته أثناء الكتابة بل هو أكثر من ذات واحدة، لأنه يقوم بعملية التحليق والخلق والتخييل، وعليه يجب ألا ننظر إلى شخصياته على أنّها نسخة من الواقع الذي يعيشه الكاتب المبدع، وإلا ما دور التخييل؟!

رواية "جوبلين بحري" رواية الفلسطيني الباقي هنا، الذي يصارع من أجل تثبيت وجوده وتأصيل هويته، وما هي إلا قطعة أخرى من نسيج روائي فلسطيني ما زال الروائيون والفنانون والشعراء والنقاد والدارسون يخيطونه وينسجونه كخط دفاع خلفي في معركة الهوية والوجود.

خلاصة

تعالج رواية "جوبلين بحري" قضية وجود العرب الفلسطينيين الذين بقوا هنا يصارعون من أجل الحفاظ على كرامتهم ومستقبلهم وحقهم في بناء حياة حرة كريمة. رواية جديدة تحركها أيديولوجيا ثابتة تسعى إلى المواجهة مع الآخر وتفنيد ادعاءاته وعقيدته التي يسعى إلى نشرها وترسيخها.

لقد اختارت الروائية أن تقوم بهذه المواجهة فتاةٌ طموحة عنيدة غلّبت العقل على العاطفة، واختارت الطريق الأصعب، رغم أنها وحيدة والديها، ورغم أنها فتاة عربية، ورغم أنّ لها عاشقا تهيم به، كما تهيم بيافا الوطن. ولأنها تحمل كل هذه المواصفات فقد ربحت العقل وربحت العاطفة؛ نالت شهادة الدكتوراه، شاركت في مؤتمر دولي متحدية "كابتن طيار"، عادت إلى يافا- الوطن، وإلى الأهل وإلى العاشق بعد خمس عشرة سنةً، تسير معه عند الشاطئ الذي "يتكسر موجه فوق رمل الحكاية القديمة، حاملا معه حكاية جديدة لعينين دمشقيتين احتشدت فيهما كل مآذن الشام وحمائمُ الشام ووردُها البلدي، ولوحةُ جوبلين نسجتها أمها لعاشقين قديمين جمعهما الموج والبحر وشروق الشمس". (نهاية الرواية)

يدور الصراع في هذه الرواية في ظل زمكانية لها ميزاتها التي تحكمت فيها ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية وتاريخية، كان لها انعكاسها على شكل الرواية وموضوعها، مما استدعى توظيف تقنيّات حداثية تتلاءم مع طرح موضوع يعيشه العربي هنا يوميا.

إنّ حقل المواجهة مع الآخر يدور هذه المرة في الجامعة، وهو ليس مجرد مواجهة بين شخصين، بل هو لقاء بين فكرين واعيين. لكن أن تكون ميار العربية هي الصبية، وسارة فنكلشتاين اليهودية هي العجوز، قد يقودنا إلى دلالات أخرى تجعل من ميار رمزا للمستقبل وسارة رمزا للماضي؛ إلى ما كان يوما وما سيكون عليه الأمر مستقبلا.

لقد صارع العربي الفلسطيني الباقي هنا فوق تراب وطنه، بعد نكبة 1948 من أجل الوجود الجسدي، والبقاء على قيد الحياة، وتوفير لقمة العيش للأبناء، بعد تهجير الجزء الأكبر من سكان هذه البلاد. وهو صراع الضعيف المهزوم مع القويّ المنتصر، المظلوم مع الظالم، المحتلِّ المغتصَبِ حقُّه مع المحتلِّ الغاصبِ. وهو في "جوبلين بحري" صراع من أجل الوجود الحقيقي، لا الوجود الجسدي فحسب؛ أن تكون أو لا تكون، وذلك من خلال الاتكاء على رصيد واسع من المعارف والثقافة تتصدى به لرواية الآخر.

وبما أننا إزاء رواية جديدة لروائية جديدة فجدير أن نقول بأنها فاجأت القارئ من خلال عدة نواح، لعل أبرزها اللغة الشاعرية الغنية، التي سُبكت وفق جماليات اللغة العربية السليمة، وقد انعكس غنى اللغة في القدرة على تشخيص الأمكنة المتعددة بكل مركباتها. وكان لافتا اعتماد تقنيّات فنية جديدة ساهمت في بناء الرواية بناء فنيا جذابا عملت على تشويق القارئ عبر فراغات كان على المتلقي أن يملأها وفق تجربته الخاصة.

"جوبلين بحري" واحدة من الروايات التي ترفض فكرة الإنسان المهزوم، وتسعى إلى بناء صورة مغايرة للفلسطيني الباقي هنا. رواية يصوغها الألم والأمل منذ الصفحة الأولى وحتى الصفحة الأخيرة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى